أحد قادة الحركة التحريرية يتحدت عن أبعاد الزيارة الملكية التاريخية لمدينة البوغاز

الغالي العراقي : ملحمة طنجة عبدت طريق الوحدة والاستقلال

الثلاثاء 10 أبريل 2007 - 09:15

قال الغالي العراقي، عضو المجلس الوطني للمقاومة وجيش التحرير، إن الزيارة الملكية التاريخية لطنجة شكلت أهمية أساسية في مسيرة الكفاح الوطني.

إذ عبدت طريق الوحدة والاستقلال، معتبرا إياها محطة نضالية كبرى جسدت أول مبادرة ملكية قوية عبر فيها جلالة المغفور له الملك محمد الخامس أمام العالم أجمع عن إرادة كل المغاربة في الحرية والاستقلال.

وأعرب الغالي العراقي، الذي يعتبر أحد قادة الحركة التحريرية المغربية، وكان عضوا بالقيادة المركزية لجيش التحرير بالشمال، عن اعتقاده بأن هذه الزيارة تعطي الدليل على أن النضال الوطني، قيادة وقاعدة، ملكا وشعبا، لم يكن نضالا عابرا أو مرتجلا، وإنما كان نابعا من استراتيجية سياسية واضحة، تترجم الإرادة المشتركة بين الملك والحركة الوطنية، على بذل كل التضحيات، من أجل عزة البلاد وكرامة العباد، واستعادة الحرية، التي سلبها الاستعمار بقوة الحديد والنار.

٭ يخلد الشعب المغربي الذكرى الستين للزيارة الملكية التاريخية، التي قام بها جلالة المغفور له محمد الخامس إلى مدينة طنجة سنة 1947 باعتباركم عشتم أجواء هذه الزيارة، كيف توضحون لنا أبعاد هذه المحطة الوطنية الكبرى؟

ـ لقد قادتني أقدار مسيرة النضال الوطني، الذي كان يخوضه الشعب المغربي في مواجهة البطش الاستعماري، إلى الاستقرار بطنجة، قادما إليها من الجديدة، حيث شاءت الأقدار أن أعايش أطوار الزيارة الملكية التاريخية، التي كانت بالنسبة إلي وإلى جيلي، بمثابة ولادة جديدة، أضاءت لنا المسار، ورسخت في نفوسنا سكة النضال، الذي فتح لنا أبواب العزة والكرامة والانتصار.

ما زلت إلى اليوم، وعلى مدى هذه السنوات الستين، أذكر جيدا تلك الأيام من أيام الله، التي تحولت فيها طنجة إلى قبلة مثالية وقلعة سياسية، يتوافد عليها المناضلون والمواطنون من مختلف أنحاء البلاد، ليجعلوا من مدينة البوغاز الأبية مساحة نضالية، تتجسد فيها كل معاني الوحدة الترابية والسيادة الوطنية، وهي تستقبل بين أحضانها حلول الموكب الملكي يوم 9 أبريل 1947 .

لقد شكلت الزيارة الملكية التاريخية لطنجة أهمية أساسية في مسيرة الكفاح الوطني، إذ عبدت طريق الوحدة والاستقلال.

ويمكن القول إن هذه المحطة تتناغم مع محطة 11 يناير 1944، التي شكلت أول مبادرة قرر فيها الوطنيون رفع مشعل الانتقال من مرحلة المطالب الإصلاحية إلى مسلسل النضال الوطني الحاسم، من خلال تقديم عريضة المطالبة باستقلال المغرب وحريته ووحدته، فيما شكلت محطة 9 و10 أبريل 1947، أول مبادرة ملكية قوية يعبر فيها أمام العالم أجمع عن إرادة كل المغاربة في الحرية والاستقلال.

وأعتقد أن أهم أبعاد هذه الزيارة، التي يمكن إبرازها من ثنايا تخليدنا لهذه الذكرى العظيمة، هي أن النضال الوطني، قيادة وقاعدة، ملكا وشعبا، لم يكن نضالا عابرا أو مرتجلا، وإنما كان نابعا من استراتيجية سياسية واضحة، تترجم الإرادة المشتركة بين الملك والحركة الوطنية، على بذل كل التضحيات، من أجل عزة البلاد وكرامة العباد، واستعادة الحرية، التي سلبها الاستعمار بقوة الحديد والنار.

