قال مشاركون في يوم دراسي، حول مشروع قانون الصحافة والصحافيين المهنيين، إن المشروع يكتسي أهمية، لكنه في حاجة إلى نقاش معمق.
وأوضح المتدخلون في اليوم الدراسي، الذي نظمه المرصد المغربي للحريات العامة مساء يوم الجمعة المنصرم بالرباط، أن المشروع يجب أن يخضع لمشاورات موسعة تتجاوز المهنيين بحكم أن الصحافة شأن مجتمعي ولا يهم فقط الممارسين للمهنة .
وتساءل المتدخلون عما إذا كانت هناك حاجة، في الوقت الراهن لقانون جديد للصحافة؟ وقال يونس مجاهد، الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، إن الميزة الأساسية، التي تطبع الإعداد للمشروع الجديد هو خضوعه لنقاش بين الأطراف الأساسية المعنية : وزارة الاتصال، فدرالية الناشرين، النقابة، وهذا شيء إيجابي في حد ذاته، غير أن النقاش الذي دار بين هذه الأطراف لم يتناول فلسفة المشروع ككل وأبعاده العميقة، بل تركز حول الأحكام المتضمنة فيه، خاصة ما يتعلق بالعقوبات.
وأضاف أن قطاع الإعلام يعرف تحولات متسارعة ينبغي أخذها بعين الاعتبار أثناء الإعداد لأي قانون للصحافة، مذكرا أن المسألة لا تقتصر فقط على جانب واحد في الصحافة أو جزئيات، بل هناك قضايا أعقد ستواجه المهنيين مستقبلا من قبيل التحديات، التي تطرحها الصحافة الإلكترونية، وهيمنة رؤوس الأموال، والإشهار، والحق في الوصول إلى الخبر، والقانون الأساسي للصحافيين، والتحالف بين السياسي والاقتصادي وبين الإعلام.
وأكد مجاهد ضرورة تبني رؤية مستقبلية بخصوص الموضوع المرتبط بقانون الصحافة
وأبرز أنه منذ 2002، تاريخ صدور القانون الحالي، طرأت تغيرات كبرى على حقل الإعلام، وأن هناك ضرورة لمواكبتها وأخذها بعين الاعتبار في إنجاز مشروع جديد للصحافة
وأضاف أنه لا يجب مناقشة الموضوع بتبسيطية، مؤكدا الموقف الثابت للنقابة المعارض للعقوبات السالبة للحرية، وللعبارات الفضفاضة.
في السياق نفسه، أكد الحسين الملكي، حقوقي، أن ورش الصحافة كان من بين الأوراش، التي استأثرت باهتمام الدولة منذ أواخر الخمسينيات، من خلال إصدار مجموعة من القوانين المرتبطة بالجمعيات والحريات العامة، والصحافة .
وانتقد المتدخل الصيغة الحالية لمشروع الصحافة الجديد كونه يطغى عليه الطابع الزجري، إذ لا يكاد يخلو فصل من فصوله من أحكام تتعلق بغرامات مالية أو عقوبات حبسية.
وأكد أنه لا معنى للإبقاء على العقوبات السالبة للحرية، كما أبرز أن بعض الغرامات المالية المتضمنة في المشروع هي أخطر من العقوبات السجنية من حيث انعكاسها على المقاولة الصحفية، بحكم الغرامات الباهضة المتضمنة في بعض فصوله.
وأوضح أن المؤسسة الصحفية لا تحظى بما تحظى به المقاولات الأخرى في مدونة الشغل من ضمانات تتوخى الحق في استمرار المؤسسة لأداء وظيفتها.
وركز المتدخل على ضرورة تفعيل الدور الإيجابي للقاضي المتمثل في البحث عن العدالة
وأكد بدوره أن الصحافة تُعتبر شأنا مجتمعيا، وأن حرية الصحافة واستقلاليتها حق للجميع داعيا إلى عدم منح الإدارة أي أحقية في التدخل، بحكم أن الإجراءات الإدارية خاضعة للمزاجية والقناعات الشخصية، ومن شأنها أن تتسبب في تجاوزات.
