تشير الإحصائيات إلى أن ثلث المواطنين يعزفون عن الذهاب إلى المستشفيات العمومية، والثلث الثاني من المغاربة
يذهبون إلى المستشفيات اضطراريا، أما الثلث الأخير فيقصد المراكز الاستشفائية لأنه يتوفر على الإمكانيات المادية التي تؤهله لدفع مستحقات العلاج
وكانت هذه التصنيفات التي تبرز طريقة تعامل المواطنين مع المستشفيات العمومية دليلا على تدني المستوى الصحي في المغرب، وتشابك الأسباب المعقدة في ظهور هذا التدني، ما يصعب معه إيجاد جواب محدد لأعظم إشكالية تواجه سلامة المواطن، رغم أن النقابات العاملة في قطاع الصحة تؤكد بعض الحقائق المسؤولة عن هذا التردي، ومنها سوء توزيع الأطباء والممرضين على التراب الوطني، إذ تشهد بعض المناطق اكتفاء ذاتيا في حين تعاني مناطق أخرى خصاصا كبيرا، كما تحدثت النقابات نفسها عن الطريقة غير العقلانية التي تصرف بها ميزانية وزارة الصحة، والتي تصل إلى حدود 5 في المائة من الميزانية العامة للدولة
وتنبه المصادر ذاتها إلى أن هناك فرقا واضحا بين ما يعلن في الإحصائيات الرسمية، وما يعيشه الواقع، وبلغة الأرقام يتخلف المغرب مثلا عن تونس بما يفوق 600 درهم، على مستوى مصاريف المواطن على صحته سنويا، وتسبقه الأردن بما يقارب 800 درهم، وحتى إن أجبر المواطن على اللجوء إلى أحد المستشفيات، تقول الجهات النقابية، فإنه يصطدم بافتقادها إلى أبسط الضروريات، وضعف الخدمات التي تقدم فيها، بل إن بعضها آيل للسقوط بسبب الشروح التي مستها، نظرا لتاريخ تأسيسها الذي يعود إلى عهد الاستعمار
ونتيجة هذا الوضع، لا تتعدى استفادة المغاربة من المؤسسات الصحية، نسبة 4 في المائة، علما أن هذا المعدل يصل في المكسيك إلى 6 في المائة ويفوق 23 في المائة في فرنسا
وتثير النقابات ومعها المواطنون خيبات الأمل التي صاحبت ما كان منتظرا من قانون 65.00، الخاص بمدونة التغطية الصحية الإجبارية، إذ كشفت المدونة عن محدودية لائحة الأمراض المؤمن عليها، والمبالغ المقتطعة، ما شكل حسب هذه الجهات، متاعب إضافية للمواطنين، خصوصا المتقاعدين منهم بات من الواضح أننا نجحنا في بناء المستشفيات وتكوين الأطر الطبية، لكن فشلنا في المقابل في تحقيق المراد منها«، هذا ما أجمعت عليه الشهادات التي تلقتها »المغربية«، بخصوص مدى تمكن المواطن المغربي من حقه في التطبيب والعلاج
بدت مريم البالغة من العمر 34 سنة في وضع غير مريح بدنيا ونفسيا، وهي تصرح بأن جلوسها على مقعد الانتظار بمستشفى عمومي في مدينة الدار البيضاء، امتد لأزيد من ثلاث ساعات في انتظار الطبيب الرئيسي، رغم أن أكثر من ممرضة نصحتها بمغادرة المركز والتوجه إلى أقرب عيادة خاصة، إعلانا عن عدم حضور الطبيب تلك الليلة، وتقول مريم »عيب والله حتى عيب يكون سبيطار فهاذ الحجم وما فيهش طبيب واحد، أنا دابا جاتني أزمة ديال المعدة ومابغاوش يديرو لي التصاور حيت ماكاينش الطبيب اللي يشوفهم
وتضيف هذه المرأة التي أنهك الألم قواها، بصوت خفيض »قالت لي الممرضة نمشي عند طبيب اختصاصي غادي يكون احسن لي، واش كون كانو عندي فلوس الاختصاصي غادي يشوفو وجهي؟
عدنان زوج مريم، 41 سنة، يشتغل عاملاكان برفقتها، هدد بارتكاب جريمة إذا لحق زوجته مكروه، كما توعد في كل الأحوال بأن يراسل وزير الصحة، ليشرح له ما يعيشه المستشفى من فوضى وإهمال ينعكسان على صحة المواطنين
