عِيدٌ بِأَيّ حَالٍ عُدْتَ يَاعِيدُ؟

الخميس 08 مارس 2007 - 11:05

أيام الثامن من مارس تتوالى كل سنة، ويكاد المرء يخال أنها تتشابه ففي الوقت نفسه تدق عبر العالم نواقيس

الإعلان عن اليوم العالمي للمرأة، أو العيد العالمي للنساء، فتكثر التظاهرات والاحتفالات، والندوات هنا وهناك، وتصيب الحمى وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، فنرى هاته الجريدة تمجد النساء المناضلات، وتلك تثمن المكتسبات التي أحرزتها النساء، وبرامج في الإذاعة والتلفزيون تسهب في الحديث عن تاريخ النضال النسائي و هلم جرا
أمام هذا الزخم من التظاهرات حول النساء في يوم واحد في السنة، لايسعنا إلا أن نتساءل : ـ هل هذا الاحتفاء الموسمي بالنساء يعني أنه يكفي تمجيدهن يوما يتيما في السنة، بينما الثلاثمائة وأربعة وستين يوما 364 الباقية هي أيام خاصة بالرجال؟ـ هل هذا اليوم 8 مارس هو مناسبة يستغلها ـ كل الذين يقدمون دوما وباستمرار على هضم حقوق النساء ـ ليكفروا عن ذنوبهم، وذلك بالمساهمة في تتويج النساء وتمجيد أعمالهن، وحينما ينتهي اليوم تطوى الصفحة، فتعود ريما لعادتها القديمة؟ـ هل يوم الثامن من مارس، ذكرى عيد النضالات النسائية، خدعة أم ماذا؟ هل يوم واحد في السنة يكفي لتسترجع النساء إنسانيتهن وحقوقهن التي هضمت ولاتزال تهضم باستمرار؟

هذه تساؤلات ومثلها كثير، تراودني كلما اقترب الثامن من مارس كل سنة، وتجعلني أعيش في زوبعة دماغية، لا ألبث أن أخرج منها بالاقتناع بأن يوم الثامن من مارس، رغم كل الملابسات، لابد أن يبقى استمرارا وديمومة للنضال النسائي
والاحتفاء به يبقى ضرورة ملحة إلى أن تصل إلى المساواة الحقة بين الجنسين
إن الاحتفاء بذكرى اليوم العالمي للنساء، ليس تمجيدا للنساء بقدر ماهو تخليد وترسيخ في ذاكرة التاريخ للنضال النسائي

واليوم العالمي للنضال النسائي ليس فرصة للقيام بالتظاهرات والاحتفالات بالنساء فحسب، بل هو المناسبة المثلى للقيام بوقفة مع الذات، لتجميع الحصيلة، لفرز الإيجابيات وعد الخطوات إلى الأمام التي أنجزت والمكتسبات التي حققت والانتصارات التي سجلت كي نفتخر بها ونعززها ونرسخها حتى لا تتلاشى
هي فرصة أيضا للتقييم من أجل إصلاح الهفوات، و للتفكير في الاستراتيجيات الناجعة، والأدوات الملائمة لرفع التحديات والمضي قدما في درب النضال حتى تتحقق المساواة المنشودة

كدت أختم هنا لولا أن سؤالا ملحا أو بالأحرى بيتا شعريا راودني، وهو للمعتمد بن عباد أحد ملوك الطوائف بالأندلس، حينما كان أسيرا بأغمات من قبل يوسف بن تاشفين المرابطي : عِيدٌ بِأَيّ حَالٍ عُدْتَ يَاعِيدُ؟ يا ترى كيف هي أحوال المغربيات في ثامن مارس 2007 مقارنة مع السنوات التي خلت؟ هل أحوالنا الآنية تجعلنا نبكي ونتحسر على أيام العز السابقة؟ أم على العكس نطبل ونزغرد على تحسن أحوالنا؟ بالنسبة إلي شخصيا حينما أتذكر كل المحطات التي مررت بها في حياتي وترجعني الذاكرة حوالي ثلاثين سنة إلى الوراء، لا ألبث أن أقول مع نفسي« أنا اليوم في وضع ما كانت أمي أو جدتي لتحلما به بتاتا، وأعتقد أن نساء جيلي يشاطرنني الرأي، إذ أن أحوال المغربيات وخاصة في العقد الأخير عرفت تحولات عميقة في جميع المجالات، فزيادة على تزايد أعداد المتمدرسات، اكتسحت النساء سوق الشغل إلى جانب الرجال وأصبحن يزاولن مهنا عديدة حتى التي كانت إلى عهد قريب حكرا على الرجال، فمنهن القاضيات، الوزيرات، والبرلمانيات، وغيرها من المهن السامية

