وضعت مصالح الأمن بأناسي، بالدار البيضاء، ليلة الجمعة الماضي، حدا لعشرة أيام من فرار الانتحاري الثالث المفترض، عبد العزيز رقيش (25 سنة)، واعتقلته بحي أناسي، المحاذي لدوار السكويلة بالدار البيضاء.
بعد مطاردة دامت زهاء ساعتين، ومفاوضات عسيرة معه، انتهت بتسليم نفسه في آخر المطاف، دون وقوع أي إصابات تذكر.
وكانت مصالح الأمن، عثرت على بطاقة التعريف الوطنية لعبد العزيز رقيش، في الغرفة التي كان يستأجرها الانتحاري عبد الفتاح الرايدي، وشريكه يوسف خودري، في حي مولاي رشيد، بمعية مواد تستعمل في صناعة المتفجرات.
ورجحت مصادر أمنية أن يكون الانتحاري الافتراضي رقيش، تخلص من الحزام الناسف الذي كان يحمله، مشيرة إلى أن التحقيق معه سيكشف المكان، الذي رمى فيه هذا الحزام، وتفاصيل أخرى.
وبعد حادث تفجير مقهى الأنترنيت، يوم 11 مارس، كثفت مصالح الأمن جهود البحث عن الانتحاري الثالث، الذي يعتقد أنه كان ينتظر الرايدي وخودري، خارج مقهى الأنترنيت، قبل وقوع الانفجار، خاصة أنه ظل يختبئ في محيط منطقة أناسي التابع لعمالة البرنوصي، واعتدى بسيفه على مواطنين، بدعوى "محاربة المنكر".
وتعود وقائع الإيقاع بالانتحاري الافتراضي، بعد رصده، حوالي السابعة والنصف مساء، بالقرب من مدرسة المسيرة بالحي المذكور، لتنطلق عملية المطاردة، التي كانت محكومة بالحيطة والحذر الشديدين، خوفا من أن يكون الانتحاري مدججا بحزام ناسف.
كما أطلقت رصاصتان، حسب شهود عيان، في اتجاه الانتحاري، لم يصب بأي واحدة منهما
وحسب مصادر أمنية، فإن بعض أفراد الأمن في بداية الأمر، حاصروا الانتحاري بالقرب من المدرسة، لكن أشهر في وجههم سيفا، وظل يهدد بتفجير نفسه بقاطع كهربائي كان يحمله في يده، إذا اقترب منه أي شخص، مشيرة إلى أنه لاذ بالفرار في اتجاه العمارة 38 بمدخل 1، واحتمى بداخلها، قبل أن يقفز إلى سطح عمارة أخرى بالمدخل 2، ويمكث بدرج هذه العمارة، لينتهي به المطاف في الأخير بتسليم نفسه .
عشرة أيام من البحث والانتحاري يعتدي على مواطنين بعد العثور على بطاقة التعريف الوطنية للانتحاري في الغرفة التي كان يستأجرها الرايدي بحي مولاي رشيد، قالت مصادر أمنية إن مصلحة الشرطة القضائية بأناسي، بتنسيق مع مصلحتي الاستعلامات العامة، و»الديستي« في المنطقة الأمنية المذكورة، كثفت بحثها في محيط حي أناسي ودوار السكويلة، خاصة بعد تردد أخبار تفيد أن الانتحاري لايزال يتجول هناك، وتقديم شكايتين من طرف ضحيتين، أكدا أن المعتدي عليهما هو الشخص المبحوث عنه، عبد العزيز رقيش، وتعرفا على هويته لكونهما يسكنان بدوار السكويلة ويعرفان أوصافه حق المعرفة.
وكان المتهم، تهجم ليلة الجمعة ما قبل الماضية، بدوار السكويلة، على مواطن يدعى "مصطفى ح"، ويلقب بقريدة، وأصابه بواسطة سيف بجروح وصفت بالخطيرة في يده ووجهه ورأسه .
وقال الضحية مصطفى، لـ "المغربية"، إن عائلته كانت تحتفل تلك الليلة، وأنه خرج حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا، أمام بيتهم للتحدث في الهاتف مع صديقته، ففوجئ بالشخص المشتبه به يصرخ في وجهه قائلا "إن هذا منكر"، فرد عليه قائلا "مالي أشنو تندير" .
