رئيس مصلحة برامج التكوين بكتابة الدولة المكلفة بالشباب

أحدث الإنترنت عزلة اجتماعية وفجوة في العلاقة بين الآباء والأبناء

الخميس 29 مارس 2007 - 20:32

ارتفعت وثيرة اقتحام الإنترنت للبيوت المغربية، الشيء الذي غير العلاقة بين أفرادها، أثر على سلوك أطفالها، واستحوذ على اهتمام شبابها

ويرى الاختصاصيون في الإعلام عبر الإنترنت أن للشبكة إيجابيات في محاربة الأمية، إذ من المفترض في المستعمل لهذه الوسيلة معرفة القراءة والكتابة، ودراية مهمة في تقنيات التواصل عبر الحاسوب، إلا أن هذه الشبكة تساهم أحيانا في نقل الأطفال والشباب لأماكن خطيرة، لاسيما المواقع الإباحية و"الشات"، التي تجعلهم يخاطبون ويتفاعلون مع كيانات لا يعرفونها، وقد يصدقوا ما يصل إليهم، بل إنه أصبح في كثير من الأحيان شبكة للإيقاع بعدد من الضحايا من الأطفال والفتيات الصغيرات. قال عبد اللطيف الكدائى، رئيس مصلحة برامج التكوين بكتابة الدولة المكلفة بالشباب، وباحث في علاقة وسائل الإعلام بالأطفال، في حديث لـ »المغربية« إنه من الواجب مراقبة الأبناء من طرف الآباء، ومتابعة التغييرات التي تطرأ على سلوكهم عن كثب، وإلا سيصبحون أمام أطفال لا يعرفونهم، ويكونوا مجرد آباء بيولوجيين في حين أن الانترنيت هو أبوهم الحقيقي.

٭ نظرا لانتشار الإنترنيت بسرعة فائقة واقتحام هذه الوسيلة البيوت المغربية ارتأيت أن جلب انتباه الآباء للظاهرة واجب لما تلعبه في تغيير سلوك الأطفال في البيت والمدرسة
ما رأيكم في الظاهرة؟

ـ لا بد من إشارة أولية في هذا الموضوع إلى إثارته من طرف مجموعة من الباحثين في علم الاجتماع المعاصر، إذ بات الإعلام يشكل بصفة عامة أهمية بالغة وزاد من تعقيد نمط حياتنا المعاصرة، كما أحدث تغييرات عميقة في حياة الأفراد والجماعات في مجتمعاتنا بصفة عامة، ولعل وسائل الإعلام الحديثة تختلف اختلافا بينا في آثارها وعمق مفعولها عن أية منتجات تكنولوجية أخرى كما أشار إلى ذلك عالم الاجتماع الفرنسي المعروف »جان بوديار« والسؤال الذي قد نطرحه اليوم هل وسائل الإعلام بما فيها الانترنيت أدت الدور الأساسي الذي وجدت من أجله أم لا؟ بمعنى آخر هل أسهمت في نمو المجتمعات المعاصرة ام أنها خلقت مشاكل جديدة وفجوات بين الشعوب في نظام القيم ككل داخل كل مجتمع؟ لاشك أن الذي يمكن أن نتحدث عنه بصراحة في ما يتعلق بالانترنيت أنه أضحى يمثل منظومة من التفاعل والترابط لمجموعة من الأفراد لاسيما الشباب والأطفال والمراهقين بالشبكة العنكبوتية عوض أن يكون ببعضهم البعض مثلا
تحضرني هنا دراسة أنجزتها إحدى الجامعات الأمريكية سنة 2000 على عينة واسعة تضم 4000 من مستخدمي الانترنيت، تبين أن هؤلاء الأفراد يقضون وقتا أقل مع أفراد آخرين أو عائلاتهم، مقارنة مع الذين لا يستخدمون الانترنيت
كما تبرز هذه الدراسة أن استخدام الانترنيت يبعد الأفراد عن وسائل الإعلام والاتصال الأخرى بما فيها التلفزيون والصحافة ويخلق نوعا من العزلة الاجتماعية أكثر من ذي قبل
ربما أعتقد أن أهم ما يمكن أن يحدثه الانترنيت من تغيير في سلوك أطفالنا هو ما يتعلق أساسا بالقيم، إذ ينشر الانترنيت نظاما جديدا من السلوكات الغربية، والتي يعمل على تشجيعها بالتأكيد من قبيل القرصنة، الكذب، انتحال الهويات، التحريف والتزييف، نشر الفيروسات وأنظمة التدمير والتخريب الافتراضية وهذه كلها أساليب من شأنها تنشئة جيل مختلف عن الأجيال السابقة جيل له لغة أو "كوداج" لا يفهمه إلا مستخدمو الشبكة، وبالتالي سيطرح صعوبات تواصلية جمة

