إعلان الرباط يتوج أشغال المؤتمر الإفريقي الأول

الأفارقة يتعهدون بإرساء تعاون تنموي حقيقي

الإثنين 09 أبريل 2007 - 09:04

تعهد الوزراء المكلفون بالشؤون الخارجية ونظراؤهم المكلفون بالتنمية البشرية في الدول الإفريقية، المشاركون في المؤتمر الإفريقي الأول للتنمية البشرية، بتسخير جميع الإمكانيات المتاحة من أجل إرساء تعاون إفريقي حقيقي في مجال التنمية البشرية.

وأكد المشاركون في هذا المؤتمر، الذي احتضنته الرباط على مدى يومين، أهمية إدراج هذا التعاون في استراتيجياتهم وخطط عملهم على المستويات الإقليمية والجهوية، مشددين على ضرورة تشجيع الشراكات الإفريقية بين الفاعلين الوطنيين في مجال التنمية البشرية بهدف تبادل التجارب والخبرات وخلق الانسجام الضروري من أجل استعمال أمثل للموارد وأهداف الألفية من أجل التنمية والتنمية المحلية.

وأبرز المشاركون الأفارقة، الذين توجوا اختتام أشغال مؤتمرهم الأول، أول أمس السبت، بإصدار »إعلان الرباط«، أن التنمية البشرية تشكل أولوية بالنسبة إلى المجتمع الدولي، ومن شأنها الاستجابة للحاجيات الأساسية ولتطلعات الشعوب الإفريقية، بتكريس قيم التضامن والوحدة بين بلدانهم والعمل معا من أجل تسريع تحقيق أهداف الألفية للتنمية، مؤكدين ضرورة اعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية لفائدة الفئات الأكثر احتياجا من السكان، بهدف الرفع من مداخيلها وتقليص الفقر، وخاصة من خلال خلق وتنويع الأنشطة المدرة للدخل في المناطق المعزولة والفقيرة.

والتزم المؤتمرون، اعتبارا للالتزامات التي أخذها المجتمع الدولي على عاتقه من أجل الاستجابة للحاجيات الخاصة في إفريقيا، بتنفيذ برامج خاصة، لاسيما في مجال التهيئة الهيدروفلاحية وتنويع موارد الدخل لفائدة سكان العالم القروي من أجل سد النقص الحاصل في مجال الإنتاج الفلاحي، والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي.

وقرر المشاركون، إيمانا منهم بأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة تشكلان عنصرين مترابطين يعزز بعضهما الآخر في إطار مسلسل التنمية البشرية المستدامة، إحداث آلية للنهوض ببرامج القروض الصغرى في كل بلد إفريقي بهدف دعم القدرات الإنتاجية للسكان الفقراء، متعهدين بتطوير برامج التربية النظامية وغير النظامية الجاري تنفيذها في البلدان الإفريقية ودعمها، بهدف مواصلة مكافحة الأمية والتهميش بشكل أكثر نجاعة وسرعة، خاصة في العالم القروي.

وتضمن »إعلان الرباط« أيضا تشبث الدول الإفريقية ببلورة وتنفيذ ودعم مخططات العمل لمكافحة داء فقدان المناعة المكتسبة (السيدا) والملاريا والسل والولوج إلى الأدوية ذات الأثمنة المناسبة، بالإضافة إلى الرفع من الاستثمار في البنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية الأساسية، وكذا تيسير وضع رهن إشارة الصندوق العالمي للتضامن التمويلات الضرورية من أجل تمكينه من المساهمة في مكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي في البلدان الأكثر فقرا.

كما شمل "إعلان الرباط" أيضا ضمن فقراته (45) تكريس المساواة بين الجنسين باعتبارها عاملا محفزا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن شأنها ضمان مشاركة كاملة للنساء في التنمية البشرية المستدامة، والعمل على ضمان فرص متساوية، بالنسبة إلى النساء والرجال، وبالنسبة إلى الوصول إلى خدمات التعليم والتشغيل وباقي الخدمات الاجتماعية في سياساتها وتشريعاتها، علاوة على تيسير مشاركة المرأة في عمليات صنع القرار على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية، وتيسير دينامية محلية جديدة للتنمية من خلال مشاركة السكان وانخراطهم في مسلسل التنمية، وتشجيع إشراك المواطنين والوحدات اللامركزية في إعداد وتنفيذ السياسات والبرامج الموجهة إليهم، والتي يجب أن تكون مؤسسة على مقاربة المشاركة والشراكة والانسجام والحكامة والتنفيذ التدريجي لسياسات التدبير غير الممركز، بهدف تحسين الأثر المباشر لبرامج التنمية لدى السكان.

وأكد"إعلان الرباط"كذلك على الرفع من حجم الاستثمارات في مؤسسات الحكامة بغية الرفع من قدرات الفاعلين، خاصة على مستوى التخطيط وإعداد وتتبع سياسات التمويل وكذا تدبير الموارد، وعلى تشجيع تبادل الخبرات الإفريقية في مجال اللامركزية وتعزيز القدرات وتدبير الموارد، اعتمادا على الممارسات الجيدة، وعلى تشجيع إحداث شبكة إفريقية للخبراء في مجال التنمية البشرية وإحداث وحدات وطنية مكلفة بالتنسيق بين الشبكات الوطنية للخبرة، بالإضافة إلى عقد اجتماع إفريقي للمؤسسات المكلفة بالتخطيط والإحصاء، بهدف تعميق التفكير حول مؤشرات التنمية البشرية على النحو الذي يجعلها ملائمة للحقائق الاقتصادية والاجتماعية للبلدان الإفريقية وزيادة مصداقية ونجاعة المعايير المعتمدة في مجال تقييم مؤشرات التنمية البشرية.

