لا يكاد الرئيس الجزائري، عبد العزيز توتفليقة، يترك الفرصة، بمناسبة أو بغيرها، دون أن يهتبلها لإطلاق مغالطات تاريخية، تعاكس إرادة المغرب في تجسيد حقوقه المشروعة على أقاليمه الجنوبية.
مثلما فعل أول أمس الاثنين، في "رسالة تهنئة"، بعثها إلى المدعو محمد عبد العزيز، رئيس "الجمهورية الصحراوية" المزعومة، يؤكد له فيها أنه"لا بديل عادلا وقابلا للاستمرار من إزالة الاستعمار عن الصحراء بمقتضى القانون الدولي"، ومشددا على أن "الجزائر متمسكة بهذا المطلب العادل، وستستمر في التركيز عليه، حتى الحصول على الحق الثابت للشعب الصحراوي في تقرير مصيره".
إن الجزائر، وهي تتحدث عن القانون الدولي، وعن مزاعم الدفاع عن »مبادئ الثورة، التي تحتم عليها السير في اتجاه مناصرة تقرير المصير للشعوب المحررة«، تكشف عن حجم التناقضات، التي تتخبط فيها، في وقت ما عادت مغالطاتها تنطلي على أحد، بعدما أكدت التجربة ومسيرة التحولات التاريخية الراهنة، أن النزاع المفتعل حول الصحراء، هو في العمق صراع على مصالح ضيقة وزعامة إقليمية، أشعلته الجزائر، واستعملت فيه بعض الصحراويين كأدوات، فيما كان البعض الآخر رهائن، يسامون كل صنوف الحصار والعذاب والتنكيل في مخيمات تندوف.
إن تطور النزاع المفتعل يكشف يوما عن يوم أن الجزائر، التي تسوق نفسها كمدافعة عن مبادئ وقيم التحرير، ومناصرة للقانون الدولي، هي أول منازع للمغرب على صحرائه، وأول مناهض للمبادئ والقيم، التي تريد بها تضليل الرأي العام الدولي.
إذ لا أحد يعلم أين كانت الجزائر، وماذا فعلت لجزيرة هونغ كونغ، التي استعادتها الصين بعد احتلال دام أكثر من خمسمائة عام، وإضافة إلى قضايا أخرى، تمتد من جبل طارق إلى فلسطين، لا أحد يعلم أين تغيب "مبادئ الثورة" و"مقتضيات القانون الدولي" في مناصرة حق المغرب في اسرجاع أراضيه المحتلة في الشمال، من سبتة ومليلية والجزر المحيطة بهما، اللهم ما كان من موقف مخجل في قضية جزيرة ليلى، عندما تحمست الجزائر لنصرة الإنزال العسكري بأمر من ورثة ديكتاتورية فرانكو، التي يمثلها اليمين الإسباني في الحزب الشعبي.
التضليل الجزائري ما عاد ينطلي على أحد، أمام الوعي الدولي المتنامي بحقيقة النزاع في الصحراء، إذ منذ 1973، ظلت الجزائر متمسكة بمعاكسة استكمال الوحدة الترابية للمغرب، واتخذ تورط الجزائر في قضية الصحراء أشكالا عديدة ومتنوعة : التزام عسكري ودعم مالي ولوجيستيكي وتعبئة وتأطير ديبلوماسيان ومخالفات للقانون الدولي الإنساني.
كما تولت الجزائر رعاية إحداث »جمهورية« مزعومة، وتعبأت بقوة من أجل حمل عدد من البلدان على الاعتراف بهذا »الكيان« الوهمي، الذي لا يتوفر على أي مقوم من مقومات دولة ذات سيادة، وهي التي أقامت له مخيمات تندوف، ونقلت إليها السكان المدنيين بواسطة قواتها المسلحة، وهي نفسها التي كشفت عن أهدافها التوسعية والتمزيقية، من خلال رئيسها، حين اقترحت على جيمس بيكر تقسيم الأقاليم الجنوبية.
إن الجزائر، التي تريد إعطاء الآخرين دروسا في المبادئ والقيم والقانون الدولي، هي الأحرى بتلك الدروس، التي يفترض أن تمارسها أولا فوق أراضيها، وتتحمل مسؤوليتها أمام المجموعة الدولية، وتكشف عن مصير القتلى والمختفين، وعن كل أشكال البؤس والقهر والقمع، التي يعيشها المحتجزون، وخصوصا النساء والأطفال، في مخيمات تندوف
أما المغرب، الذي ليس هو بالتأكيد من يحتاج إلى دروس التضليل، فهو مطمئن إلى عدالة قضيته وشرعية مواقفه، فحينما استرجع صحراءه، كان يتصرف وفق مقتضيات القانون الدولي، وفي إطار مسلسل يتطابق تماما مع الشرعية الدولية، التي يندرج فيها مقترح الحكم الذاتي، الذي يمثل اليوم تقدما حقيقيا، في أفق التوصل إلى حل يسمح بالطي النهائي لهذا الملف، حل يبرز الإرادة الديموقراطية العليا باعتباره ينبني على حوار وطني موسع يشمل كل المكونات : الدولة، والأحزاب، والبرلمان، والكوركاس، والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني بصفة عامة، وصولا إلى أبناء الصحراء، الذين يمثلون أزيد من ثلثي جميع حساسيات ما يسمى بـ »الشعب الصحراوي«، وهذا جواب لا مثيل له، يعكس إرادة المغرب المصيرية في طي هذه الصفحة، من خلال مسلسل بناء، يستند على المشروعية، المكملة للمخططات السياسية، والمؤسساتية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإنسانية .
وهذا ما جعل الدعم الدولي للمقترح المغربي يتنامى بشكل متطور وملموس
قبل أسبوع، دعا الرئيس الجزائري إلى بناء مغرب عربي على أسس جديدة، فهل هذه المغالطات، الواردة في رسالة بوتفليقة هي الأسس الجديدة، التي يمكن الاعتماد عليها لبناء مغرب عربي منسجم ومتماسك ومتضامن وقوي؟ رسالة الجزائر وصلت
أما رسالة المغرب فبسيطة وواضحة جدا : مقترح ديمقراطي للحكم الذاتي، يقدم حلا أمثل للنزاع المفتعل، لن يمكن فقط السكان من تدبير شؤونهم الجهوية، في إطار الديمقراطية والاستقرار والتنمية المندمجة، بل سيجنب المنطقة أن تتحول إلى بؤرة للتوتر والصراع وتربة خصبة للإرهاب.