فاطمة الزهراء، شابة في ريعان شبابها من شدة حسنها وجمالها تلقبها فتيات الحي الذي تقطن فيه بـ "شريهان"، نسبة إلى الممثلة المصرية
إلا أن مشكلة هذه الفتاة، تكمن في إدمانها على الأقراص المهلوسة، المعروفة باسم "القرقوبي"، والذي يعتبر من أخطر أنواع المخدرات المنتشرة بين الشباب
ومن فرط إدمان فاطمة الزهراء في تناول هذه المادة، فقدت نضارة بشرتها، كما فقدت أنوثتها، لتصبح الندوب المرسومة على ذراعيها، التي لم يسعف بياضهما أخفاءها عن الأنظار، ولفت انتباه الآخرين، شاهدة على حالها
وفي حكاية روتها فاطمة لـ "المغربية" سردت فيها أسباب ودواعي إدمانها، إذ تعاطت تناول الحبوب المخدرة منذ سنة 1990، حين كان عمرها لا يتجاوز 18 سنة، وكانت تمر بظروف اجتماعية وصفتها بالقاسية بسبب طلاق والديها، وإعادة زواج كل منهما على حدة
وأفادت فاطمة أنها لجأت إلى طبيب نفسي كي يساعدها على الخلاص من الإدمان، قائلة »لكن الأمر كان في غاية الصعوبة، بسبب الكميات الكبيرة التي كنت أتعاطاها في البداية، بسبب رفاق السوء«، وأضافت »لا أنكر أنني كنت أجد متعة ولذة في تذوق طعم المخدر، وكنت أشعر بارتياح وأنا أتناولها لأنها كانت حلا سحريا لتناسي الهموم والمشاجرات التي كانت تنشب بيني وبين زوجة أبي«. وأردفت فاطمة الزهراء أنها لم تكن تظن يوما أنها ستتخلص من عادة الإدمان، كما لم تكن تعلم أن حياتها ستضيع في متاهة الانحراف، إلى أن صادفت زوجها الذي ساعدها على التخلص من إدمانها
أما »الشمة«، شاب في الثلاثين من عمره، لقبه رفاقه وأبناء الحي بتلك التسمية، بسبب حرصه على وضع كيس بلاستيكي على أنفه، يشم عبره مادة مخدرة تعرف بـ "السيليسيون"
ويعود تاريخ تعاطيه للمخدرات منذ أن كان عمره لا يتجاوز 14 سنة، إذ كان رفاقه من المنحرفين، وساهمت ظروفه الاجتماعية الصعبة بسبب وفاة والدته، وهجرة كل أخواته البنات إلى الخارج، وبقائه دون ولي يراقبه ويعتني بأموره في سوء تربيته بشكل عام
عاش "الشمة" فترة فراغ زادت من حدة انحرافه وتعاطيه المخدرات، واليوم يعيش عالة على الجيران الذين يحسنون إليه اعتبارا لمبدأ الجوار وإحسانا لذكرى والدته
قصة فاطمة الزهراء و»الشمة«، ما هي إلا نموذج مصغر لواقع شباب مغاربة كثيرون سقطوا في فخ الإدمان، ما يثير مسألة الانتباه إلى موضوع انتشار المخدرات بين صغار السن في المغرب، والانتباه إلى عواقب الظاهرة التي تنعكس سلبا على المجتمع بكل مكوناته الصحية والاقتصادية والتنموية
وتشير الدراسات الطبية المنجزة حول مخلفات وأخطار تعاطي المخدرات، أن لهذه المادة أضرارا كثيرة ومتعددة، تسيء إلى سلامة جسم المتعاطي وعقله، إلى جانب أن الشخص المتعاطي للمخدرات يصبح عبئا على محيطه، ومصدر خطر على نفسه وعلى أسرته وجماعته، يسيء للأخلاق العامة والإنتاج القومي لبلده، ويهدد الأمن العام ومصالح الدولة والمجتمع ككل
