بينما كانت ليبيا منشغلة بالاحتفال بالذكرى الثلاثين لقيام سلطة الشعب، كانت الجالية المغربية المقيمة في هذا البلد المغاربي منشغلة بمستقبلها.
هل ستواصل العمل هناك؟ هل سترحل؟ ثم إذا ذهب أحدهم إلى المغرب لقضاء العطلة هل سيسمح له بالعودة؟ تساؤلات كثيرة تقابل الصحافيين المغاربة حين يلتقيهم أبناء البلد هناك في الديار الليبية .
مثلما يصدقون أي خبر مفزع يتوقون إلى سماع كلمات تطمئنهم، هكذا كان المغاربة في ليبيا وهكذا هم حتى الآن متوجسون من أن يحل يوم يغادرون فيه وهم الذين يعتقدون أنهم ودعوا العطالة.
ما أن يعلموا أن زبناء المطعم صحافيون مغاربة حتى يختلسوا بعض الوقت أو يختلقوا ذريعة لطرح سيل من التساؤلات، وإن كانوا قد استجابوا للشروط الجديدة للعمل
المطمئنون للمستقبل من المغاربة المقيمين في الديار الليبية قلة، المخاوف لم تمسحها تصريحات مسؤولين ليبيين، وهم لا يريدون تقبل نصائح تجنب الوقوع فريسة الشائعات.
ليبيا التي نحن بصددها كانت قبلة لمفكرين وأساتذة جامعيين وإعلاميين، وكانت المناسبة احتفالها بالذكرى الثلاثين لقيام سلطة الشعب، الاحتفالات بالمناسبة دامت عدة أيام وبلغت ذروتها في الثاني من مارس.
وألقى معمر القذافي، قائد الثورة الليبية ثلاث خطب في ظل الاحتفالات، خطب اختلفت مواقعها لكنها توحدت في التذكير بضرورة الدفاع عن الوطن وتجنب التبعية والتحزب والتفكير في المستقبل.
رفض التبعية تردد بوضوح خلال افتتاح ندوة نظمها المركز العالمي لدراسات الكتاب الأخضر، في إطار الملتقى العالمي السادس حول فكر معمر القذافي، في موضوع "إشكاليات الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين".
كانت الكلمة التي ألقاها القذافي رفضا لعدة أمور منها الحزبية وإملاء الديمقراطية عبر فرض الانتخابات على دول تتوغل فيها القبلية، مشيرا إلى نموذج دول إفريقية .
ولم يحضر القذافي إلى قاعة 5 أكتوبر ليدلي بدلوه، ويفتتح أشغال الندوة، بل أيضا ليتسلم شهادة الدكتوراه من جامعة ميغاتريس"شهادة الدكتوراه الفخرية" وهي المناسبة التي حضرها، زوران ليليتش رئيس صربيا السابق ورولان دوما وزير خارجية فرنسا الأسبق وريتشارد مورفي نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق والمئات من المفكرين العرب والدوليين الذين وفدوا من العديد من أقطار العالم.
انطلقت الجلسة الافتتاحية بعد وصول الصحافيين إلى القاعة بقليل، ومباشرة بعد وصول القذافي، كان على الصحافيين أن يقطعوا مسافة 700 كلم عبر طائرة خاصة لشركة صقر القلعة الخاصة، وهي ثاني شركة تحصل على ترخيص بعد البراق التي تنظم رحلات نحو عدة دول من بينها المغرب، إلى جانب الخطوط الجوية الليبية التي كانت تنفرد في السابق بتأمين الرحلات الداخلية والدولية.
اندهشوا وهم يستمعون إلى عبدالله عثمان أمين عام المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر وهو يقول إن الندوة تلقت 179 مداخلة علمية من 77 جامعة و31 معهدا ومركزا للأبحاث، وقد شارك في أشغالها 15 أستاذا جامعيا وباحثا من المغرب.
وكالعادة لم تكن كلمة القذافي تنتهي بانتهائه من الكلام، بل كان ذلك الشرارة الأولي لانطلاق الأحاديث الثنائية والجماعية والنقاشات سواء خلال فترة الاستراحة التي أعقبتها أو في ردهات الفنادق التي كانت تؤوي المدعوين.
كانت الكلمة حملة شرسة ضد القياديين في العالم، الذين رهن بين أيديهم مصير ست ملايير من البشر، وربط خلالها الأزمة الاقتصادية التي قال إنها تطحن البشرية بـ »تكدس الثروة في أيدي الأقلية«، معتبرا أن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في مجلس الأمن وحق النقض الذي تمتلكه هذه الدول دائمة العضوية منتهى الدكتاتورية، مضيفا أن "العالم يعيش في رعب وأن ما يسمى بمجلس الأمن هو أخطر الأدوات التي خلقت ضد السلام وضد البشرية".
هل سمعتم أن مجلس الأمن أصدر قرارا بفرض حصار على أميركا أو بريطانيا مثلا أو على الاتحاد السوفياتي عندما كان موجودا ؟ هل سمعتم أن مجلس الأمن أصدر قرارا فرض حظرا أو عقوبات على الدول الكبرى؟ .
إطلاقا، هذا لم يحصل ولن يحصل بالتركيبة الموجود بها الآن لم يحصل إلا ضد الشعوب الأخرى.عندما يجتمع مجلس الأمن ، الشعوب تخاف لأنها تعرف بأن هذه أداة ديكتاتورية وسيستخدمها الأقوياء ضد الضعفاء، فهي سيف مسلط على رقاب الجميع ليرعبها"
هكذا تحدث القذافي وهكذا ظل يتحدث على امتداد ثلاثة أيام في سبها مركزا بشكل أساس على إفريقيا، التي قال إنها المستقبل داعيا شعبه إلى الاستثمار فيها مؤكدا أن التكامل يمكن أن يحصل داخلها وأن ستستفيد دول المغرب العربي التي ليست فيها أنهار من أنهارها وبحيراتها، وهي الإشارة الوحيدة إلى المغرب العربي في ثلاث خطب ألقاها القذافي احتفالا بسلطة الشعب.
يغادر المرء القاعة يعود لركوب الطائرة في إطار الرحلات المكوكية بين طرابلس وسبها، يغادر الفندق ليصادف مغاربة آخرين يطرحون الأسئلة نفسها، والواقع أن أصدق وصف لحالهم ما جاء في أغنية العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ الرفاق حائرون يفكرون
يتساءلون لكن، ليس في حبيبة مبدع الأغنية في المستقبل الذي يأملون ألا يكون مظلما.