حتم توسع المدن المغربية دخول أراض كانت في المدار القروي إلى المدار الحضري، غير أن المهتمين يحذرون من مغبة عدم التعامل مع هذا المعطى الجديد بشكل حضاري، وإدخال هذه الأراضي خصوصا الممنوحة للتعاونيات للتجزيء والمضاربة.
علما أن تلك التعاونيات التي مُنحت من طرف الدولة حق استغلال تلك الأراضي، ولكن هذه التعاونيات لم تمنح حق البيع أو الإيجار.
المطلوب الآن هو تحكيم العقل، والتفكير في الحاضر دون إغفال المستقبل، وبالتالي استغلال توسع المدار الحضري للمدن بشكل إيجابي لبناء مدن المستقبل، والتجسيد الفعلي لمغرب الحداثة.
الحداثة ليست عقيدة يدعي المرء اعتناقها، بل هي ممارسة قبل كل شيء، فالمغرب يتطلع إلى مدن تغني عن الأسف، بعد عقدين أو ثلاثة، لهدر الأرض والوقت في زمن لن يجدي فيه الأسف نفعا.
لقد أثبتت التجارب، ليس في الدول الكبرى فحسب، بل أيضا في دول كنا متقدمين عليها بالأمس القريب في مجال العمران، أن التدبير العقلاني في هذا المجال هو الصواب بعينه، وأن مدن المستقبل لن تقوم لها قائمة إلا إذا منح التصرف فيها لمؤسسات كبرى لأنها تراعي معايير الجودة، وتلزم بالنظر في الحاضر إلى المستقبل أثناء التهيئة، فضلا عن وحدة التصاميم.
بقدر ما يستبشر المرء خيرا بالازدهار العمراني في عدة مناطق بالمغرب، بقدر ما يعض أصابعه متأسفا على الأخطاء التي ارتكبت سابقا، والتي اتضح أنها تشوه المظهر العام لمدن حديثة، وأن قلبها النابض لا يستجيب لمتطلبات العصر.
لم يعد أمام المغرب وقت يضيعه، ولا يمكن السماح لأي كان أن يعيد إنتاج الأخطاء نفسها، فالتجزيء الذي أشرنا إليه ينبئ بمخاطر عدة، فالمضاربة تقود إلى الارتفاع الصاروخي لأسعار العقار خاصة، وهذا يضرب في العمق هدف تمكين المواطنين من امتلاك السكن، خصوصا بعد أن صار البحث عن القطع الأرضية من قبل المنعشين العقاريين كالبحث عن النجوم في عز الظهر، في مدن نظير الرباط والدار البيضاء والبقية تأتي.
لا بد، إذن، في التعامل مع مغرب اليوم النظر إلى مغرب الغد، وألا نستصغر أي شيء، خصوصا الأرض فهي أساس كل شيء، بل هي الرمز الذي تسير بذكره الركبان، وإذا تهاون من تحمل المسؤولية في تدبير شأنها ترى ما الذي سيفعله في مجالات أخرى؟