يعاني المريض النفسي في صمت، تواجه العائلة المعاناة في سرية، فتخفيه عن الوسط الذي تعيش فيه،
كأنه عار ستحاسب عليه، جاهلة أن في السكوت الذي يخيم على الظاهرة، عواقب سلبية على المريض وصحته، على الأسرة واستقرارها، وعلى المجتمع نفسه ومستقبل أجياله
ورأت مجموعة من أمهات أبناء مصابين بالمرض أن العمل الجمعوي في هذا المجال مهم, لما له من إيجابيات في كشف الغموض حول المرض النفسي، وعرض تجاربهن على أسر باقي المرضى، ومؤازرتها وتوجيهها نحو أطباء مختصين، لأن الطب وحده الكفيل بالعلاج في بداية الإصابة، وبتخفيف المعاناة لدى الحالات المزمنة
قالت نعيمة تراشن، رئيسة جمعية »أملي« في هذا الصدد، "إن انفصام الشخصية مرض بيولوجي، يمكن أن يصاب به الشخص في أي فترة من العمر، لمعالجته أو التخفيف من معاناته يجب الحرص على تناول الدواء باستمرار، لتفادي انعكاساته السلبية على الصحة"
لجأت مجموعة من النساء النشيطات داخل المجتمع المغربي إلى تأسيس جمعية مغربية لمساعدة و مساندة آباء المصابين بانفصام الشخصية وباقي الأمراض النفسية، قاسمهن المشترك هو معاناتهن مع أبنائهن المصابين بالمرض، وهدفهن هو التعريف بالمرض ومؤازرة أسر باقي المرضى, الذين يقدر عددهم في المغرب بحوالي 300 ألف شخص
وتتوخى هذه المجموعة من النساء كشف غموض هذا المرض بالنسبة إلى عدد كبير من العائلات، ورفع الصمت عن المرض، الذي مازالت بعض العائلات تعتبره عارا، فتتحاشى الحديث عنه، نظرا لبعض الاعتقادات التقليدية السائدة، خاصة في الأوساط التي تعاني الفقر والأمية
قالت نعيمة تراشن، رئيسة جمعية »"أملي" في حديث لـ "المغربية" "لاحظنا أن نسبة المرض مرتفعة بين صفوف الشباب المغاربة، وأن عددا كبيرا من الآباء يجهلون الكثير عنه، وليست هناك جهات معينة تتحدث عن الإصابة به، وكأنه غير موجود ولا أحد يشتكي منه، إذ يظل الشخص المصاب وأسرته يعانون في صمت، ويتألمون في خفاء، كأنه عار يؤاخذه عليه المجتمع، ما يجعل الأسرة تخفي أوجاعها خاصة في الوسط الذي يحيط به«"
ورأت رئيسة جمعية "أملي" أنه على العائلات تكسير هذا الصمت، ليجدوا من يؤازرهم, ومن يشاطرهم معاناتهم, ومن يعرض تجربته عليهم ليستفيدوا منها، مؤكدة أن »الصمت الذي يحيط بالمرض هو اكبر خطأ ترتكبه عائلات الشخص المريض، ويرجع ذلك لعدم معرفتها بان انفصام الشخصية يعد كسائر الأمراض العضوية، وانه مرض بيولوجي، وإذا تأخرت في علاجه، تطور المرض من حالة عرضية إلى معاناة مزمنة"
وأشارت إلى ضرورة مساعدة هؤلاء المرضى، وعدم أهانتهم، أو رميهم بالحجارة والاعتداء عليهم في الشارع، لان في ذلك تأثيرا على نفسيتهم، مما يخلق لديهم أزمة تزيد إصابتهم تعقيدا
وبدورها قالت ام كلثوم الخليفي، أمينة الجمعية، إن العائلة هي السند الوحيد للمصاب بالفصام في المغرب، وان عليها السهر على مساعدته على تناول الدواء باستمرار، وعدم عزله، والسهر على زرع الثقة في نفسه
وذكرت بقلة الأسرة المخصصة في المستشفيات العمومية لهؤلاء المرضى، مشيرة إلى أن الشخص المصاب بهذا المرض له الحق في الاستفادة من الاستشفاء، و في العناية كباقي الأشخاص الذين يعانون أمراضا عضوية
وأكدت على ضرورة تربية الأطفال على احترام المرضى النفسيين في الشارع وعدم رميهم بالحجارة، بل والشفقة والرفق بهم وبوضعهم المرضي
ورأت أن جمعية أملي، التي أسست في 17 فبراير سنة 2007، تتوخى تخفيف العبء عن المستشفيات العمومية التي لا تلبي جميع حاجيات سكان الدار البيضاء، ومساندة آباء وأولياء المرضى
ورأى مؤسسو الجمعية أن ينال المرض المزيد من الاهتمام، نظرا لخطورته على جيل المستقبل وعلى المجتمع، ذلك لأنه يسهل استغلاله في جميع الميادين، ويمكن أن تستغل سذاجته وعدم وعيه بالواقع الذي يعيش فيه من طرف الجماعات المتطرفة التي تستطيع شحنه بأفكارها لتطبيق مشاريعها
وأكدت أن الجمعية بصدد عقد علاقة شراكة مع مستشفى ابن رشد من أجل المشاركة في الأنشطة المختلفة التي تقدم للمريض، والمساهمة في بعض البرامج مثل الرسم، الرياضة, والفخار، والإعلاميات
وقالت إن الجمعية بصدد البحت عن بقعة أرضية من أجل بناء مركز في ضواحي مدينة الدار البيضاء يؤوي المرضى أثناء غياب ذويهم
ونصحت بعدم تخلي الآباء عن تقديم الدواء لأبنائهم المرضى رغم ارتفاع سعره، ورفضه من طرف هذا الأخير، تفاديا لتعقيدات المرض ولاستعصاء شفائه
وركزت على ضرورة مساعدة الطبقات الفقيرة في اقتناء الدواء نظرا لارتفاع ثمنه بالمقارنة مع الدول الأجنبية، إذ يساوي في المغرب خمسة أضعاف ثمنه في أوربا
ورأت ضرورة استفادة الأبناء المرضى من التغطية الصحية رغم تجاوزهم 21 سنة، لما في ذلك من تخفيف من عبء المسؤوليات عليهم
وأكدت لطيفة التهامي الجديدي، أمينة مال الجمعية، على عدم إخضاع المريض للقيود التي تعيق حريته، والتخلص من "نظام العزلة" التي كان يخضع لها المريض في السابق فتجعل منه "سجينا" طيلة مدة مرضه، معزولا عن الحياة الاجتماعية
ورأت في تربية المريض على الاعتماد على نفسه، التي ستقدم في المركز المزمع بناؤه، أحسن وسيلة لإدماجه في المجتمع، ذلك لان المصاب بانفصام الشخصية, يفقد مفهوم العلاقات الاجتماعية، ويفقد التوازن العاطفي، ولا يدرك أساليب التعامل داخل المجتمع، فلا يميز قيمة التعامل بالنقود، ومعنى اقتناء المواد التي تلزمه خارج منزله
وأشارت إلى أن الجمعية ستعمل على محاربة تهميش المريض, وإدماجه في أنشطة استجابة لحاجياته، وخلق مركز الاستماع لعائلات المرضى بحضور أطباء مختصين, وخلق مركز استماع هاتفي من أجل مساندة العائلات المحبطة بسبب المرض، والتدخل إلى جانب المستشفيات العمومية من أجل استفادة المريض من العلاج