احتفاء باليوم العالمي للشعر ينظم "بيت الشعر" عبر جميع مناطق المغرب الدارالبيضاء، المحمدية،
الفقيه بن صالح، ورزازات، الرباط، آسفي، القنيطرة، طنجة، أصيلة مكناس، سلا احتفالات موسعة بهذا اليوم، بمبادرة من جمعيات ومؤسسات وطنية ومحلية. ويحيي "بيت الشعر" أمسية شعرية كبيرة مساء هذا اليوم بمقر مندوبية وزارة الثقافة بالدار البيضاء يشارك فيها الشعراء : أحمد لمسيح وحفصة بكري لمراني وجمال امش ومحمود عبد الغني ومحمد بوجبير
أمسية تفتتح بكلمة بيت الشعر التي جاءت هذه السنة بعنوان"عمت صباحا ايها الشاعر" والتي جاء فيها : "يرتبط 21 مارس من كل سنة بعيد الاحتفال باليوم العالمي للشعر، عيد الاستجابة لنداء الحياة ضد الموت وما يرمز إليه من برودة وجمود وفناء. إن ما يميز الشعر عن باقي أنماط القول والإبداع كونه يتغنى بما ينتصر للإنسان، وبما يجعله يتسامى عن العوالم السفلى التي تقيده لما تتسم به من نزعة نحو اجترار الضغائن الدفينة والأحقاد والفتن. غير أن مهمة الشعر لم تكن دائما سهلة أو مريحة، لأنه اختار الغوص في أعماق المجهول من أجل معانقة المعلوم ومحاولة فهمه؛ ولأنه اختار أيضا الانزياح عن المبتذل في كل شيء والدفاع عن الحق في الوجود. فلا غرابة أن نجد تاريخ الشعر مثقلا بالقمع الذي يتعرض له أصحابه بل أحيانا حتى المولوعين به. مئات الشعراء سجنوا وعذبوا وقتلوا وأحرقت دواوينهم لأن القول الشعري لا يقبل به الجلادون الذين لا غيرة لهم إلا على مصالحهم وعلى كراسي سلطتهم. كما أن الشعر لا يحلو في أعين الذين يريدون بسط أيديهم على ثروات العالم باحتقارهم للشعوب وتقزيم القيم الإنسانية، واختزالها فيما يقدمونه من وصفات كاذبة للخروج من التخلف والانتقال إلى مجتمع الديمقراطية. إن الشعر لا يعرف الانهزام أمام كل هؤلاء، إذ له القدرة على الانفلات من مخالبهم والتسلل في صمت إلى غرف نومهم ليقض مضجعهم ويصادر أحلامهم. لهذا نراهم والعرق يتصبب من جبينهم، يصرخون ويهرولون ويهددون بالدمار والقتل والفتك. لكن في نهاية المطاف يتهاوون ويسقطون واحدا تلو الآخر في دهاليز الجحيم. إن تاريخ البشرية حافل بمثل هذه المشاهد التي ينتصر فيها الشعر على الطغاة وحراسهم. لذا نعتبر نحن في بيت الشعر أن الاحتفال بالواحد والعشرين من شهر مارس هو احتفال بهذا الانتصار والتذكير بأنه آت على مر الأجيال وتعاقب السنين مهما اشتد تعب الطريق. أما السر في ذلك فمرده لكون الطغاة يجعلون من زرع ونشر الخوف العارم أساس بقائهم، بينما يحث الشعر على محبة الوطن والوفاء له ومقاومة كل إغراء قد يهدده. فما أحلى العيش في وطن يربي ناشئته على هذه القيم وما أروع التضحية من أجلها، لأنها هي التي تعلمنا كيف نحول ظلمة اليأس الدامسة إلى مسالك مضيئة نحو