تعتبر الكآبة إحدى الأمراض النفسية الأكثر انتشارا في المجتمعات، وتتراوح خطورة الإصابة بهذا المرض، حسب الدراسات من 10 إلى 25 في المائة عند النساء،
ومن 5 إلى 12 في المائة عند الرجال وترى المنظمة العالمية للصحة أن الكآبة تشكل خطورة على الصحة إذا لم يتم تشخيصها في وقت مبكر، ويستعصى علاجها لتصبح مرضا مزمنا إذا لم تباشر من طرف طبيب مختص
من أجل التحسيس بأهمية الموضوع ينجز مجموعة من الأساتذة في الدار البيضاء دراسة ميدانية بين صفوف التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة، لتسليط الضوء على حالتهم النفسية انطلاقا من ملء استمارات حول وضعهم في الأسرة، في المدرس وخارجها، وستقدم نتائج الدراسة خلال يوم توعوي في 17 مارس بكلية العلوم بالدار البيضاء
يستعد مجموعة من الأساتذة الباحثين بجامعة الحسن الثاني بعين الشق الدار البيضاء لإنجاز دراسة ميدانية حول موضوع الإرهاق المدرسي والاكتئاب وقالت أم كلثوم الخليفي، أستاذة جامعية، في تصريح ل "المغربية" إن الهدف من الدراسة هو إنجاز مقاربة شمولية حول المشاكل التي يعيشها الشباب في مرحلة الدراسة خاصة منها الإرهاق والاكتئاب، ولفت انتباه الآباء إلى الظاهرة لمعالجتها في الوقت المناسب
وأوضحت أم كلثوم الخليفي أنها فكرت في هذه الدراسة انطلاقا من تجربتها الخاصة، ومعاناتها مع ابنها، إذ لم تنتبه لمرضه إلا بعد فوات الأوان قائلة لم استطع الحديث عن المرض النفسي الذي يعانيه ابني منذ البداية، لأن الصمت لازال يخيم على هذا النوع من الأمراض من طرف المجتمع المغربي، ولازالت عدة عائلات تخفيه، لأنها تراه احد العيوب الأسرية التي لا يجب الحديث عنها، وهناك من يرى أن هذه الأنواع من الأمراض مس من الجن، وبالتالي الفقيه هو الوحيد الذي يجد يعالج هذه الحالات
وأشارت الخليفي إلى أن الانهيار العصبي الذي يعانيه ابنها يرجع إلى حوالي خمس سنوات، منذ سن السادسة عشر، إذ كان في البداية منزويا و منغلقا حول نفسه، وكان لا يحدثنا طوال اليوم، ثم تطورت الحالة فأصبح يرفض الأكل،، وتحول اهتمامه الدراسي إلى قراءة الكتب الدينية والصلاة طول الوقت، إلى أن وصل إلى فقدان الإحساس بالنوم، فكنت أستيقظ في الصباح لأجده لم ينم بعد
وأوضحت الخليفي أن الحالة كانت تتطور تدريجيا، وأن مرور الوقت دون علاج نفسي عند طبيب مختص كان له تأثير على صحة ابنها، وعلى صعوبة شفائه من المرض، وأكدت أنها اتجهت إلى مستشفى الأمراض النفسية لتفهم أنها قصدت ذلك الباب بعد فوات الأوان
ورأت أم كلثوم الخليفي أن سرد أعراض المرض الذي يعانيه ابنها، سيلفت انتباه الآباء إلى فهم الحالة النفسية التي يمر بها بعض الأطفال، وإدراك خطورة التأخر في معالجة المشاكل النفسية التي يتخبط فيها أبناؤهم، خاصة في مرحلة المراهقة، ذلك لأن المعالجة من طرف طبيب مختص يجنبهم تعقيد الأمراض النفسية ويحد من تفشي عواقبها في المجتمع
انخرطت أم كلثوم الخليفى في جمعية للأمراض النفسية، ليتضح لها من خلال اللقاءات التي حضرتها، خاصة في لقاء حول معاناة العائلات والمرضى النفسانيين، قلة الأبحاث حول الموضوع، الشيء الذي جعلها تفكر في إنجاز هذه الدراسة الميدانية، والتي لقيت فيها مساعدة ومشاركة من طرف عدة أساتذة باحثين ودكاترة مختصين، وشخصيات من مختلف الجهات
