الإحسان لمحمد رشيد عراقي

تأملات في المشهد الإنساني

السبت 17 فبراير 2007 - 11:30

لهذا الرجل المبدع الخلاق، لهذه الشجرة الحانية الوارفة الظلال الذي نقدم عمله الإبداعي الثاني بعد أن عرضنا لباكورة أعماله

التي وعدنا أنها ستكون خمسة تحمل أسماء خمس ثمرات طيبات صالحات أنجبها
له خمسة أبناء وبنات، أعطى لكل حلقة من حلقات السلسلة اسم واحد من ذريته، العمل الأول حمل إسم عدل والثاني الذي نحن بصدد التقديم له اسم »احسان« والثالث في الطريق إيمان والرابع أسماء والخامس اسم إرشاد، أسماء جميلة لإبداعات أجمل، ذكرني هذا بما حصل مع الشاعر العربي الكبير محمود درويش وهو في مكتب التحقيق الإسرائيلي حين صرخ الشاعر في وجه الضابط الإسرائيلي، اكتب لدي من الأولاد ستة وسابعهم في الطريق، إنه التحدي والصمود في أبلغ وأوج معانيه وعناوينه

بهذه الطريقة وهذا الإيمان وهذا الرهان يقتحم اليوم محمد رشيد عراقي ميدان الخلق والإبداع هو الذي قدم إليه من عالم آخر قلما يفكر أصحابه ورواده في ولوج مغامرة الأدب والفكر والإبداع

ثم من كان يصدق أن هذا الرجل مؤلف هذه السلسلة البديعة، أي محمد رشيد عراقي، الذي تلقى تكوينا علميا وتقنيا عاليا بأوروبا وزاول طيلة حياته مهنته وتخصصه في ميداني البحث العلمي والشؤون الاجتماعية بالمكتب الشريف للفوسفاط أن يفاجئنا بكل هذا الإبداع والعطاء والمهارة التي تسبر أغوار الذات الإنسانية، وهذه النظرة الثاقبة الفاحصة التي تنفذ إلى أعمق أعماق الذات الإنسانية، ثم من أين جاء رشيد عراقي بكل هذه الطاقة ومن أين له هذا الوقت وهذا الصبر والجهد وهو الكفاءة التقنية العالية التي كانت الخلطات الكيماوية والتصميمات التقنية تستغرق كل وقته وجهده، ليفاجئنا بسلسلة أعمال كلها تأملات عميقة في الذات وفي ذوات الآخرين قد تستطيع كتقني أن تفكك أعقد الآليات والماكنات وتحلل الأرقام والشفرات لكن من الصعب جدا أن تتأمل داخليا في ذاته وتطلع على مكوناتها وأسرارها وما توحى به فبالأحرى أن تتأمل في ذوات الآخرين وتتفد إلى أعماقهم

ففي هذا العمل الذي جاء يحمل اسم »الإحسان« وهو الثاني في السلسلة ينقلنا المؤلف إلى أجواء تأملات مبنية على تفكير عميق ورؤيا نافذة لاتتوفر لكثيرين ممن لايحملون إلا عينين فقط

في تأملاته هذه يحاول أن يمسك بذلك الخيط الرفيع الذي يربط بين الأب والأخ والابن، وبين الطفل الذي كفاه جميعا يوما ما وبين الكبير الذي نحن عليه اليوم

كتابة أقرب إلى التأملات الوجدانية الروحية الموغلة في الذات الإنسانية منها إلى التوصيف السطحي، إنها تنفذ الى الذات لأنها من الذات تنطلق لأنها نتاج تأمل وتفكير رصين بطيء هادئ يأخذ كل وقته، عملية لا يستطيعها سوى نزلاء الدير المتفرغين للصلاة والعبادة أو ممن يمارس الفلسفة، سألوا مرة الرئيس الفرنسي السابق الراحل فرانسوا ميتران وكان لائكيا ككل جيله من الاشتراكيين فبماذا كان يصلى، أجاب : لكنني أعوض عن الصلاة بممارسة التأمل

إنني دائم التفكير في أبي وأمي وكيف ربياني وأنا طفل صغير إنه ذلك الخيط الرفيع وذلك السيركوي كما يقول التقنيون الذي يلحم بين الأب والطفل، وبتعبير آخر بين الطفل والطفل، الطفل الذي كناه يوما والكبير الذي نحن عليه اليوم
إن هذا هو عين ما يتطرق إليه صلب هذا المؤلف البديع يكتب محمد رشيد عراقي في باب باسم الأب هو في كل مكان ودائما حاضر، المجتمع برمته يعيش تحن ظله، ينفذ تعليماته ويظهر أنه وضع من طرفه وعلى صورته
إنه هنا ليربينا، ليغذينا، وينمينا، لأن الهياكل الأساسية الأخرى وبقية مركبات التربية تعرف خللا وظيفيا وأحيانا في بعض الجهات على الأقل، فهي بكل بساطة غائبة

وحول تلك العلاقة التي تربط بين الأب والأم والطفل، هذا الطفل الذي سيغدو يوما رجلا راشدا بدوره ليندمج ضمن عائلة مركبة من ثلاثة أعضاء يعيشون دوما في تكامل داخلي، ثلاثة معطيات تحاول توسيع حقل عملها لمزيد من الاستقلالية، ثلاثة معطيات متكاملة بعضها البعض منذ الطفولة الإنسانية

بين الثلاثة توجد مهام طبيعية صارت حدودا اجتماعية لما عرضت على الرجل، فوحده الإحسان، في تحمل أفكار وأعمال، يستطيع الوصول إلى قطع الحد القابل للإدراك، ليضمن له مزيدا من الاتفاق، ومزيدا من الذكريات وقليلا من الآلام

والكتاب في مجمله يعالج مشكل »التخلف المستدام« أي نفس الموضوع الذي تطرق له المؤلف باكورة أعماله الأولى »عدل« مع إضافة تساؤلات وأبحاث أخرى، لكن بنفس التشبث في التأمل ونفس الغيرة والوطنية

والمؤلف يحكي مسألة هذه الحياة كمواطن عادي مسؤول، يفكر مليا ويتأمل ويتألم مع هذه المعضلة دون مخرج سهل أو ظاهر، فأهمية مظاهر ومقاييس هذا المجتمع تروى مع إرث من الماضي يتحول في الحاضر إلى عامل فعال حسب ظروف غير ملائمة
ويختم المؤلف محمد رشيد عراقي »إحسانه« هذا بالتأكيد على أهمية القيم في حياة الشعوب

ويرى أن التلاعب فيها هو ما يجر الخيبات والمآسي على الآخرين، ويساهم في توطيد هيمنة الأقوياء والأثرياء على الفقراء والمستضعفين رغما عن وجود ديموقراطية من المفترض أن تحد من هيمنة الفوضى التي يمكن للفراغ أن يتملكها

كتاب الإحسان ككل إصدارات محمد رشيد عراقي متوفرة باللغة الفرنسية لمن يود القراءة بها واللغة العربية التي يتولى النقل إليها عبد الرحمان الطاهري جوطي حسني صدر الكتاب عن مطبعة النجاح الجديدة ـ الدارالبيضاء




تابعونا على فيسبوك