٭ ما معنى إشارتكم إلى أن النضال الوطني لم يكن عابرا ولا مرتجلا؟

ـ لأن هناك بعض الكتابات، سواء داخل المغرب أو خارجه، وبالخصوص في مصر والجزائر، تصور الجهاد المغربي وكأنه مجرد حادثة سير عابرة، أو كأن الحركة التحريرية مجرد خلية تابعة للمجاهدين الجزائريين أو لقادة المخابرات المصرية.

في حين تؤكد هذه المناسبة التي نحييها اليوم أن الزيارة الملكية لطنجة، شكلت ملحمة نضالية كبرى، فهي لم تكن أبدا زيارة ظرفية أو جاءت فقط كرد فعل على تصرفات الاستعمار القمعية، بل انبثقت من تخطيط وطني محكم، استهدف توجيه رسائل قوية، مفادها أن هذه الخطوة المباركة، مبنية على أفكار وطنية، مترابطة في مكوناتها وغاياتها، واضحة في منطلقاتها وأهدافها، صيغت فصولها ونسجت خيوطها بتلاحم وثيق بين ملك مجاهد أبي، وشعب مكافح وفي.

فإذا أخذنا هذه الزيارة كنموذج، سيتمثل التخطيط المحكم لها في قرار محمد الخامس اختيار السفر عن طريق البر، لكي يخترق موكبه المنطقة الشمالية الخاضعة إلى الإدارة الإسبانية، وفي ذلك أبلغ دفاع عن الوحدة الترابية للبلاد، للتأكيد على أن المغرب واحد، وأن الملك ونظامه واحد، وأن شعبه واحد وموحد، وأن كل الترتيبات التعسفية، التي مزقت الوحدة الترابية للوطن ووزعت أشلاءه على عدة مناطق نفوذ، من منطقة سلطانية تقع تحت النفوذ الفرنسي، وتضم وسط المغرب النابض، إلى منطقة خليفية تحت النفوذ الإسباني، وتضم الأقاليم الشمالية وسبتة ومليلية والجزر والصخور المتوسطية، وأقاليم الصحراء المغربية والصخور والجزر الأطلسية، ثم هناك مدينة طنجة وضاحيتها الخاضعة لنفوذ الإدارة الدولية، وصولا إلى منطقة شنقيط التابعة لنفوذ الإدارة الفرنسية بإفريقيا، ونفس المصير سيصيب مناطق من الصحراء الشرقية والغربية، التي ألحقت سنة 1952 لأسباب أمنية بإدارة الاستعمار الفرنسي الحاكم في الجزائر.

ولذلك جاءت ملحمة طنجة سنة 1947 لتؤكد أن كل هذه الترتيبات التعسفية ليست سوى حوادث سير عابرة، ستزول بالفعل والقوة بإرادة النضال الوطني الحاسم.

وهكذا يكون اختيار طريق الرحلة البرية أتاح اختراق الحدود الوهمية الفاصلة بين مختلف المناطق الوطنية، التي كانت تحتاج إلى جواز السفر، كما أتاحت الزيارة التأكيد على أن جميع مكونات الشعب، واحدة وموحدة، من أجل وطن واحد وموحد.

٭ هل لهذه الأسباب جرى اختيار طنجة بالذات للقيام بالزيارة الملكية؟

ـ نعم ولأسباب أخرى متعددة كلها توضح أن النضال الوطني المغربي، الملكي والشعبي، كان منطلقا من استراتيجية تحريرية واضحة.

ومن هذه الأسباب الإضافية نجد التخطيط الملكي في اختيار ساحة المواجهة الأساسية مع سلطات الحماية، التي حرص محمد الخامس على نقلها إلى طنجة ليكون متحررا أكثر من ضغوطات المحتل، ولإيصال خطابه الوطني الوحدوي إلى مختلف الجهات الدولية المعنية بصورة أفضل.