وحسب رأي المختصين في الصحة، فإن تعاطي المخدرات يؤثر على النشاط الجنسي، إذ يقلل من القدرة الجنسية بسبب حدوث نقص في إفرازات الغدد الجنسية
كما تتسبب المخدرات في فقدان الشهية للطعام، ما يؤدي إلى النحافة والهزال والضعف العام المصحوب باصفرار الوجه أو اسوداده لدى المتعاطي، كما تعتبر عاملا مهما في قلة النشاط والحيوية، وضعف المقاومة للمرض الذي يؤدي إلى دوار وصداع مزمن مصحوبا باحمرار في العينين، إلى جانب حدوث اختلال في التوازن والتآزر العصبي في الأذنين
ويؤكد المختصون ذاتهم أن تعاطي المخدرات من الأسباب الرئيسية في حدوث اضطرابات على مستوى الجهاز الهضمي، الذي ينتج عنه سوء الهضم وكثرة الغازات، والشعور بالانتفاخ والامتلاء، والتخمة التي عادة ما تنتهي إلى حالات الإسهال والإمساك، كما أنه يتسبب في التهاب المعدة المزمن التي تعجز عن أداء وظيفتها وهضم الطعام
كما تتسبب المخدرات في التهاب غدة البنكرياس وتوقفها عن عملها في هضم الطعام، وتزويد الجسم بهرمون الأنسولين الذي يعمل على تنظيم مستوى السكر في الدم
وتبرز دراسات علمية أن أخطر ما يخلفه تعاطي المخدرات والإدمان عليها، هو اتلاف الكبد وتليفه
ويقول الأطباء المختصون في أمراض الكبد أن المخدر يحلل خلايا الكبد ويحدث بها تليفا وزيادة في نسبة السكر، مما يسبب التهااب وتضخما في الكبد وتوقف عمله بسبب السموم التي يعجز الكبد عن تخليص الجسم منها
وفي حالة ما إذا ما تمادى المدمن ولم يخضع للعلاج، يصاب المدمن بالتهاب في المخ وتحطيم وتآكل ملايين الخلايا العصبية التي تكون المخ، مما يؤدي إلى فقدان الذاكرة والهلوسة السمعية والبصرية والفكرية، وسيلان الدم وارتفاع الضغط الدموي في الشريان الكبدي، وأيضا الإصابة بنوبات صرعية بسبب الاستبعاد للعقار، وذلك بعد عدة أيام من الاستبعاد
ويجزم محللون اقتصاديون أن تعاطي المخدرات يؤثر على الاقتصاد بدرجة كبيرة، إذ أن المتعاطي ينفق أمواله من أجل الحصول على المخدرات، وأن العائد من هذه الأخيرة يهرب إلى الخارج، وبالتالي يضعف الاقتصاد في الدولة
كما أن المتعاطي يفقد الكثير من قوته الجسمية والعقلية، جراء تعاطي المخدرات فيؤدي ذلك إلى ضعف إنتاجه مما يؤثر على الاقتصاد الوطني
كما أن الدول تنفق الكثير من أجل مكافحة المخدرات، وبناء السجون والمحاكم، وإنفاق مبالغ مالية مهمة على المسجونين في قضايا المخدرات
ويلخص المختصون ذاتهم استنتاجاتهم في أن المخدرات تؤدي إلى تدني انتاجية الفرد وبالتالي تدني إنتاجية المجتمع والتخلف عن ركب الحضارة، وإهدار الأموال بدون وجه حق، وإهدار الموارد الوطنية التي تصرف في مجال المكافحة والعلاج والسجون والمستشفيات العلاجية، التي بالإمكان صرفها لصالح المجتمع في مجال التعليم والاتصالات، والزراعة والصناعة وغير ذلك في مجال التنمية