٭ ما هو تأثير ذلك على العلاقات داخل الأسرة؟

ـ الإنترنيت "عالم على الخط"، أي أن هناك عالما أمامك وداخل كل البيوت أو على الأقل يوجد في كل الأحياء من خلال انتشار ظاهرة »السيبير« العلاقة مع الآباء ستزداد بالتأكيد صعوبة من جراء الفجوات والشرخ المتواصل للانترنيت، ونظرا لقلة التفاعل والاحتكاك الأسري تزايدت العزلة الاجتماعية داخل الأسرة الواحدة، كل طفل مراهق أصبح له عالمه الافتراضي الذي يقدمه له الإنترنيت كما يلاحظ أن المجالات الأخرى لتربية الأطفال داخل الأسرة كالكتاب وأساليب الترفيه التقليدية من حكي وقصص وألعاب ترفيهية وحركية بدأت في الانحسار هذا لا يعني أن العلاقات قد تفتقد داخل الأسرة، من الممكن أن يحدث العكس إذا استطاعت الأسرة أن تنتبه إلى هذا الأمر، وأن تولي مزيدا من الاهتمام بأطفالها وأن يخصص لهم الوقت الكافي من لدن الآباء حتى يمكن فهمهم واستيعاب التغيرات الحاصلة لديهم، وإلا سنصبح أمام أطفال لا نعرفهم، وأن نكون مجرد آباء بيولوجيين في حين أن الانترنيت هو أبوهم الحقيقي

٭ كيف ترون الإقبال على هذه الوسيلة؟

ـ الإقبال بلا شك متزايد من قبل الأطفال والمراهقين والشباب، هذه الفئات في غالبيتها تتاح لها أولى فرص التعرف إلى الإنترنيت في سن التمدرس 6/7 سنوات في المدن، أما في البوادي قد يكون الأمر مختلفا أي سن متقدم لكن الثابت أن كل سنة سيزداد انتشار هذه الشبكة داخل المنازل بفعل العروض التي تقدمها الشركات المتنافسة، وقد يصبح في وقت ما كالتلفزيون حاليا، موجود في كل المنازل، وبالتالي سينافس كل الوسائل الحالية في الاتصال، لكن في كل الأحوال الفرق بينه وبين التلفزيون مثلا يتمثل في كون مستخدم الشبكة يُفترض فيه نوع من الإلمام بتقنيات معينة : معرفة أولية بالحاسوب، القدرة على القراءة والكتابة وأعتقد أن هذا الأمر مهم، فهو سيقلل لدى الناشئة الجديدة نسب الأمية وقد يقضي عليها نهائيا وهذا شيء إيجابي

٭ ما هو موقع الكتاب بالنسبة للإنترنيت؟

ـ يوفر الانترنيت دون شك منبعا مهما للمعلومة، كما هائلا جدا من المعلومات المختلفة وبكل لغات العالم طبعا هذا غير متوفر بالسرعة والكمية في الكتب الإنترنيت يقدم كل المعلومات بشكل رقمي وسريع دون إبطاء، لكنه في نفس الوقت يعلم التلاميذ نوعا من "الجاهزية"، فعدد كبير من التلاميذ عوض أن ينجزوا عروضا باطلاعهم على الكتب وعلى المراجع والاقتباس والاستفادة منها بشكل منهجي، نجدهم ينجزون عملية سطوعلى مقال منشور بالإنترنيت إنه في اعتقادي يقلل حتى من فرص الكتابة ليصبح التلميذ أمام عرض مطبوع دون أي مجهود كتابي على الأقل، كما من شأن ذلك أن يزيد من تعميق أزمة اللغة في مجتمعاتنا خاصة مع الأخطاء الكثيرة التي بتنا نشاهدها على صفحات الإنترنيت العربية، فيعتقد مستخدمو الإنترنيت أن بعض الكلمات أو التعابير هي صحيحة لأنهم شاهدوها على الإنترنيت، وهذه معضلة أخرى
طبعا الإنترنيت قلص بشكل كبير من شراء الكتب واقتناء المراجع لدى عموم التلاميذ والطلبة بصفة عامة، كما قلل من نسبة قراءة الصحف أيضا