وفضلا عن ذلك، توفق الملك في اختيار مضمون الرسالة، الذي يريد أن يوجهه إلى الرأي العام الوطني والدولي، وبالعودة إلى خطاب طنجة نجد أن مضمونه يؤكد إرادة المغاربة من القمة إلى القاعدة لتحقيق الوحدة الترابية، والسيادة الوطنية، والهوية العربية والإسلامية، والتطلع إلى الحكم الديموقراطي، والنهوض بالأوضاع الاجتماعية، والعناية بالتعليم، ومحاربة الجهل والأمية والفقر والمرض، وفتح أبواب المشاركة السياسية في وجه النساء والشباب.

٭ وهل تعتقدون أن زيارة طنجة تمكنت من تبليغ كل هذه الإشارات القوية؟

ـ نعم، وكان التبليغ قويا جدا، ما جعل الزيارة، بما عرفته من خطاب ملكي وخطابين أميريين، توصف عن حق وجدارة بالمحطة التاريخية في المسيرة الوطنية، صنعها توفق محمد الخامس في اختيار الأسلوب الأنجع لتبليغ الرسالة الملكية، إذ جرى توزيع الأدوار بذكاء بين أفراد الأسرة الملكية.

فالملك يمثل رمز الشرعية وكل الجماهير الشعبية، وولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن يمثل إرادة الشباب ورجال المستقبل المتحمسين للنصر والتحرر
ثم دور الأميرة لالة عائشة، التي تمثل الرغبة القوية في النهوض بالمرأة وإشراكها في العملية السياسية المصيرية.

وفضلا عن كل ذلك، جسدت الزيارة الملكية حجم التحدي الوطني للبطش الاستعماري، فلا يجب أن ننسى أن الاستعماريين، الذين تنبهوا لتخطيط الملك، حاولوا يائسين تلغيم طريقه، وتخريب أهدافه، وإفشال مخططاته، وثنيه عن الزيارة، ولما فشل مسعاهم، دبروا مؤامرة دنيئة جعلوها ذريعة لارتكاب مجزرة وحشية في مدينة الدارالبيضاء يوم 7 أبريل 1947، عشية انطلاق الرحلة الملكية .

لكن محمد الخامس كان متيقظا لكل ما يحاك له ولبلده ولشعبه من انتهاكات، وتمكن بفضل تلاحمه مع الحركة الوطنية المناضلة من إفشال كل المناورات والمؤامرات، فلم ينل منه لا التهديد ولا الوعيد، ورغم الحوادث الدامية المدبرة والظالمة، فقد قام ليلة سفره إلى طنجة بزيارة تفقدية إلى مدينة الدارالبيضاء، حيث وقف بنفسه على الخراب والدمار، الذي لحق بها وبسكانها، فترحم على الشهداء، وواسى الجرحى والمعطوبين، ثم انطلق يوم 9 أبريل 1947 نحو مدينة البوغاز.

وأعتقد أن قمة التحدي الوطني تجسدت في العبارات القوية، التي جاءت في خطاب طنجة الحاسم، خصوصا حينما علا صوت بطل التحرير بالقول إنه "إذا كان ضياع الحق في سكوت أهله عنه، فما ضاع حق من ورائه طالب، إن حق الأمة المغربية لن يضيع".

٭ طيب، هذا ما يتعلق بدلالات الزيارة، فما هي عبرها، التي يمكن أن تتعظ بها الأجيال الصاعدة؟

ـ إن الجواب على هذا السؤال يحيل على نداءاتي المتعددة من أجل صيانة الذاكرة الوطنية، ليس من منطلق العودة إلى الماضي والانشداد إليه، وإنما تمكين الأجيال الصاعدة من معطيات التجربة التحريرية المغربية، والأخذ بحقيقة منجزاتها، لتستلهم من منابعها الدروس والعبر، ولتستمد منها الجهود والطاقات، للتوجه إلى المستقبل، ورفع الرهانات، ومواجهة التحديات، التي تطرحها مسيرة بناء مغرب الغد.