وأضاف الضحية أن المشتبه به، تهجم عليه بعد أن استل سيفا كان يخبئه تحت ملابسه، وسدد له ثلاث ضربات في يده اليسرى، قطعت على إثرها أعصاب وعروق يده من الجهة السفلى، إضافة إلى إصابته بجرح في رأسه استدعى تقطيبه بـ 6 غرزات، وآخر في وجهه بـ 12 غرزة .
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ قام الانتحاري الافتراضي، ليلة الخميس الماضي كذلك، بالاعتداء على مواطن آخر، كان بصحبة صديقه، وبرفقة فتاتين، بالقرب من مدرسة محمد السادس بمنطقة أناسي بالدار البيضاء، وأصابه ببعض الخدوش.
حصار على المنطقة ومراقبة ستوقع المتهم ضربت عناصر الأمن طوقا على دوار السكويلة، حيث يقطن والدا الانتحاري، منذ صباح الجمعة، وكذا محيط حي أناسي المجاور له، الذي اعتدى فيه على المواطنين المذكورين، وجرى نصب كمائن في مختلف المنافذ للمتهم، الذي تأكد أنه مازال يجول هناك.
بدأت المطاردة بالقرب من مدرسة المسيرة، حوالي السابعة والنصف مساء، بعد رصد رقيش يسير بمحاذاتها، تأكد المراقبون من أوصافه، فسرت كالنار في الهشيم، إخبارية في أوساط رجال الأمن الذين كانوا متأهبين، وجرت عملية مداهمة المتهم في الحال بالقرب من المدرسة، بحذر شديد خوفا من أن يفجر نفسه.
حاصر بعض عناصر الأمن، الذين كانوا بعين المكان، المتهم بقرب إحدى المحلات، وطالبوه بتسليم نفسه، غير أنه سرعان ما أشهر في وجههم سيفا، وقاطعا كهربائيا كان مشدودا بسلك إلى حزامه، مهددا بتفجير نفسه إذا اقترب منه أي شخص.
تريت عناصر الأمن، خوفا من الوقوع في ما لا يحمد عقباه، في حين أطلق رقيش ساقيه للريح في هذه اللحظة، في اتجاه عمارة 38 بمدخل 1، ليحتمي بها، قبل أن يقفز بعد ذلك عبر السطح إلى عمارة أخرى بمدخل 2.
وفي الوقت الذي حضرت على وجه السرعة مختلف الأجهزة الأمنية، التي حاصرت مختلف مداخل ومخارج العمارتين، وضربت طوقا على محيط المنطقة، نزل الانتحاري إلى الطابق الرابع من العمارة، قبل أن يبدأ المسؤولون الأمنيون التفاوض معه من أجل تسليم نفسه
واحتمى بالدرج، ورفض في بداية الأمر تسليم نفسه .
رفض نداء والده وظل يخدع رجال الأمن بتفجير نفسه لم يستجب الانتحاري، عبد العزيز رقيش، لنداء والده وأخته اللذين صعدا إلى المكان، الذي كان يحتمي به، وحثاه على تسليم نفسه، وطلبا منه عدم التهور، لكن محاولاتهما باءت بالفشل، إذ طلب منهما الانصراف.
وحسب شهود عيان من العمارة، فإن رقيش، نزل من الطابق الرابع، واستقر بالطابق الثالث، في الوقت الذي ضرب فيه طوق أمني محكم على محيط العمارة، واسترسل رجال الأمن، الذين كانت مسدساتهم على أهبة الاستعداد، في إجراء مفاوضات معه .
وقالت طفلة تقطن بشقة في الطابق الرابع"لقد نزل من السطح، سارعنا إلى إغلاق الباب بسرعة، بقي واقفا هنا، وكان يقرأ القرآن ويردد الشهادة ويضرب بسيفه الحائط، ورفض في بداية الأمر تسليم نفسه، وطلبت منه جدتي أن ينزل".
وأضافت أن جدتها قالت له »هبط عندهم أوليدي«، فرد عليها "سيري دخلي ألوليدة بحالك".
بعد دقائق سينزل الانتحاري إلى الطابق الثالث، ملوحا بالسيف الذي كان يحمله في يده اليمنى، ومهددا في كل وقت وحين رجال الأمن، بتفجير نفسه، بالضغط على القاطع، الذي لم يبارح يده اليسرى، في حالة أن شخصا اقترب منه.