ودعا عدنان كل من تضرروا من الخدمات المتدنية للمستشفيات أو ذويهم، إلى الإضراب عن الطعام والاعتصام أمام الوزارة المعنية، إلى أن تجري مراجعة الطريقة التي يعامل بها المريض، ويضمن له الحق في العلاج، ويؤكد عدنان بلهجة مستاءة، »لا يجب التغاضي عن هذه التجاوزات التي استفحلت هذه السنين، والتي تسترخص حياة المواطن بهذه الكيفية المتعمدة، مع العلم أن مهمته يتوقف عليها مصير العشرات من المرضى، وأهمهم بالنسبة إلي حاليا زوجتي، التي يبدو أن قرحة المعدة التي تعانيها، تطورت إلى الأسوأ، والله وحده يعلم ما ستؤول إليه حالتها في ظل هذا الاستهتار الذي نعاينه اللحظة
لم تكن شهادات مريم وزوجها إلا الدليل لكشف حقائق غاية في الخطورة، وتعتبر سلوى البالغة من العمر 46 سنة، ربة بيت، نموذجا حيا لوصف تلك الحقيقة، فهي التي دخلت المستشفى لاستئصال ورم تحت الأذن، لتتفاجأ بعد استفاقتها من التخدير بأن الورم مازال في مكانه، والضمادات على جرح في منطقة اللوزتين »شعرت بصدمة لا توصف حين تحسست الورم بعد إجراء العملية المفترضة، في الوقت الذي كان الألم شديدا في منطقة اللوزتين السليمتين أصلا، وأكد الطبيب لي أنه استأصل اللوزتين نتيجة خطأ في دراسة الملف الطبي، وهو الأمر الذي استدعى إجراء عملية ثانية في اليوم ذاته لأجل معالجة الورم
وفي إطار المآسي التي يتكبدها المواطنون، يجدر التذكير بالخسارة التي تلقتها أسرة الرحموني في مدينة الدار البيضاء، بعد أن فقدت معيلها المصاب بمرض القصور الكلوي، نتيجة عطل في إحدى الآلات المتهاكلة، حسب تعبير ابنه فؤاد، أدى إلى عدم إمكانية إكمال عملية التصفية، ما اضطره إلى العودة إلى البيت، حيث أسلم فيه الروح إلى الله بعد يومين من المعاناة
ويستطرد الابن قائلا إن والده كان مهاجرا إلى الديار الإيطالية، وكان يزور المغرب مرة في السنة، إلا أن زيارته الأخيرة صاحبها اشتداد المرض عليه، وألزمه تمديد عطلته السنوية
ومن الأحداث التي لم يتمكن ابن الفقيد من نسيانها »الاتصالات المكثفة التي كان الطاقم المشرف على علاج أبي في إيطاليا يجريها معنا، ولما كنا نخبرهم بأن والدي يعالج في المغرب، والمؤسف، يؤكد فؤاد، أن العبارة الأخيرة كان ينطقها الطبيب الإيطالي بطريقة تنم عن الأصداء غير الطيبة لديه بخصوص قطاعنا الصحي
ومن جهتها تقول زوجة الفقيد بصوت مكلوم »أنا لا أعترض على قدر الله، فالأعمار بيده، لكن وبكل صراحة لن أسامح كل مسؤول عن الحالة التي كانت السبب في وفاة زوجي، فلا يمكنك تصور الطريقة التي واجهونا بها حين طلبنا منهم إيجاد حل لذلك العطب، تصرفوا وكأننا نريد شيئا ليس من حقنا وطلبوا منا أن نغادر المستشفى على أساس أن نعود الأسبوع المقبل، فهل هذا منطق يعامل به المريض، وهل الألم ينتظر موعدا ليشتد، والحجة أن زوجي فارق الحياة بعد يومين فقط، علما أنه يداوم على العلاج من مرض القصور الكلوي منذ عام 1998 في الديار الإيطالية، التي كان يشتغل فيها بطريقة عادية جدا، الخلاصة أننا مازلنا بعيدين عن تقدير المواطن كإنسان«