إنني أركز على أن الوفاء للماضي، يحتم على الجيل الحاضر أن ينتفض، وأن يطالب بنصيبه في الحق والحقيقة، وأن يفرض احترام الرصيد الوطني الذي تحقق عبر المراحل المصيرية، التي كثيرا ما خضعت لتقلبات وملابسات واختلالات، راهن عليها المضللون، لإبقاء هذه الفترة رهينة المزاجات الظرفية والمزايدات الأنانية، هي التي تتحمل المسؤولية اليوم في بروز أعداد من شبابنا، مفصولين عن ذاكرتهم الوطنية، والنتيجة أنه يضعف لديهم الانتماء الوطني كلما وجدوا أنفسهم يعيشون في هوة سحيقة تبعدهم عن تاريخهم وماضيهم وتراث أسلافهم، الشيء الذي يجعلهم لقمة سائغة أمام أمراض الانحراف والتعصب والانغلاق والعنف، أو يصبحون مهيئين للسقوط في مظاهر التيئيس والتهميش وانعدام القيم، وأفظع نتيجة أن يتحولوا إلى قنابل بشرية تأتي على الأخضر واليابس.

لقد برهنت التجارب التاريخية في مختلف الحركات العالمية على أن "من لا ذاكرة له، لا مستقبل له".

وهذا يؤكد أن الغاية المتوخاة من الحفاظ على الذاكرة الوطنية هي توفير شروط الحصانة والمناعة والقوة والطاقة لدى الأجيال الصاعدة، لتقتحم بنجاح سبل بناء المستقبل.

من هذا المنطلق، أعتقد أن المسؤولية في هذا الباب يتحملها جميع الفاعلين في المجتمع، ابتداء من أجهزة الدولة ومخططاتها، وصولا إلى الأحزاب السياسية وبرامجها، مرورا بتنظيمات المجتمع المدني بكل تفرعاتها، من جمعيات اجتماعية ونقابية وحقوقية ونسائية وشبابية، لتنشئة الأجيال الصاعدة على القيم والمبادئ الوطنية السامية، والتشبع بحقوق وواجبات المواطنة.

٭ اسمحوا لنا أن نوجه إليكم سؤالا أخيرا يتعلق بما تثيرونه في كل مناسبة عن أوضاع ومعاناة قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

ـ (مقاطعا) إنها أوضاع فاق ترديها كل تصور .

لقد كان هدف الحركة الوطنية، منذ تأسيسها، هو تمتيع المجتمع المغربي بالحرية والاستقلال، وترسيخ الحقوق الأساسية للمواطن.

ولذلك، فمن العار أنه بعد مرور أزيد من نصف قرن على الاستقلال، ومرور ستين سنة على خطاب طنجة، ما زالت أسرة المقاومة وجيش التحرير تتخبط في مهاوي الحرمان والتهميش والإقصاء، إن المأمول اليوم هو أن تشمل هذه الأسرة رعاية ملكية سامية، ليوضع حد لمعاناة الكثير من أفرادها المجاهدين، مصداقا لما لما قاله في حقهم بطل التحرير، عندما أكد رحمه الله أنه "في أعناقنا لهؤلاء المجاهدين الأبطال، ولهؤلاء الشهداء الأبرار، أمانة يجب علينا تأديتها تأدية تنال رضاهم".

مجاهد من هذا الزمان

بمجرد ما يدخل المرء إلى مكتب المناضل الغالي العراقي، أحد رموز الحركة التحريرية المغربية، تسترعي انتباهه خريطة ترصع زاوية من المكتب، تمثل التراب الوطني في حدوده الطبيعية والتاريخية، التي كانت تمتد من مدينة طنجة شمالا إلى مدينة »أندرسان لوي« السينغالية جنوبا، ومن الواجهة الساحلية للمحيط الأطلسي شمالا وجنوبا، إلى عمق التخوم الصحراوية الجزائرية شرقا، وبمحاذاة الحدود المالية، تخترق العرق الشرقي الكبير، الذي يمتد عبر مقاطعات الجنوب (تديكلت، وعين الصالح، والكورار)، مرورا بالأطلس الصحراوي، وجبال القصور، لتنتهي في سواحل البحر الأبيض المتوسط، بمحاذاة بني مصاف (الغزوات) شمالا.