كما أن تعاطي المخدرات يساعد على إيجاد نوع من البطالة، وذلك لأن المال إذا استغل في المشاريع العامة تتطلب توفر أيادي عاملة، وهذا يسبب للمجتمع تقدما ملحوظا في مختلف المجالات ويرفع معدل الإنتاج، أما إذا استعمل هذا المال في الطرق غير مشروعة كتجارة المخدرات، فإنه حينئذ لا يكون بحاجة إلى أيادي عاملة، لأن ذلك يتم خفية عن أعين الناس بأيدي عاملة قليلة جدا
أما علماء الاجتماع فيرون أنه إلى جانب الآثار الاقتصادية والصحية لتعاطي المخدرات، هناك سلبيات اجتماعية خطيرة تنعكس على استقرار الأسرة ككل، إذ غالبا ما نجد أن جو الأسرة العام، التي يكون أحد أفرادها مدمن على المخدرات، يسوده التوتر والشقاق والخلافات بين أفرادها
فإلى جانب إنفاق المتعاطي لجزء كبير من الدخل على المخدرات، والذي يثير انفعالات وضيقا لدى أفراد الأسرة، فإن المتعاطي يقوم بعادات غير مقبولة لدى الأسرة
ويشير الباحثون في المجال، أن متعاطي المخدرات لا يتأثر وحده بانخفاض إنتاجه في العمل، وإنما إنتاج المجتمع أيضا، إذ يتأثر في حالة تفشي المخدرات وتعاطيها
وتسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية بشكل عام في إدمان الأشخاص على المخدرات، ما يؤدي إلى انخفاض إنتاجية المواطن، وبالتالي ظهور ضروب أخرى من السلوك التي تؤثر أيضا على إنتاجية المجتمع
ويرى ناشطون جمعويون في مجال إدماج الطفولة ومحاربة الانحراف، أن من الأضرار الاجتماعية التي يخلفها تعاطي المخدرات، يأتي تشرد الأحداث وإجرامهم والدعارة والرشوة، والسرقة والفساد والمرض العقلي، والنفسي والإهمال واللامبالاة
وتفيد معطيات من مصالح قضائية أن عدد الأطفال في بعض المدن المغربية ضحايا الإدمان على المخدرات في ارتفاع مستمر، في حين تقدر جهات طبية أن عدد المدمنين من الأطفال والمراهقين على المخدرات، أغلبهم من الفئات الشابة والمعوزة. وتوضح مصادر صحية أن هناك حالات كثيرة من المرضى المدمنين على العقاقير الحمراء أو »القرقوبي« تتوافد على المستشفيات العمومية بصفة مداومة، وتصل بعض الحالات إلى الوفاة بفعل الإفراط
قلة المصالح المختصة في العلاج من الإدمان في المستشفيات العمومية، وأن الموجودة حاليا تبقى غير كافيةٍ لإيواء المزيد من المرضى والمدمنين، ويستفحل هذا الوضع أكثر بغياب أطباء مختصين في علاج الإدمان، وكذا شبه انعدام جمعيات مهتمة بإعادة إدماج وتأهيل المدمنين على المستوى الوطني. وقال مصدر من المرصد الوطني لحقوق الطفل إن أسباب اتساع نطاق الانحراف وترويج المخدرات والإقبال عليها من قبل عينة من الأطفال والمراهقين، من خلال سهولة الحصول على الأقراص المخدرة عن طريق الوصفات الطبية من الصيدليات، وكذا عن طريق التهريب، إذ يجري إغراق السوق المحلي بهذه المادة المخدرة، انطلاقا من الحدود الشرقية والشمالية للبلاد، فضلا عن اتساع ترويجها لدى بائعي السجائر بالتقسيط وعدد من بائعي الخمور والمخدرات، وحتى من قبل أصحاب بعض الأكشاك والمحلات التجارية البسيطة الذين يعمدون إلى إمداد زبائنهم بهذه المادة في كامل السرية.