ورأت الأستاذة الجامعية انه يجب إنجاز مثل هذه الأبحاث كل شهر، ذلك لأن الأطفال معرضين في أي وقت للأمراض النفسية، خاصة المراهقين، نظرا للضغوطات الدراسية، والتكنولوجية مثل الانترنيت وتعدد القنوات الفضائية، وتفكك الأسر، وغياب المرأة عن البيت طول النهار، وانشغالها عن أبنائها بعملها
وأشارت إلى وجوب اهتمام الآباء بصحة أبنائهم النفسية، وضرورة التعرف عن أسرارهم بالتقرب منهم ومصاحبتهم في معاناتهم، خاصة في سن المراهقة
وتتوخى انتقال هذه الدراسة الميدانية في مرحلة قادمة من أطفال المدارس إلى غير الممدرسين، لتشمل الأطفال الذين يشتغلون في القطاع الميكانيكي، والصناعة التقليدية، لأن في ذلك وقاية من الآفات الاجتماعية التي تعرفها المجتمعات الراهنة
وأوضحت الأستاذة الجامعية أن المشروع يشمل 11 نيابة تعليم في الدار البيضاء، واستهدف فئات تلامذة السنة التاسعة من التعليم الإعدادي، وتلامذة التعليم الثانوي، طلاب المعاهد العليا، والذين تتراوح أعمارهم بين 15و20 سنة، وزعت عليهم استمارات من طرف المديرين والأساتذة، الذين أشرفوا على انتقاء التلاميذ المشاركين بصفة عفوية
وتناولت الاستمارة ثمانية محاور، تتعلق بالحالة الاجتماعية للطفل، والمدرسة، والأنشطة الموازية والصحة، وتشمل عدة أسئلة لأنها المحور الأساسي للبحث، والتدخين، والكحول، والمخدرات
ويتعلق الأمر بالإجابة على حوالي 70 سؤالا، تتوخى من خلالها التعرف على الحالة النفسية لهذه العينة من الشباب، والكشف عن معاناتها، للحد أو التخفيف من المشاكل الاجتماعية التي تترتب عنها
وبعد إتمام الدراسة وجمع معطياتها، ستنظم كلية العلوم التابعة لجامعة الحسن الثاني عين الشق بالدار البيضاء يوما تحسيسيا لتوعية الشباب حول الإرهاق المدرسي والاكتئاب، وذلك في السابع عشر من مارس المقبل
ومن المتوقع أن يستفيد من هذا اليوم التحسيسي، الذي سيؤطره عدد من الاختصاصيين المغاربة والأجانب، شباب في سن المراهقة، وعائلات لأطفال يعانون المرض
وتهدف المبادرة إلي تسليط الضوء على الاضطرابات النفسية التي تصيب فئات كبيرة من المتمدرسين وتأثير ذلك على مسارهم الدراسي إذا ما لم يعالجون في الوقت المناسب
وترى أم كلثوم الخليفي أن السبيل الأمثل لتجاوز هذه الأمراض أو التقليل من مخاطرها هو توعية الآباء والشباب مما يمكن أن تسفر عنه الضغوطات النفسية المتراكمة التي يعيشها أغلب المتمدرسين طيلة مسارهم الدراسي
خاصة في أوقات تحضير الامتحانات وخلال هذا اليوم التوعوي، الذي سيعرف مشاركة فئة من الشباب، حسب أم كلثوم الخليفي ستعرض نتائج البحث الذي يتعلق بالإرهاق الفكري والاكتئاب الذي أنجزه الأساتذة الجامعيون والأطباء المختصون
وسيقدم خلال اليوم التحسيسي عدة محاضرات حول دور التربية على حقوق الإنسان في تحرير المعرفة، الكآبة مقاربة نفسية، احترام الذات، كما ستقدم شهادات لشباب عن تجربتهم الخاصة مع المعاناة
وتسعى أم كلثوم الخليفي إلى التخفيف من معاناة آباء وأولياء الأطفال المرضى من خلال عملها داخل جمعية أملي، مستندة في ذلك على تجربتها الخاصة في الميدان
وأكد من جهته محمد بنزاكور، أستاذ علم النفس، لـ "المغربية" ان المدرسة تعد من إحدى العوامل الأساسية التي تسبب إرهاقا وكآبة عند الشاب إلى جانب عوامل أخرى كوضعية الأبوين والعلاقات التي تربطهما، وضعية الأسرة، وعلاقاته بالشباب خارج الدراسة
واعتبر الدراسة أداة لتحليل الوضع داخل المؤسسة التربوية، وداخل الأسرة، وداخل المجتمع، لكشف الأسباب المباشرة وغير المباشرة وراء ظهور الأمراض النفسية لدى الطفل