جوانب هذا المكتب مملوءة برفوف كتب مصففة، أغلبها مصادر ومراجع علمية وتاريخية، عربية وفرنسية، وبعضها إسبانية، فيما جل مواضيعها تخص تاريخ المملكة المغربية، ومراحل نضالها خلال القرن الماضي، من الجهاد التحريري للخروج من ظلام الحجر والاحتلال إلى نور الحرية والاستقلال، وصولا إلى النضال الوطني من أجل استكمال الوحدة الترابية بتجسيد الحقوق الوطنية المشروعة على الأقاليم الجنوبية
هذه الكتب لا علاقة لتصفيفها بنزوع نحو الزينة والتباهي، إذ أن صاحبها التهمها عن آخرها، وما زال يطلب المزيد، فمعروف عن السي الغالي أنه قارئ نهم، للكتب وللصحافة الوطنية والأجنبية، بصفة يومية ومنتظمة، بيد أنه لا يحصر نفسه في خانة القارئ المستهلك، إذ يصر على الإنتاج، والكتابة بانتظام، لطرح أفكار جديدة، أو لمناقشة آراء ومواقف تنشر في الساحة الوطنية والعربية، في كل ما يتعلق بتاريخ الحركة التحريرية المغربية والمغاربية.

انضم السي الغالي إلى الحركة الوطنية الاستقلالية، بتزامن مع تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وعمره آنذاك 20 سنة، كان انخراطا طبيعيا في العمل الوطني، باعتباره يتحدر من عائلة محافظة وطنية ملتزمة، تربى في أوساط الكفاح والنضال، بتوجيه من أخيه المجاهد قاسم العراقي، ممثل حزب الاستقلال بناحية دكالة في العهد البطولي لمدينة الجديدة.

ويصفه الراحل الأستاذ قاسم الزهري في تقديم كتابه "ذاكرة نضال وجهاد"، أنه كان مناضلا متحمسا قبل أن ينتقل إلى مدينة البوغاز، حين دعته حميميته إلى مواصلة الكفاح في هذا الثغر، قبيل الزيارة الملكية التاريخية لطنجة.

ومن هذه القلعة الشامخة، انخرط السي الغالي في انتفاضة التحرير، على إثر مؤامرة نفي الملك محمد الخامس وأسرته الشريفة، بتكوين أول خلية لإمداد حركة المقاومة بالسلاح والعتاد، وبعد تطورات الأحداث، التحق السي الغالي بالقيادة المركزية لجيش التحرير بشمال المغرب.

اختار السي الغالي لمساره صوتا فاعلا، ونشاطا بعيدا عن الأضواء منذ فبراير 1962، لعدة أسباب يرفض شرحها، وإن كانت لا تخفى تفاصيل مسيرتها، المطبوعة بتحدي من ظل يعتبرهم عصابة القهر والظلم، وكل أنواع المضايقات والتهديدات، التي واكبت مسيرة الكفاح الوطني، قبل وبعد النهاية الحتمية لعقود الاستعمار.

وخلال هذه المسيرة، حافظ السي الغالي على علاقات عامة كثيرة ومتنوعة، مطلعا على أحداث تاريخية مهمة، يستحضر محطاتها بدقة متناهية، وإن كان غالبا ما يحرص على ألا يتطرق إلا لما عايشه منها، أو مارسه أثناء مسؤولياته الوطنية والإدارية، أو لتوضيح وجهة نظره الشخصية حول المعارك، التي عاشها، وخاض مراحلها، قبل وبعد الاحتلال.

ومنذ مغادرته الإدارة المغربية طوعا أواخر سنة 1961، إذ كان آنذاك مكلفا بهمة بالديوان الملكي لجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، الذي كان يخصه باحترام وتقدير، انخرط في العمل الحر لكسب معيشته وتلبية مستلزمات عيش أهله وذويه.