ومن الأكيد أن هذا الواقع لم يأت صدفة، وإنما لتجاهل المسؤولين على القطاع أمر المراقبة، فأصبحت المستشفيات لصيقة بظاهرة الرشوة والمحسوبية، وتبقى من المؤاخذات المسجلة بهذا الخصوص بيع بعض الممرضين والممرضات لأدوية مستحقة مجانا للمرضى وبالأثمنة التي يحددونها، وأحيانا، كما تؤكد حسناء، مصابة بفشل كلوي، يطلب من مرافقي المريض علبتين أو ثلاث علب من دواء معين، في الوقت الذي لا يحتاج فيه إلا لعلبة واحدة، والسبب، بحسبها، لا يخرج عن رغبة »ملائكة الرحمة« في الاتجار في دماء وآلام المعدمين من العباد
مستشفى سيدي عثمان »في قفص الاتهام« كان ذنب خديجة الوحيد أنها أرادت أن تكون أما كباقي نساء العالم، وتنتظر بشوق مرور تسعة أشهر على حملها لتتوجه إلى مستشفى سيدي عثمان، باعتباره الأقرب إلى مقر سكناها، وهناك واجهت ما لم يخطر لها على بال »رفضوا حتى مجرد الحديث معي أو مع زوجي، وكل ما استطاعوا قوله هو اذهبي إلى مستشفى ابن رشد، فنحن لسنا مسؤولين عنك«، وتضيف خديجة، 35 سنة »كانوا يتنصلون من مسؤولياتهم بطريقة لا إنسانية
أما الممرضات يلفظن كلمات لا صلة لها بالطبيعة المحترمة لوظائفهن، وكل ما يمكن أن ألخص به ما شاهدته هو أنهن في حاجة إلى تكوين إضافي في الأخلاق، حتى يتمكنن من فنون التعامل مع المواطنين وأدب المعاملات، ولا يعتبرن عملهن متوقفا على تسلم الرشاوى
تقول خديجة بأن كلامها كان يسمعه الجميع إلا المسؤولين عن الإيواء في المستشفى، والأدهى، تستغرب المتحدثة، أنهم لم يقدموا لها دليلا على ذلك الرفض، ورغم أن بعض فاعلي الخير، كما أسمتهم خديجة، أسروا لزوجها بكون المسألة لا تعدو أكثر من رغبة الرافضين في رشوة حتى يهيئوا لها أحسن سرير، إلا أن شريكها قرر الذهاب إلى مستشفى ابن رشد، نظرا لكونه لم يكن يعلم أن الإدارة هناك سترفض هي الأخرى استقبال زوجته وتأمره بإرجاعها إلى مستشفى سيدي عثمان
لم تعد خديجة باتفاق مع زوجها إلى مستشفى سيدي عثمان الذي يتوفر على 250 سريرا، وإنما قصدا مستشفى آخر عرف منذ سنين باستقباله لجميع الحالات ومن جميع الأنحاء، لكن شريطة تأدية مبلغ يتراوح بين 500 درهم و 1000 درهم للطبيب المشرف على عملية الولادة، مع العلم أن هذا المبلغ سوف لن يدخل خزينة المستشفى، أو بعبارة أوضح هو عبارة عن عمولة للطبيب، تضاف إليها 200 درهم لفائدة الممرضة، التي ستدون في الوثائق، أن المرأة الحامل تسكن في المنطقة التي يوجد على ترابها المستشفى، وبهذه الكيفية اللاقانونية، جرت عملية الولادة، بالنسبة إلى خديجة
قال أحد المسؤولين في مستشفى ابن رشد، ردا على سؤال حول أسباب هذه الفوضى التي تطبع التعامل مع المرضى الذين يقصدون المستشفيات العمومية، »أنا بدوري أتساءل عن الأسباب التي تدفع باقي المستشفيات إلى إرسال المرضى إلى هنا، خصوصا وأن الإمكانيات الضرورية متوفرة في تلك المستشفيات الإقليمية، هذا مع العلم أن الضغط الذي يمارس على مستشفى ابن رشد لا يمكن تصوره، فنحن نستقبل ما يقارب 200 حالة يوميا، تتوزع بين حوادث السير والمشاجرات، ناهيك عن الأزمات التي تصيب مرضى السكري والقلب والجهاز الهضمي، كما أننا نعمل جاهدين على أن ننهي متاعب أزيد من 80 في المائة من المرضى في الحال حتى يغادروا المستشفى فورا
التغطية الإجبارية