٭ هل الإنترنيت يوفر ثقافات مختلفة عن ثقافة الكتب؟

ـ أعتقد أن هناك اختلافا على مستوى الشكل أكثر منه حول المعلومة، فهناك بالتأكيد عدد من المواقع التي تقدم مقالات مطولة ودراسات منشورة بالكتب أيضا، بل هناك كتب بكاملها على الشبكة
لكن الذي يختلف هو طريقة التصفح، فعوض أن تقرأ في الورق وبشكل مريح، فأنت تسمر عينيك أمام الحاسوب وفي وضع غير مريح أحيانا
وهذا ما يجعلك غير قادر على استكمال قراءة مقالة ما في الإنترنيت، أي أن هناك تصفحا سريعا مما يفقد نكهة القراءة التروي والتمعن

٭ ما هي في رأيك إيجابيات وسلبيات الإنترنيت؟

ـ الإيجابيات هي واضحة كما هي السلبيات أيضا، الإنترنيت يوفر لك كما هائلا من المعلومات في مختلف المجالات، لكنه في المقابل ينقلك إلى أماكن خطيرة جدا، لاسيما المواقع الإباحية والشات التي تجعلك تخاطب أو تتفاعل مع كيانات لا تعرفها وقد يصدق الأطفال والمراهقون ما قد يقال لهم، بل إنه أصبح في كثير من الأحيان شبكة للإيقاع بعدد من الضحايا من الأطفال والفتيات الصغيرات، إنه نوع من المافيا الجديدة عندما تنشط أساليب الإجرام المتجددة داخل الشبكة والتي طرحت تحديات جديدة على العالم اليوم حتى بتنا نسمع بشرطة الانترنيت : تعقب المجرمين داخل الشبكة العنكبوتية، وهذا أمر يختلف كليا عن السابق
حيث أصبح من الصعب الوصول إلى هؤلاء المجرمين، إن الأمر يتطلب مهارة فائقة ومراقبة قوية لملايين المستخدمين عبر العالم، وتعاون كبير بين أجهزة الشرطة عبر العالم

٭ كيف يمكن حماية الأطفال من ولوج بعض المواقع التي تفسد التربية؟

ـ من الصعب حماية الأطفال بتقديم وصفات جاهزة معينة للآباء مثلا لكن الأمر معقد ويحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات الاجتماعية بكاملها أي الأسرة والمدرسة والإعلام لابد أولا من توعية الأسرة حتى تقوم بتربية الأطفال وتوجيههم التوجيه المناسب، وفي هذا الباب لا أعتقد أن ثقافة المنع يمكن أن تؤدي إلى أية نتيجة، الانغلاق والمنع دائما يؤدي إلى نتائج عكسية بل من اللازم على الآباء التحلي بالصبر وسعة الصدر لمعرفة ما يجري، ومن اللازم أن يكون الآباء على دراية بالإنترنيت ومساوئه
وعلى المدرسة أن تقوم بدورها في توجيه التلاميذ نحو الجوانب الإيجابية في الإنترنيت والتنبيه إلى خطورة بعض الانزلاقات وعلى أصحاب المقاهي أن تتوفر فيهم مؤهلات تربوية معينة، وحرص وميثاق شرف لمراقبة المراهقين وتوجيههم، لا يجب في الحقيقة أن تمنح رخصة فتح محل للإنترنيت للمنحرفين أو الأميين
أي لابد من إجراء بحث على كل من طلب فتح محل حتى يتم التأكد من سلوكه وسمعته وحسن تربيته وإلا سيساهم في إفساد أجيال بكاملها




تابعونا على فيسبوك