يتمحور موضوع اليوم العالمي للصحة هذه السنة حول الأمن الصحي العالمي الهادف إلى حث الحكومات والمنظمات والجمعيات والشركات على "الاستثمار في قطاع الصحة وبناء مستقبل أكثر أمانا".
وأبرزت الدكتورة مارغريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، في لقاء دولي في سنغافورة، "أننا نعيش في عالم تنشأ الأخطار الصحية فيه، نتيجة سرعة الرحلات الجوية وحجمها، ونتيجة للأساليب التي ننتهجها لإنتاج الأغذية وكيفية استخدامنا، أو سوء استخدامنا للمضادات الحيوية والطريقة التي نتبعها لإدارة البيئة".
وقالت إعلانا عن شعار اليوم العالمي لهذه السنة"إن أي كائن غريب يغزو إقليما ما يتمتع بالسيادة، ويفلت من نظم الإنذار ويفتك بحياة المدنيين ويعطّل الاقتصاد، هو خطر يتهدد الأمن بكل المقاييس، والأمراض الجديدة ليست كلها من النوع الذي يفتك فتكا ذريعا بالناس، وليست كلها معدية أو قادرة على الانتشار على الصعيد الدولي مسببة الذعر والهلع، ولكن الأمراض التي تحدث ذلك إنما هي أخطار دولية تتهدد الأمن الصحي".
وأضافت أن "هذه الأنشطة تؤثر جميعا في أحد أعظم الأخطار التي تتهدد الأمن الصحي بشكل مباشر، ألا وهي تفشي الأمراض المستجدة والأمراض التي قد تتحوّل إلى أوبئة«، وهي الأمراض التي أعلنت أنها "قادرة على التسلل عبر الحدود دون أن يشعر بها أحد، ودون أن يوقفها أحد".
واستطردت أنه "لا يمكن لوسائل الدفاع التقليدية الموجودة على الحدود الوطنية أن تضمن أية حماية ضد جرثومة يحتضنها مسافر غير مشتبه به أو حشرة تتخفى في إحدى الشحنات".
ونبهت مارغريت تشان إلى أن جميع الدول باتت عرضة للمخاطر، واعتبرت أن مواطن الضعف هذه التي يشكو منها العالم، تقتضي تهيئة وسائل دفاعية جماعية وتحمل مسؤولية مشتركة في تفعيل تلك الوسائل.
وعزت تفشي تلك الأمراض التي أصبحت تشكل تهديدا أكبر بكثير مما كانت تشكله قبل ثلاثين عاما فقط، لسببين اثنين، إذ قالت في إطار تحديدها للسبب الأول، »لقد أدت التغييرات التي طرأت على كيفية استغلال البشر لكوكب الأرض، إلى ظهور أمراض جديدة بأعداد لم يسبق لها مثيل، فقد جرى، في الحقبة الممتدة بين عامي 1973 و2003 (وهو عام ظهور المتلازمة الرئوية الحادة الوخيمة "سارس")، الكشف عن 39 من عوامل المرض الجديدة القادرة على إحداث أمراض بشرية.
وقالت في السياق نفسه، إن أسماء البعض من تلك العوامل، نالت شهرة كبيرة، وحددت هذه الأمراض في الإيبولا والأيدز والعدوى بفيروسه، والكائنان المسؤولان عن متلازمة الصدمة السامة وداء الفيالقة.
ومن العوامل الأخرى أشكال جديدة من الكوليرا والتهاب السحايا وفيروس هانتا وفيروس هيندرا وفيروس نيباه والفيروس H5N1 المسبب لإنفلونزا الطيور.
وأعلنت عن عدم تفاؤلها لما يحدث معتبرة أن الاتجاه الذي يسير فيه العالم على هذا المستوى"لم يسبق له مثيل في التاريخ ولا شك في أنه سيستمر".
وعن ثاني هذين السببين قالت المسؤولة الأممية، إن "الظروف الفريدة من نوعها، التي طبعت القرن الحادي والعشرين، أسهمت في تضخيم الطاقة الاستشرائية والمدمرة للأمراض الوبائية".
وأوضحت قائلة "لقد أصبحنا كثيري الحركة، فقد بات بوسع الطائرات نقل نحو مليارين من المسافرين سنويا، وقد تعلمنا من تجربة المتلازمة الرئوية الحادة الوخيمة (سارس) كيف يمكن لمرض جديد الانتشار على طول مسارات النقل الجوي الدولي".
واعتبرت أنه بسبب تلك العوامل باتت جميع الدول عرضة للخطر ليس بسبب اجتياح العوامل المسببة للأمراض لأراضيها فحسب، وإنما أيضا بسبب الصدمات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تفشي العدوى في مناطق أخرى.
بل إن بعض الخبراء ذهبوا بعيدا ليقولوا إنه لم يعد ثمة وجود للوباء »الموضعي«، وخلصت إلى أنه "سيكون هناك دوما، عواقب دولية جراء حدوث أي مرض فتاك أو مريع أو أي مرض ينتشر بسرعة فائقة".
وتحدثت المسؤولة نفسها عن الجانب الإيجابي في هذا الصدد، والمتجلي في الشفافية التي تميز عالمنا الإلكتروني، التي باتت تحول دون رغبة البلدان في إخفاء الأوبئة التي تحدث فيها فهناك دائما من يسرب الأخبار ويبثها فقد كانت التقارير الإعلامية العام المنصرم، أوّل إنذار في ما يخص أكثر من 52 في المائة من الأوبئة التي تحققت منظمة الصحة العالمية من صحتها ـ في ذلك العام فقط " والبالغ عددها 197 وباء.