معاناة مزدوجة استبشر المواطنون خيرا وأنا من ضمنهم حين شاعت أخبار التغطية الصحية الإجبارية، لكن سرعان ما انقلب ذلك التفاؤل إلى إحباط«، هذا ما قاله مبارك، متقاعد، مضيفا بأنه بعد مرور وقت وجيز على بداية الاقتطاعات وصدور قائمة الأمراض الخاضعة لنظام التأمين الإجباري، اكتشف أن »تلك الادعاءات، ليست إلا ضحكا على الذقون وفرصة لابتزاز المواطن«، ويؤكد هذا الرجل الذي تجاوز سن السبعين بسنتين الخلصة ديالي ماكتعداش 1400 درهم فالشهر، وكيقطعو لي منها 60 درهما للتغطية، والمصيبة ماكنستافدو والو، الواجب عليهم يوفرو لينا كلشي فابور احنا اللي حاطين رجل فالدنيا ورجل فالقبر، على ماحال بلادنا غاديا اللور اللور
ويسخر منير العبادي، طبيب مختص، من نوعية الأمراض المحددة قائلا »من المفارقات الغريبة في تلك الأمراض أنها مزمنة في حين أن عللا أخرى من الممكن جدا أن تتسبب فيها وغير مدرجة في القائمة، مما يعني أننا يجب أن ننتظر المرض البسيط ليتسبب في مرض مزمن حتى يتمكن المصاب به من الاستفادة من التغطية«، ويعطي العبادي مثالا لفرضيته بمرض اللوزتين الذي لا يدخل ضمن تلك الأمراض، مع العلم أنه مسؤول بشكل كبير عن أمراض القلب التي توجد من بين الأمراض الخاضعة للتغطية الصحية
يشار إلى أن قانون 65.00 الخاص بنظام التأمين الإجباري عن المرض، يشمل الأمراض المزمنة والطويلة الأمد والمكلفة، وبذلك فهو يشمل أمراض فشل القلب، أمراض الصمامات الروماتزمية، أمراض القلب الخلقية، أمراض الشرايين المزمنة وارتفاع ضغط الشرايين الحاد والأمراض التاجية
كما يشمل التأمين أمراض الاستقلاب وأمراض الغدد الصماء أمراض السكري المحتاج وغير المحتاج للأنسولين، إضافة إلى أمراض الكلي والأعصاب الأشكال الخطيرة لأمراض الأعصاب وأعصاب العضلات، السكتة الدماغية، أمراض الصرع، مرض باركنسون وتصلب الصفائح
وأمراض الدم والكبد، والأمراض التنفسية والهضمية والعقلية، والأمراض البصرية وزرع الأعضاء
وتبلغ نسبة التعويضات عن مصاريف العلاج، برسم التأمين الإجباري، 70 في المائة من التعريفة المرجعية بالنسبة إلى العلاجات التي تباشر في القطاع الخاص، و90 في المائة من التعريفة نفسها، في ما يخص العلاجات التي تباشرها المستشفيات العمومية، ويجدر التذكير بأن العلاقات بين الهيئات المكلفة بتدبير التأمين الإجباري عن المرض، ومقدمي الخدمات الطبية في القطاعين العام والخاص، ولاسيما في ما يتعلق بالتعريفات المرجعية الوطنية، من أجل إرجاع المصاريف أو تحملها، تحدد بموجب اتفاقيات وطنية تبرم بمبادرة من الوكالة الوطنية للتأمين الصحي وتحت إشرافها، وذلك طبقا لأحكام القانون 65.00 والنصوص المتخذة لتطبيقه
المرضى بين سندان المستشفيات ومطرقة المصحات الخاصة قدم إلى إحدى المصحات الخاصة، عبد السلام من أجل استفسار مسؤول عن المصحة حول مصاريف تغطية علاج ابنه كريم، البالغ 12 سنة، والمصاب بمرض فقر الدم، وقال الأب الذي يشتغل محاسبا في إحدى الشركات، إنه عانى الكثير منذ أزيد من خمس سنوات، أي منذ أن أصيب ابنه بهذا المرض، وقاده ذلك إلى اكتشاف مأساة الواقع الصحي، الذي لا يعترف، كما يقول، إلا بلغة المال »على مدى كل هذه السنين، كانت حياة كريم كما هي الآن، معرضة بشكل كبير للخطر، والسبب ضعف مستوانا المادي، فراتبي لا يخول لي اللجوء إلى مصحة خاصة، ووجودي الآن بهذا المقر كان بدافع بعض الأصدقاء الذين قرروا في غيابي التكفل على سبيل التضامن بمصاريف علاج ابني، وذلك بإشراف محسن مغربي مقيم في هولندا«