وذكر الشهود ذاتهم أن الانتحاري طرق باب إحدى الشقق بالطابق الثالث، وطلب منهم بعض الماء، توضأ به، وصلى ركعتين أمام باب الشقة، بعد أن رفض أصحابها السماح له بالدخول، ثم استرسل في ترديد الشهادة وقراءة بعض الآيات القرآنية، قبل أن يؤكد لهم أنه سيسلم نفسه.
وذكر شهود عيان أن الانتحاري كان يطالب رجال الأمن بإطلاق سراح زملائه، ويتوعد بأن مصالح الأمن ستندم على أفعالها.
وأضاف ساكن آخر بشقة في الطابق ذاته"فتحت الباب فوجدته واقفا قرب شقتي، فصرخ في وجهي أدخل وأغلق عليك الباب".
وحوالي التاسعة والنصف ليلا، وبعد مفاوضات عسيرة وترقب، اقتنع الانتحاري عبد العزيز رقيش، بأنه لا مفر من تسليم نفسه، فنزل من الطابق الثالث إلى الباب الرئيسي للعمارة، تحت مراقبة أمنية دقيقة، وحيطة وحذر شديدين، اعتقادا بأنه مدجج بحزام ناسف، لكن سرعان ما سيتبين أن القاطع والسلك، اللذين كان يحملهما مجرد تمويه منه، ظل يخدع به رجال الأمن.
رمى الانتحاري الافتراضي بالحقيبة الرياضية، التي كان يحملها، ثم بالسكين من الحجم الكبير، فأتبعه بالقاطع والسلك، قبل تفتيشه بشكل دقيق، واقتياده داخل سيارة توقفت أمام باب العمارة، انطلقت بسرعة كبيرة نحو ولاية الأمن تحت حراسة مشددة.
وبعد تفتيش الحقيبة، التي كان يحملها، تبين أن بها فقط ملابسه، التي حملها معه من بيت والديه، عندما علم أنه مبحوث عنه.
خوف وهلع في أوساط سكان العمارة تملك سكان العمارة التي احتمى بها الانتحاري الافتراضي، خوف شديد وهلع كبير، خاصة الأفراد الذين حوصروا داخل شققهم.
وظل بعض السكان يصرخون من النوافذ طالبين النجدة، إذ لجأت سيدة بالطابق الرابع إلى النافذة لتلوح بيدها في اتجاه رجال الأمن، وتردد بأعلى صوتها "أنقذونا راه حنا كنموتوا" فيما كان شخص آخر يحث رجال الأمن من نافذة بالطابق الثالث على التدخل بسرعة ووضع حد للأمر.
وظلت عناصر الأمن طيلة الوقت تهدئ من روع السكان، وتؤكد لهم أن الوضع تحت السيطرة، وأن الأمور تسير بأمان وأن شيئا لن يمسهم.
وسارع العديد من الجيران وبعض الأهل، بعد اعتقال الانتحاري، إلى العمارة المذكورة من أجل الإطمئنان على ذويهم، خاصة أنه تردد في أوساط سكان الحي أن البعض أغمي عليه جراء هذا الحادث المروع.
والده مصدوم وينفي علاقته بالانتحاريين وقف محمد والد عبد العزيز رقيش، متحسرا مصدوما أمام العمارة، يقلب مئات الأفكار والأسئلة، التي كانت تمزقه داخليا، خاصة أن كل الأعين كانت تتجه صوبه في تلك اللحظات.
تحدث بنبرة حزن، بعد أن رفض عبد العزيز الامتثال لندائه بتسليم نفسه، أن ابنه كان طيبا ومشهودا له بذلك في أوساط سكان دوار السكويلة، وأنه غادر البيت منذ شهر إلى عبدة، وعند عودته علم بأنه مبحوث عنه، فقرر الهرب.
وقال إن ابنه كان يبيع "السيديات" وكان مسالما . بعد اعتقاله، حضرت أخته، وعيناها ممتلئتان بالدموع، والحيرة توزعها بين أمها التي أغمي عليها بمجرد سماع الخبر، وبين شقيقها الذي كان يهدد بتفجير نفسه.
وهدأ بعض السكان من روعها وطمأنوها بأنه سلم نفسه وخرج سليما، ولم يفجر نفسه.