صدر العدد الجديد لمجلة "عالم التربية" التي يديرها عبد الكريم غريب، وشكل هذا العدد السابع عشر،
مجالا خصبا لمناقشة العديد من القضايا الراهنة المرتبطة بمسألة العولمة وحوار الحضارات والثقافات، ساهم فيها باحثون مغاربة وجزائريون، الذين جاءت تحليلاتهم لمسألة حوار الحضارات والثقافات في ظل العولمة، متنوعة ومتعددة المقاربات؛ الأمر الذي شكل منظورا فنيا ومتكاملا بخصوص هذا الموضوع، الذي أضحى يكون أهم انشغالات هذا القرن، خاصة وأن الحوار والتواصل الحقيقي والصحيح بين مختلف الثقافات والحضارات، يعد السبيل السليم لتجاوز مختلف العوائق المعرفية والمساهمة بالتالي في الدفع بعجلة التقدم والتطور اللذين تنشدهما الإنسانية جمعاء، في ظل مناخ يسوده التسامح والإخاءالمبنيين على مرجعية واقعية وعقلانية، مبتعدة في الوقت نفسه عن الاقصاء المتعمد ولتعصب أصحابه بمبادىء وقيم ذاتية متمحورة حول الذات أو الأنا الاجتماعية المتضمنة لعنصرية أصبح منطق هذا العصر متجاوزا لها بكثير
وبالنظر لخصوصية هذا الموضوع، فإن الضرورة المعرفية والعلمية الموضوعية، قد أملت اختيار عالم المستقبليات الأستاذ المهدي المنجرة، شخصية لهذا الملف، حيث خصص المنجرة للمجلة حوارا مطولا طرح فيه مقاربة شمولية ومتكاملة لمسألة الحوار الحقيقي المتوخى، كما تضمن هذا الملف حوارات مع مهتمين آخرين، إلى جانب قراءات لأهم مؤلفات الأستاذ المهدي المنجرة، بالنظر لارتباطها العضوي مع موضوع حوار وتواصل الحضارات والثقافات، وبالنظر كذلك لتميز الطرح الذي يتبناه الأستاذ المهدي المنجرة كعالم مستقبليات بخصوص مسألة الحوار والتواصل الحقيقي والسليم اللذين ينبغيان أن يشكلا أرضية صلبة لرؤية متأسسة على احترام الاختلاف والتميز على مستوى القيم الثقافية والحضارية، عوض مسخ الغير من المجتمعات واستعبادها تحت طائلة تبريرات مغرضة
كما تضمن هذا الملف جملة من المقالات، نشير إلى أهمها على التوالي، موضوع حول "التربية وتحولات عصر العولمة" لمؤلفه مصطفى محسن قدمه عبد الكريم غريب، يضم أربع مساهمات، يعتبر القاسم المشترك بينها كونها تتمحور، بالأساس، حول معالجة بعض جوانب ومكونات الأزمة التربوية في مجتمعاتنا، وتقدمت الأستاذة فوزي شراد من جامعة باتنة بالجزائر دراسة حول الحوار والتواصل عند المفكر والفيلسوف يورغن هابرماس على اعتبار أن الحوار والتواصل والتفاهم عبارة عن مفاهيم أساسية للعولمة
ويحاول الفضيل العيرج أن يجيب عن تساؤل طرحه داخل هذا الصدد "أي مفهوم للثقافة في ظل العولمة؟" سعى فيه في مرحلة أولى إلى ضرورة تحديد مفهوم الثقافة في حد ذاته، بغرض التعرض لمختلف النظريات التي صاغها علماء الاجتماع والانثربولوجيون والفلاسفة، ثم تطرق لسمات الثقافة، سواء كانت ماية أو روحية
وأثار الباحث عز الدين الخطابي مسألة حوار الثقافات في إطار العلاقة بين ما هو خصوصي وما هو كوني، وبعد تحديده لطبيعة هذه العلاقة من الناحية الفلسفية، من خلال مناقشة أطروحات المفكر الألماني هابرماس توقف عند مفهوم الحوار الثقافي، مستأنسا بآراء المفكر الفرنسي إدغارموران في هذا الإطار