وأعلنت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية أنه في يونيو من هذا العام ستدخل اللوائح الصحية الدولية المنقحة حيز النفيذ، وقالت إنها"المرة الأولى التي تحصل فيها منظمة الصحة العالمية على إذن بالتدخل، استنادا إلى تقارير إعلامية، لتطلب من أي دولة متضررة التحقق من انتشار فيروس ما وتعرض عليها التعاون، وإذا رفضت الدولة المعنية ذلك العرض، يمكن للمنظمة إنذار العالم بحدوث طارئة تثير قلقا دوليا وذلك باعتماد معلومات غير البلاغات الحكومية الرسمية«، معتبرة أن ذلك يعد "خطوة كبرى لتعزيز أمننا الجماعي".
وأكدت أن "أفضل دفاع ضد الأمراض المستجدة، والأمراض التي قد تتحول إلى أوبئة لا يكمن في نصب الحواجز التي لا تفي بالغرض في الحدود والمطارات والموانئ، بل يكمن في إدارة المخاطر على نحو استباقي، ما يقتضي الكشف عن الفيروسات والأوبئة في مراحل مبكرة ووقفها في المنبع " أي قبل أن تتمكن من الانتشار لتصبح خطرا دوليا
وقالت مارغريت تشان "نحن الآن في موقع جيد لاتخاذ إجراءات على هذا النحو الوقائي".
وأعلنت أن التطور المستمر يمثل آلية البقاء التي ينتهجها عالم الجراثيم، والتي يمكنها التنسخ مليون مرة في اليوم، وقالت إن هذه »الجراثيم تمتلك الإمكانات اللازمة لانتهاز أية فرصة نمنحها إياها للتكيف والغزو والإفلات من قبضتنا".
وقالت أيضا إن "الفرص متعددّة فما فتئت الضغوط الناجمة عن النمو السكاني تدفع بالناس إلى مناطق لم تكن مأهولة من قبل، مما يسبب اختلالا في التوازن الدقيق بين الجراثيم ومستودعاتها الطبيعية، ويسهم ذلك في تهيئة تربة خصبة للأمراض الجديدة".
وحسب المسؤولة نفسها فإن النمو السكاني يتسبب أيضا في تقريب الناس من الحيوانات الداجنة، مما يخلق ضغوطا تطورية على العوامل المساعدة والمؤدية إلى المرض، ويخلق أيضا أمامها فرصا، كي تجتاز الحاجز القائم بين الأنواع.
وأعلنت عن ظهور حوالي 75 في المائة، من مجموع العوامل المساعدة على انتشار الأوبئة المستجدة القادرة على إصابة البشر في شكل أمراض تصيب الحيوانات في بادئ الأمر.
وتعتبر الدكتورة مارغريت تشان، أن التوسع العمراني شجع الحشرات الناقلة للعدوى على التكيف مع أماكن تكاثرها، إذ تعلمت كيف تعيش في أكوام النفايات والقاذورات الحضرية، كما يسهم التكدس في ظل ظروف لا تحترم مبادئ النظافة في تهيئة تربة خصبة لاستفحال أوبئة الأمراض المعروفة، مثل الحمى الصفراء وحمى الضنك.
وتحدثت عن تدهور البيئة وتغيّر الأنماط المناخية، معتبرة أن ذلك يسهم في استشراء الأمراض المعروفة في أماكن وفترات زمنية غير متوقّعة لتتسبب في حالات مرضية بأعداد غير مسبوقة.
ولم تغفل رسالة المسؤولة الأممية إنتاج الأغذية بشكل مكثف، بما في ذلك استخدام المضادات الحيوية لدى الحيوانات، معتبرة أن ذلك يساهم في ظهور ضغوط إضافية على عالم الجراثيم، ما يؤدي إلى حدوث طفرات وحالات تكيف منها مقاومة تلك الجراثيم للأدوية.
واستحضرت سوء استخدام مضادات الجراثيم لدى البشر، وتسببها في إخفاق الأدوية الأساسية بسرعة، تفوق بكثير سرعة استحداث الأدوية البديلة لها.
وقالت إنه"إذا استمر هذا الاتجاه فيمكننا البدء في تخيل عالم لن تصبح فيه المضادات الحيوية الأساسية ناجعة كما كانت من قبل، ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن السلالات الفيروسية والجرثومية المقاومة للأدوية قادرة أيضا على التنقل بين الدول بسهولة".
ويركز يوم الصحة العالمي، المكرس هذا العام لمسألة الأمن الصحي الدولي، حسب المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، الاهتمام على هذه الأخطار المعقدة والمتداخلة التي تتهدد أمننا الجماعي.
وقالت في ختام رسالتها »لقد باتت الأخطار الناجمة عن الأمراض المستجدة والأمراض التي قد تتحول إلى أوبئة، تتهدد جميع بلدان هذا العالم الذي أصبح يعج بالحركة، وأصبحت أجزاؤه متداخلة ومترابطة«، وأضافت أن تلك الأخطار »إنما تؤكد حاجتنا إلى تحمل مسؤولية مشتركة واتخاذ إجراءات جماعية من أجل التصدي لمواطن الضعف التي يشكو منها العالم وذلك في قطاعات تتجاوز المجال الصحي
ويظهر من خلال رسالة منظمة الصحة العالمية التي حددت معالم تخليد اليوم العالمي للصحة هذه السنة، أنها توجه للحكومات والدول، وأنها في جوانب محدودة توجه الخطاب للأفراد.
والمنظمة بهذه الرسالة تعلنها حربا عالمية على الفيروسات والأوبئة التي باتت تهدد الشعوب في كل أنحاء العالم متحدية كل الحواجز والحدود، الطبيعية منها والجمركية