كما حققت النساء مكاسب لايستهان بها نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مدونة الأسرة التي ساهمت نسبيا في ترسيخ مبدأ المساواة بين النساء والرجال، و أخرجت المرأة من وضعية القاصر مدى الحياة، التي أسرتها فيه مدونة الأحوال الشخصية عدة قرون ، فاسترجعت المرأة إنسانيتها وكرامتها، وأصبحت ندا للرجل في كثير من المجالات، أضف الى هذا الإصلاحات الأخرى التي عرفتها نصوص قانونية أخرى، كالقانون الجنائي وقانون الشغل وقانون الوظيفة العمومية، ومؤخرا قانون الجنسية الذي خول للأم المغربية إسوة بالرجل أن تعطي جنسيتها لأبنائها، كما أن النساء خلال الاستحقاقات التشريعية لسنة 2002 حققت مكسبا عظيما، إذ ولجت 35 امرأة قبة البرلمان بواسطة اللائحة الوطنية، و أمثلة أخرى كثيرة تشهد على أن المغربيات أحسن حالا في عيدهن الجديد لسنة 2007
لكن، رغم أنني بطبعي أنظر دائما إلى الكأس على أن نصفه مملوء، فالواقع المعاش يحتم علي أن أنظر إليه أيضا على أن نصفه فارغ

فرغم المكاسب العديدة التي حصلت عليها المرأة المغربية، نتيجة نضالات متتالية وطويلة الأمد والنفس، إلا أنها مازالت في كثير من المجالات مقهورة، محجور عليها وأسيرة التقاليد والأعراف القروسطية، فبالرغم من تغيير القوانين فالعقليات مازالت في مجملها أسيرة الماضي ويصعب تغييرها بين عشية وضحاها، وكدليل على ثقل دور العقليات، فبعد مضي ثلاث سنوات على دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ، بقيت بعض المستجدات التي جاءت بها، حبرا على ورق، وبعضها لا يطبق بالطريقة الصحيحة
ورغم أن عددا كبيرا من العائلات المغربية تعولها نساء، لازال البعض يعتبر أن أسباب البطالة المتفشية في البلاد تعزى لخروج المرأة للعمل
ورغم أن النساء يشكلن ثلث الفئة النشطة، وتقريبا نصف الكثلة الناخبة، ما زالت تمثيليتهن السياسية جد هزيلة وخاصة في مناصب القرار و المسؤولية

هل هذا يعني أن نساءنا تنقصهن الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية وتسيير الشأن العام؟ لا

بل هذا يعني إعادة النظر في ثقافتنا السياسية لأنها تمييزية وذكورية بامتياز، هذا يعني أيضا أن أوضاع المغربيات ليست بخير تماما، وأن المشوار لازال طويلا ومليئا بالألغام، وعليهن قطع المزيد من الأشواط للحصول على الحقوق الكاملة
عليهن رفع الكثير من التحديات، وفي مقدمتها التغلب على الأمية والفقر
وأخيرا، وقبل أن أختم كلامي، أتوجه بالتحية إلى كل النساء وخصوصا النساء المغربيات الحضريات منهن والقرويات والمتعلمات والأميات، لأن كلا منهن تدافع عن القضية النسائية من موقعها وبطريقتها
تحية أيضا وتـثمن للنساء المناضلات اللواتي ضحين بوقتهن وطاقتهن من أجل دعم الحقوق النسائية وتشجيع ثقافة المساواة
فهنيئا لهن بذكرى نضالاتهن
وكل عام وكل النساء بألف خير




تابعونا على فيسبوك