وكانت تلك المبادرة التي استفاد منها عبد السلام، من المبادرات التي يحظى بها قلة من المرضى، ومعنى ذلك أن الآلاف وربما الملايين ينتظرون لحظات احتضار أبنائهم الذين يعانون أمراضا مزمنة، لأن المستشفيات العمومية، يؤكد عبد السلام، نفضت يدها من مسؤولية الاعتناء بصحة المواطن
وفي تصريح لأحد المسؤولين عن مصحة خاصة، كانت الفكرة واضحة، إذ أعلن أنه إضافة إلى الدور الإنساني للمصحات، ومحاولتها التخفيف من آلام المواطنين، فإنه لا يجب بأي حال إغفال هدفها التجاري، وبالتالي فإن كل الأطر المشرفة على المصحات الخاصة، تجمع على أنها لم تحدث من أجل تقديم خدماتها بالمجان، أو بأثمنة منخفضة، وإنها لا تأخذ بعين الاعتبار الحالة الاجتماعية للمرضى، وتقول إحدى الممرضات العاملة في مصحة خاصة إن »أثمنة العلاج في المصحة محددة سلفا، ولا مجال لمناقشتها، لذلك فإن كل من يقصد هذه المصحة، أو غيرها من المصحات الخاصة، يكون على علم مسبق بقيمة ما يجب دفعه، فالمبيت لليلة واحدة يصل أحيانا إلى 500 درهم دون احتساب مصاريف الأدوية والغذاء وتدخلات الطبيب الاستعجالية، وبالنسبة إلى الأطفال الصغار، فإن أوضاعهم تختلف تماما، فأعمارهم تفرض مبيت أمهاتهم بجوارهم، وهذا يرفع فاتورة الاستشفاء بصفة أوتوماتيكية
ومن خلال آراء بعض الأمهات اللاتي يعاني أبناؤهن أمراضا مزمنة، لمسنا تذمرا بليغا من مستوى الخدمات الطبية التي تقدم للمرضى في المستشفيات العمومية، حتى أن إحدى المواطنات قالت »طريقة التعامل ومستوى الخدمات يجعلك تفضل انتظار خلاصك في البيت على تسليم أمرك بين أيديهم، وإذا كنا نحن الكبار، لنا من القدرة على تحمل بعض الإهمال، فهؤلاء الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة، لا يستطيعون التحمل
وتتلخص معاناة هذه الأم في أن ابنتها ولدت بتشوه خلقي في القلب، إذ تعاني من ثقب في القلب يستدعي إجراء عملية جراحية ستكلف 10 ملايين سنتيم
ومن الأمراض المزمنة، التي تشكل خطرا حقيقيا على المصابين بها، مرض العجز الكلوي
الطفلة كوثر ذات الخمس عشرة سنة، واحدة من هؤلاء المصابين بداء القصور الكلوي، إذ هاجمها منذ أربع سنوات، وبحكم المستوى المادي المتواضع، فإن أسرتها تعتبر المصحة الخاصة، شبحا صعب الاقتراب منه، بل حتى المستشفى العمومي يتطلب مصاريف باهضة، كما يتطلب الصبر والجلد من أجل تحمل العديد من السلوكات التي باتت من يوميات المستشفيات، بحسب أم كوثر، وقالت الأم إن ابنتها حرمت من العلاج هناك، وطلب منها اللجوء إلى إحدى الجمعيات الخيرية، لتتكفل بمصاريف تصفية الدم، ولا ترى أم كوثر الآن، فرقا بين المصحات الخاصة والمستشفيات العمومية، إلا في طريقة إعدام من لا يقوى على تأدية تكاليف العلاج
ولا تختلف حالة أحمد آيت بورغي عن سابقاتها، فهو أب لستة أبناء، وسابعهم الذي يبلغ خمس سنوات، يعاني مرض سرطان الدم، الأمر الذي نتجت عنه أمراض أخرى من قبيل الأورام ومشاكل في النظر تستوجب إجراء عملية جراحية، ناهيك عن أمراض جلدية
وأمام هذا الوضع لجأ إلى الجمعيات باحثا عما يحتضن ابنه، لكن الجمعية الوحيدة التي قبلت مساعدته، طلبت منه دفع مبلغ 800 درهم شهريا، ما لم يستطع توفيرها وهو العاطل عن العمل، ويسكن بيتا من الصفيح
ويتساءل، إذا كان هذا هو حال الجمعيات الخيرية والمستشفيات العمومية، ماذا يمكن الانتظار من المصحات الخاصة التي »ترفض منح مجرد مسكن للآلام، قبل الاطلاع على رصيدك البنكي