أفق الرخاء. فالشاعر يرضى بالاحتراق في حضرة اللهب وبالمعاناة في خلاء المنافي، دفاعا عن الوجود في أبهى حلله. لكنه لن يساوم بحريته التي هي حرية من يعشق الحياة والجمال. فمن الواجب بالتالي التساؤل عن مفارقات غريبة: كيف يعقل أن نتلذذ بالإصغاء إلى الثرثرة في زمن كثر فيه الدجالون والنحالون والمهرجون الدهاة عوض الانتشاء برائحة الورد التي وحدها تدلنا على حقيقة أنفسنا؟ كيف يعقل أن نستسلم لقناعات واهية عوض التشبت بما يغذي فينا عنف الغضب ولذة الدهشة؟ كيف يعقل أن نخجل أمام واقع آسن عوض الدنو من الشمس والاحتراق بشعلتها؟ كيف يعقل أن نرتدي عباءة الانطواء والعبس والانحناء عوض المشي عراة يلفنا نسيم الشهداء وفرح الأبرياء؟ ألم يحن الوقت لنفطن لكل هذا حتى نخرج من مدار الذهول؟ هناك شعراء كثيرون قضوا نحبهم في صمت ولم نلتفت إليهم، مما يعتبر خطئا فادحا. واليوم بيننا شعراء يصارعون المرض والموت بكبرياء وابتسامة ساخرة محدقين في المطلق كي لا يعم الحزن أجفانهم وأن لا نحس بملح دمعهم على وجنتينا. فما عسانا أن نقدم لهم في هذا العيد المتجدد، هم أهل الود والحج والعمارة، حتى نجعلهم يطمئنون على أن صباحاتنا ستكون دائما بمثابة هدية للحب والحرية؟ عمت صباحا أيها الشاعر لا تأبه بمن يصرون على عدم التعطر بضوء الفجر الذي لا ينطفئ واحتسي قهوتك بلا عجل"
كما يلقي الشاعرعلال الحجام كلمة بمناسبة اليوم العالمي للشعر جاء فيها »هلْ يمكنُ الاستغناء عن الشعر؟ أو بصيغةٍ أخرى: ألا يزالُ هناك حقّاً مكانٌ للشّعر في عصرٍ أغرقتِ الآلةُ والتّكنولوجيا الدقيقة والفتوحات العلمية حياةَ الإنسان، وغزَتِ الحداثةُ المادّيةُ براءتَه، وكلّسَتْ تلقائيّتَهُ الطفوليّة، فكان من الطبيعيّ أن يجْعلَ البعضُ حاجتَه الاستهلاكية بديلاً لحاجتِهِ الفنية؟ وإذا كان الأمرُ كذلك، مادام الإنسانُ مرغماً على "تأسيسِ وجودِه بالكلام« السّامي كما يرى هيدجر، فما الذي يجعلُ الشعرَ ضرورةً ملحّة في عصرنا الرّاهن؟ إنّه هو ما يجعلُ الكلمةَ الحالمةَ أخْلدَ من سَطْوة الدّكتاتور، وأعْتى من آليات قهرٍ جهنّمية تجتثُّ جذورَ كلّ ما هو رائع وجميل، إصراراً فاتناً على تخْصيبِ منابعِ الخيالِ روضةً مخضلّةً بقدرما تُصِرّ زوابعُ الفيافي على تدمير أحلام الرّبيع وتحنيطِها. وإذا كانَ الشّعرُ هو رَحِم الصّلوات التي تعلّمُ الكلمةَ كيمياءَ اتحادِ الماءِ بالنّار في انسجامٍ لا يُضاهى، وتلقّنها أبجديّة السّحر، فلا تقودُ تراتيلُهُ إلا إلى مَسَرّاتِ الأعالي، ولأنّه ما تبقّى لنا من عطرِ سلامٍ يُبَشّرنا بأملٍ وضّاءٍ لا ينطفي، وكوّةُ فَرَحٍ في غياهبَ هوجاءَ تفترسُ كلّ ما هو إنسانيّ، فلا شيءَ سواهُ يَهَبُنا العزاءَ الجميلَ في فَداحَةِ انحطاطٍ لا يدَ لنا في استشرائِهِ... وهلْ هناكَ أقدرُ من الشّعر على الامتلاء ببهجَة الحياة حتى في دهاليزِ الموت وأَوْجِ المأساة، وتفجيرِ براكينَ مفارقةٍ خارقةٍ تجعلُ من الكلمةِ مُتْعَةً غامرةً لا ضفافَ لها : في غبَشِ اللّيل أو بُلجةِ الصّباح، على قِمَمِ البُطولة أو في مهاوي الشّهادة؟ لا غروَ أن تأبيدَ اللّحظة الحالمة، وتدفّقَ الحياة دافئةً نديّةً، وطوباويةَ العودة من مزبلة التّاريخ إلى نقاء العالم وبهائه، ودهشةَ الانخطاف في اتجاه المستقبل، إنْ هي إلا بهارات سحريّة تجعَلُ للشّعر مذاقاً بطعْم انتشاءِ الكلمةِ بمطلقِها متطهّرةً مِنْ بشاعة الزّيْف، متمرّدةً على المشْي في الطّرق المعبّدة الآمنة، مجافيةً ألفةَ المرئيِّ والمقُولِ والملموسِ لرُكوبِ مُغامَرَة المتاهاتِ الشّائكة، والانصِهارِ في غرابةِ ما لمْ يُقَلْ وما لمْ يُكتشفْ وما لمْ يُلمسْ سلفاً، بغيةَ خلق خفقانٍ سرّيّ يترنّمُ بلهفة كتابة نصّ مُعجِزٍ مستحيل، يحلّقُ بعيداً... بعيداً خلْفَ إيقاعَ نورٍ خفيّ لا تتبيّنُهُ إلا بصيرةٌ نافذة تأسِرُها غوايةُ المجهول. طوبى لكم... فوحْدَهُ الشعرُ، بما هو نشيدٌ داخليّ تظلّ الروحُ تقتفي أثرَهُ دون الإمساكِ بخيوطه النورانية، يستطيعُ أن يكونَ بديلَ البدائل في عالمٍ يُفْقدُ الرأسمالَ الرمزيَّ قيمتَهُ يوماً بعدَ يوم، في خضمّ جَبروت الرأسمال المادي، فيغدو قوّةَ من لا قوّةَ له عندما ترتعِدُ فرائصُ العاصفة أمام غنْج نسمةٍ نديّة، وسلطةَ من لاسلطةَ له عندما تمنح الكلمةُ العروسُ دعاءَ الوَتر جَسارةَ احتقار الطّاغية، وثروةَ من لا ثروةَ له حينما تُغْني العاشقَ كنوزُ المحبّة عن كنوزِ الأباطرة، ويغدو مستقبلَ من لا مستقبلَ له حينما يعرّشُ الإنشادُ متسلّقاً قممَ الأمْداء والأزْمنة... لأن الشّعْرَ ببساطةٍ هو استمرارُ تحليق الذّاكرة في قيظ أيّامنا الجارحَة الثّقيلة بلغةِ الأعماقِ الفردوسيّة التي لا تشيخ، بحثاً عن أصولها المتجذّرةِ في أدغال العصورِ الغابرة ومسالكِها الوَعْرة..." كما ستمنح خلال هذه الاحتفالية الكبرى جائزة الشعر لعام 2006 إلى الشاعر محمداحمد بنيس عن ديوانه "بصحبة جبل اعمى" الصادر عن وزارة الثقافة ضمن سلسلة الكتاب الاول وقد اختارت اللجنة المكونة من نور الدين الزويتني رئيسا عبد الرحمن طنكول بنعيسى بوحمالة جلال الحكماوي وخالد بلقاسم اعضاء هذا الديوان بالنظر لما يتميز به من وعي بأهمية اللغة في البناء الشعري وجدته في اجتياح الصور والموضعات ومن حرص على الانتساب إلى متخيل مشدود إلى مرجعيات شعرية متعددة اليوم، 21 مارس هو اليوم العالمي للشعر الذي أقرته المنظمة الدولية للتربية والثقافة التابعة للامم المتحدة بمبادرة من بيت الشعر في المغرب
والذي أصبح يوما تحتفي به كثير من الاقطار العربية