عندما دخلت البيت، وجدت المقاوم والمناضل الغالي العراقي منغمسا في حوار هادئ مع رفيقة دربه الفاضلة سمية الهاشمي، أم التوأمين العربي والمهدي، اللذين أكرمه الله بهما في آخر مطافه، كان الزوجان يتهيئان لمشاهدة شريط وثائقي سجل مع القناة الأولى المغربية حول »مفهوم وصيانة الذاكرة الوطنية، والتواصل بين الأجيال« بمساهمة كل من المجاهدين الغالي العراقي ومحمد بنسعيد آيت إيدر، والأساتذة مصطفى الكثيري، ومحمد عياد، وشبيهي حمداتي.

وكان هذا الشريط سجل يوم 16 نوفمبر 2006 بمناسبة الاحتفال السنوي بذكرى العودة المظفرة لبطل التحرير، محمد الخامس، من المنفى.

كانت فرصة لمشاركتهما مشاهدة التسجيل، كان السي بنسعيد، كما العادة، صريحا وواضحا في أفكاره، التي يطرحها بصدق وعمق، وبالعمق نفسه، كانت مداخلات السي الغالي، ومواقفه النقدية واقتراحاته البناءة حول دور المرأة في الحياة السياسية، ومساهمتها الفاعلة في المجتمع المدني، ودور الشباب في تحمل المسؤولية، وتوفير السبل الكفيلة بإنجاح تشبيب الأطر والقيادات، ليتأتى بناء المستقبل الواعد.

تزامن هذا اللقاء، الذي يعود إلى يوم 27 فبراير الماضي، مع يوم ميلاد السي الغالي، خلت أنه نسيه، ومنيت النفس بمفاجأته وتذكيره به، بيد أنني وجدته يتذكره جيدا، وكانت تلك طريقته في الاحتفاء به، معتبرا إياه مناسبة لاستحضار شريط الوقائع والأحداث، والتأمل في مسيرتها، ومضى السي الغالي يقول : إن ما أعيشه حاليا، اعتبره هبة من الله تبارك وتعالى، أنعم علي بها بعدما وهن العظم وأنا أطفئ الشمعة الثالثة والثمانين، متمتعا والحمد لله بحاسة السمع ومكرمة البصر، وصحوة التفكير السليم، وفصاحة التعبير القويم، لا أخاف في الله لومة لائم، ولا أجامل في الحقيقة الوطنية مؤاخذة رفيق ولا حاكم، أحمده وأشكره تعالى على جوده ومكارمه.

وبعد وقفة قصيرة التقط فيها أنفاسه، زاد قوله : "صراحة، بقدر ما تراني غير نادم على المسار الذي سلكته، والنهج الذي اخترته لمسيرتي قبل وبعد الاستقلال، ولا على اعتزالي المسؤولية الإدارية، ولا تجميد مشاركتي السياسية الحزبية، محبذا البقاء في صفوف رجال الظل، الوافين بما عاهدوا الله عليه، بقدر ما تنتابني كثير من الانقصافات أمام ما آلت إليه الحالة المزرية، التي تنهك معظم أسرة المقاومين وأعضاء جيش التحرير، لما يعانونه من تهميش وتيئيس وإقصاء، فمن حق الإنسان أن يتساءل : أمن العدل والإنصاف أن تبقى هذه الأسرة المجاهدة دون تغطية صحية وهي في سن الشيخوخة، وأغلبيتها الساحقة لا تتمتع بمسكن يقيها غوائل التشرد والضياع، بعد مرور أزيد من نصف قرن على نهاية عهد الحجر والحماية؟ لقد تطرقت مرارا لهذه الأوضاع المتدهورة، ولمظاهر النسيان والتواطؤ والإقصاء الممنهج، وطالبت في عدة مناسبات باستدراك الموقف في حق أعمدة التحرير الأصليين، ودعامات الاستقرار الشرعيين المتأصلين، الذين وهبوا أنفسهم في سبيل استقلال البلاد وتحرير العباد".

هذا هو الغالي العراقي، مجاهد من هذا الزمان، صادق وعميق، سواء وهو يتحدث بألم، أو وهو يرسم معالم المستقبل بأمل.




تابعونا على فيسبوك