وتحدث الباحث عبد الهادي مفتاح في "أسس الحوار بين الثقافات" التي يرى أنها ترتكز على أسس موضوعية، حقيقية وعقلانية، تستمد مرجعياتها من العدالة الحقة ومن الحقيقة ذاتها في بعدها الجوهري الموسوم بالإنسانية أما العالم المصري أحمد زويل الحائز جائزة نوبل في الكيمياء، سنة 1999 فقد تحدث في هذا الملف عن كيفية صنع التاريخ بفضل رؤية جديدة للعالم من خلال حوار الحضارات، وفي هذا الإطار يرى زويل ان التعايش السلمي والصحي والإيجابي بين مختلف الحضارات الإنسانية ممكن، لكن على أساس التفاهم المتبادل للاختلاف في ما بينها وبخصوصياتها، كما أنه لا يعترض على وجود زعامة حضارية معينة، سواء كانت أميركية أو أوروبية، تقود العالم نحو الازدهار والرفاهية شريطة ان تتحلى بالتبصر وبالرؤية البعيدة المدى، بعيدا عن الأطماع وطموحات الريادة الموسومة، ويؤكد أحمد زويل على ضرورة توجيه مساعدات الغرب لشعوب البلدان المحرومة بدل مساعدة الأنظمة الحاكمة
ومن جامعة باتنة بالجزائر يقدم لنا خارج مسرحي محاولة لفهم التقارب بين الإسلام والغرب في زمن العولمة، وذلك من خلال معطيات الراهن وآفاق المستقبل، فيما يطرح محمد الشيخ من كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن امسيك ـ الدارالبيضاء تساؤلات حول ما إذا كانت الحضارة العربية الإسلامية حضارة حوار، وهو يرى أن هذا التساؤل مشروع من الناحيتين الفكرية والموضوعية، وما نستفيده من هذا المقال هو كون الحضارة العربية الإسلامية حضارة حوار في بعض مناحيها ولدى بعض مفكريها، وهي في الوقت نفسه حضارة رفض الحوار واللاتسامح
ومن جامعة مولاي إسماعيل بمكناس ساهم عبد الحق منصف بمقال حول : "العولمة والمجتمع العربي وصدام السلطات" يروم فيه إبراز بعض السمات العامة لبعض سلطاتها الجديدة، كما هو الشأن لسلطة المال والمعرفة والتكنولوجية السمعية البصرية والتواصل، حيث إن ردود الأفعال داخل المجتمعات العربية، ومن ضمنها المغرب، كانت أقل حماسا تجاه العولمة، مقارنة مع الولايات المتحدة التي تبنتها بشكل رسمي وفق سياسات صالحة للتحديث، أما الهدف الثاني من هذا المقال، فيربتط بتوضيح الرفض والمقاومة للعولمة، وكتب محمد عباس نور الدين عن "واقع الإنسان العربي وتحديات العصر" ومحمد بوبكري عن "الدولة الدينية السياسية والدولة العلمانية" وساهم عبد الكريم غريب ببحث حول : "التحليل السيكولوجي للحوار بين الحضارات والثقافات" يرى فيه أن حوار الحضارات والثقافات، ليس فقط ظاهرة تؤرق إنسان هذا العصر، بل هو جزء من الإشكاليات التي أضحى يتخبط داخلها إنسان الحداثة، وهو في ذلك يلهث اللحاق بسراب إثبات الذات الفردية والأسرية والاجتماعية والعقائدية واللغوية والقومية إلى درجة أصبح معها إنسان هذا العصر، يعيش شقاء لم يسبق له مثيل
وهناك مجموعة مقالات ومساهمات أخرى لا يسع المجال لذكرها جميعا في هذه الخلاصة
استغرق هذا الملف حوالي 515 صفحة من الحجم المتوسط، صدر عن مطبعة النجاح الجديدة بالدارالبيضاء