وأكد عبد العزيز كوكاس، صحافي، أن إشكاليات الصحافة لا ينبغي أن تبقى رهينة بالصحافيين، بل هي مرتبطة بالمجتمع كله.
وتطرق إلى المشاكل التي تواجهها الصحافة في المغرب من حيث قلة المقروئية والانتشار، وإشكالية العلاقة بين السلطة والصحافة، وهي علاقة المتصارعين بالفطرة، بحسب تعبيره، بفعل الخلاف القائم في الرؤية، فإذا كانت السلطة تحرص، بطبيعتها، على الكتمان، فإن الصحافة تسعى إلى الصراحة والشفافية ونشر المعلومات، وهو ما يندرج في صميم عملها.
وتساءل كوكاس عن سبب منع جرائد أجنبية من الطبع في المغرب وعن سلطة المال وتأثيرها في الإعلام.
من جهته، تساءل محمد الصبار، رئيس منتدى الحقيقة والإنصاف، عما إذا كنا في حاجة إلى تعديل جديد لقانون الصحافة؟ وركز في تدخله على ضرورة منح الآليات اللازمة الضامنة لحرية ممارسة الصحافة، مبرزا أن المسؤولية متضمنة في الحرية.
وأشار إلى الدور الوازن الذي أصبحت تلعبه الصحافة المستقلة المكتوبة في التأثير في الرأي العام الوطني، من خلال إثارتها لمواضيع لها حساسية، وجرأتها في تجاوز "الخطوط الحمراء".
وذكر أن الصحافة شأن مجتمعي، وأن دراسة ومناقشة قانون الصحافة يخضع لنقاش عمومي على خلاف القوانين الأخرى، بالنظر إلى طبيعة المهنة التي تهم قضايا المجتمع وتقوم بخدمة اجتماعية.
وركز الصبار على ضرورة الدفع بحرية الصحافة إلى الأمام، وأنه لا سبيل إلى التراجع إلى الوراء، مبرزا أن المغرب أصبح يواجه تبعات سياسية مُكلفة كلما لجأت السلطات إلى منع الصحف وعمدت إلى تطبيق العقوبات الزجرية، لدرجة أن العديد من المنظمات العاملة في المجال تشير إلى ذلك في تقاريرها، وقال إن هدف ذلك كله هو تفادي أن يتراجع المغرب إلى الوراء.
وأكد الصبار أن حرية الصحافة متقدمة على مستوى الممارسة مقارنة مع مقتضيات القانون في حد ذاتها، إذ أصبح الصحافيون يتطرقون إلى أمور ومواضيع لم يكن ممكنا التطرق إليها قبل عشر سنوات.
وانتقد استمرار وجود عقوبات سالبة للحرية في المشروع الجديد، واستمرار العبارات الفضفاضة، والتضييق في الآجال.
ودعا إلى ضرورة تأمين حرية الممارسة الصحفية وفضح كل من يمس بهذه الحرية بأي ذريعة كانت، كما دعا المجتمع إلى اعتماد واجب التآزر مع الصحافة كلما تطلب الأمر ذلك
يشار إلى أن مبادرة المرصد المغربي للحريات العامة، تندرج في إطار المساهمة في توسيع النقاش حول مسودة المشروع الجديد الذي يوجد في طور الإعداد من طرف الحكومة، والذي من المنتظر أن يُعرض عما قريب على المجلس الحكومي من أجل المصادقة.
وتوزعت آراء المهنيين بخصوص هذا المشروع بين من اعتبره خطوة متقدمة في مجال ترسيخ حرية الممارسة الصحفية، خاصة أن مسودة المشروع قلصت من العقوبات الحبسية، واستبدلت أحكاما حبسية بغرامات مالية، وبين من يرى أن المشروع ما زال في حاجة إلى تطوير في اتجاه إلغاء العقوبات السالبة، وتدقيق بعض العبارات والجمل الفضفاضة.