في هذا الكتاب "رحلة ـ ما وراء سنوات الرصاص" يسافر بنا نورالدين سعودي إلى الستينات والسبعينات من القرن الماضي،
تلك السنوات التي هيأت ووفرت شروط ما صار يعرف في بلادنا بـ »سنوات الرصاص« وذلك حفاظا ودفاعا عن الحق في الذاكرة، فمن حق الأجيال الجديدة في المغرب والمتعطشة إلى المعرفة أن تعرف التاريخ، التاريخ الحقيقي لمرحلة ما بعد الاستقلال، والتي عرفت بـ »سنوات الرصاص« نظرا لما طبعها من خروقات سافرة لحقوق الإنسان، واختطافات وغيابات قسرية وانتهاكات جسيمة لاحقت المناضلين والنقابيين والطلبة والتلاميذ وكل القوى الحية في البلاد التي لم يكن هدفها سوى أنها كانت تحلم بمشروع مستقبلي نهضوي للبلاد يخرجها من النفق المسدود الذي آلت إليه الأمور
وإذا كان جل الفاعلين الذين ساهموا في إذكاء روح النضال والعمل على التضحية والتغيير في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ بلادنا، يدعون اليوم وقد انقشعت تلك الغيوم المتلبدة التي أرادها البعض لتعرقل كل إصلاح وتغيير، إلى الإنصاف والعدالة والمصالحة وطي صفحة الماضي، فإن نورالدين سعودي أحد وجوه هذه المرحلة الصعبة إلى جانب هذه المطالب ينادي ويدافع أيضا في كل كتاباته وتحركاته كفاعل جمعوي وكمواطن داخل المجتمع إلى الحفاظ على الذاكرة، وإطلاع الأجيال الجديدة على حقيقة الأمور، وأن ما يعيشونه اليوم في ظل الاستقرار واحترام الحريات الفردية والجماعية ومكاسب أخرى، لم يأت، لجرة قلم أو عبثا وإنما مهدت له سنوات وليالي الرصاص
وأن ما يعيشونه اليوم من نور آت من ظلام وعتمة البانضا و دهاليز الكوميساريات عاشها جيل من المناضلين والشباب والطلبة وشرائح أخرى من المجتمع دفاعا عن الكرامة والعيش الكريم
إن هذا الجيل، جيل الستينات والسبعينات الذي ينتمي إليه نورالدين سعودي كان له الحظ القوي في أن يعيش هذه المرحلة التي تميزت بالنضالات الوطنية والعالمية وتشبعوا بأفكارها وانخرطوا فيها بكل قوة واندفاع إلى حدود نكران الذات والانصهار في خدمة الآخرين ويستعرض سعودي في كتابه »الذاكرة« هذا، أبرز المحطات النضالية الوطنية والعربية والعالمية التي تميزت بها هذه السنوات، والتي لم يكن بفعل شرارتها ومغناطيسيتها أمام كل كائن حي له إحساس ووعي وروح وطنية إلا أن يندمج في أتونها ويحترق بنارها كما يقول الشاعر الألماني »بيرتولدبريشت« في إحدى قصائده : »جئت إلى هذا العالم وشاهدت الظلم وانخرطت في نضالات وكفاحات الناس، وهكذا انقضى عمري الذي قدر لي على هذه الأرض«
نورالدين سعودي كان له نصيب من هذه السنوات المليئة بالتطلعات والأحلام والأوهام والآمال عقد من الزمان 10 سنوات قضاها وراء القضبان يصنع هو ورفاقه غدا مشرقا وفجرا جديدا، وفي كتابه هذا يحكي عن ما وراء سنوات الرصاص الحافلة بالأمل، بالرغم من كل ألوان وأشكال الخطف القسري والتنكيل والتعذيب وإهانة كرامة الإنسان والظلم والتعسف الذي لحق بالمناضلين
في هذه الرحلة الفريدة يرحل بنا سعودي نحو العدم والتعسف والاقصاء والتهميش الذي تنتجه »سنوات الرصاص« حيث يجول بنا المؤلف داخل دهاليز العالم السجني الذي يحط من كرامة الإنسان، لكن أيضا ولأنه متفائل بمستقبل الإنسان، يتحدث لنا عن المقاومة وعن الحق في العيش الكريم، وعن اللحظات المليئة بالحياة والفرح والإبداع، حفاظا على كرامة الإنسان، حيث الحلم يخترق القضبان والحيطان، وحيث تجاوز الحقيقة الخيال
انه عمل ذاكرة من أجل الذاكرة، شهادة من فاعل ساهم وبشكل متواضع في المسيرة الديموقراطية التي يعيشها مغرب اليوم، والتي أفنى فيها جيل المناضلين الذي ينتمي إليهم نورالدين سعودي زهرة شبابهم
وأخيرا فإن مؤلف الكتاب يريد من تذكيره بسنوات الرصاص هذه »حرية ثانية« تعقبها حريات ثالثة ورابعة في إصدارات أخرى لنورالدين سعودي، إنها طريقة أخرى في مواصلة النضال صنو الحرية والتحرر