وقررت الدول المشاركة إحداث لجنة متابعة مكونة من المكتب الموسع للمؤتمر تتكلف برفع مقترحات من أجل الإعداد للمؤتمر المقبل، المزمع عقده في الغابون، وضمان انتظام انعقاد هذا المؤتمر، بهدف إقامة شراكة استراتيجية جنوب ـ جنوب، وإعداد أرضية مشتركة للتنمية البشرية بين البلدان الإفريقية.

وكان محمد بن عيسى، وزير الشؤون الخارجية والتعاون، أكد في الكلمة، التي اختتم بها المؤتمر الإفريقي الأول حول التنمية البشرية، أن التعاون جنوب ـ جنوب يشكل محركا أساسيا من أجل الاستغلال الأمثل للإمكانيات الإفريقية وتقاسم التجارب.

وأشار بن عيسى إلى أن "إعلان الرباط"يؤسس لمسلسل طويل المدى سيمكن من مواصلة التفكير بشكل مشترك وتبادل وجهات النظر حول القضايا الرئيسية بالنسبة إلى إفريقيا والأهداف التي يشكل تحقيقها مبعث أمل للشعوب، داعيا إلى ضرورة التزام الجميع بالتنفيذ الفعلي للتوصيات، التي أصدرها المؤتمر.

وبدورهم، أكد كل المتدخلين في الجلسة الختامية، أن هذا اللقاء الإفريقي مكن من فتح حوار على صعيد القارة الإفريقية حول القضايا الأساسية المرتبطة بالتنمية البشرية، وإغناء التفكير وتبادل بناء ومفيد لوجهات النظر حول هذه القضايا، التي توجد في صلب انشغالاتهم وطموحات سكان القارة الإفريقية، مضيفين أن النقاشات أظهرت أن لدى الدول الإفريقية إرادة قوية في تعزيز تضامنها وتحسين شروط عيش سكانها وبذل الجهود الضرورية من أجل تحقيق أهداف الألفية للتنمية.

وأجمع المشاركون، خلال جلسات المؤتمر وورشات العمل الثلاثة، التي عرفها هذا اللقاء، على أن التنمية البشرية تعتبر غاية يسعى المجتمع الدولي قاطبة إلى بلوغها لأنها أضحت في أيامنا هذه وسيلة لا غنى عنها للنهوض بالمساواة والعدالة والأمن على الصعيد العالمي، ولتقليص الفجوة بين بلدان الشمال والجنوب.

وأكد المشاركون أن التنمية البشرية صارت مشروعا مجتمعيا مشتركا وطموحا تتوق إلى تحقيقه حكومات العالم وشعوبه على حد سواء، مبرزين أن المفارقة تكمن في أن الفجوة التي تفصل بين الشمال والجنوب ما فتئت تزداد اتساعا خلال السنوات الأخيرة رغم الفرص التي أتاحتها العولمة وتقدم العلوم والمعرفة.

وأضاف المشاركون أن استمرار هذا الوضع يوشك أن يبطل الجهود المبذولة إلى حدود الساعة في سبيل إرساء دعائم نظام عالمي قائم على السلم والأمن، ومتوجه نحو تنمية بشرية مستدامة، مبرزين أن أهداف الألفية بثت في القارة الإفريقية دينامية جديدة تهدف إلى قلب المؤشرات، التي تكرست منذ ثمانينيات القرن الماضي، بسبب تعدد الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح المشاركون أنه رغم الجهود الجبارة، التي بذلت في سبيل تحقيق أهداف الألفية الإنمائية، فإن القارة ما زالت تعتبر المنطقة، التي سجلت أدنى مستويات التقدم، إذ ظل عدد المحتاجين في ارتفاع طيلة تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب انخفاض متوسط الدخل.

من جانبهم، أوضح ممثلو المملكة في المؤتمر أن المغرب انخرط بعزم في دينامية البناء الديمقراطي والتنمية البشرية والتحديث، وقام بإصلاحات مؤسساتية وتشريعية وسياسية كبرى، من أجل تكريس دولة الحق والقانون وترسيخ حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وأشار ممثلو المغرب، في تقديمهم للتجربة المغربية في مجال التنمية البشرية، إلى أن الإرادة السياسية القوية والحازمة لصاحب الجلالة مكنت من إنجاز إصلاحات كبيرة من أجل إقرار المساواة والإنصاف.

وقدموا حصيلة وضعية التنمية البشرية بالمغرب في منتصف أفق 2015 ، في وثيقة تحت عنوان "سياسات التنمية وتقليص الفقر : التجربة المغربية مسار تدرجي وتراكمي"، مؤكدين أن النتائج التي حققها المغرب خلال العشرين سنة الأخيرة في مجال تقليص الفقر تعد مشجعة، لكنها تظل محدودة مقارنة مع المجهودات المبذولة والميزانية المخصصة للقطاع الاجتماعي، إذ انتقلت عتبة الفقر من 5.1 في المائة سنة 1985 إلى حوالي 8 في المائة سنة 2004، فيما كانت نسبة الفقر تتمحور سنة 2004 في 14 في المائة، بفضل انخراط المغرب في استراتيجية شاملة ومندمجة لتثمين مكتسباته وجهوده، التي توجت بالإعلان عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تؤسس لمرحلة حاسمة نحو إدماج مجموع الاستراتيجيات، وخبرة المسلسل الطويل للتنمية، الذي انطلق منذ سنوات الستينيات.




تابعونا على فيسبوك