اهتمام عالمي بمجال طب الطيران

ركوب الطائرة محفوف بمخاطر نفسية وجسدية تتطلب مراجعة طبية

الخميس 01 فبراير 2007 - 13:26

إن تقدم الطيران الفائق في السنين الأخيرة وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، أظهر عجزا كبيرا في قدرة الإنسان على تحمل نتائج السرعة الفائقة

والعلو الشاهق وطول ومدة الطيران، وأيضا التعقيد الآلي الموجود في الطائرات الحديثة، وما يلزمه من انتباه كامل وسرعة تصرف

وانطلاقا من ذلك، شعرعلماء طب الطيران وطب الفضاء، بجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم، من خلال تهيئ السبل للطيار لتحمل الطيران الحديث، بهدف حفظ مستويات الصحة العالية لديهم تحت جميع الظروف، إذ يعمل الأطباء المتخصصون في هذا المجال على حماية أفراد الطيران من الأخطار الحديثة التي تنجم عن الارتفاع الشاهق، والسرعة العظيمة، وما ينتج عن ذلك من قلة الأوكسجين وتغيرات درجة الحرارة، وتبخر الغازات الذائبة في الجسم، والتعرض للإشعاعات الشمسية الخطرة، وضعف سرعة الرؤية وحدتها

كما يهتم هذا الفرع من العلوم الطبية بوقاية الطيار من تأثير عجلة الجاذبية عليه، وحمايته من خطورة عدم مجاراة وسرعة الإبصار، والانتباه الطبيعي للسرعات الفائقة
ويجري تدريب أفراد الطيران على سرعة التصرف في الحالات الاضطرارية، مثل الهبوط الاضطراري أو الهبوط بالمظلات، وأساليب الإغاثة المختلفة إذا ما فقدوا في الصحراء أو في البحر أو في الغابات

كما يعمل الطبيب المتخصص في طب الطيران على حماية الطيار من مؤثرات الطائرة، مثل الصوت المرتفع والغازات السامة المتولدة عن احتراق الوقود، والذبذبة والحريق داخل الطائرة، ومساعدته على التغلب على التعب والارهاق من طول مدة الطيران ومداه، لما لذلك من تأثير خطرعلى الصحة العقلية والجسدية للعاملين في المجال، وتعليمه كيفية التغلب على التعب الذهني الناتج عن شدة الانتباه

ويعتبر طب الطيران من الفروع المهمة التي قننتها المنظمة الدولية للطيران المدني »إيكاو«، وهو يجمع بين تخصصات عدة، منها الطب السريري الإكلينيكي والبيئي والمهني مع علم النفس، وعلم وظائف الأعضاء في ما يتعلق بالأرجل ووضعها أثناء الرحلة

ويهتم هذا الفرع بصحة وسلامة المسافرين سواء كانوا طاقما أو ركابا، فضلا عن دور الرقابة على الجهات التي تمنح تراخيص الطيران من حيث أدائها ومعايير اختيارها

ومن المعروف أن بقاء الجسم دون حراك لفترات طويلة، يؤدي إلى تخثر الدم في الأوردة العميقة، الذي يحدث عادة في الساق بسبب عدم تغيير وضعها أثناء رحلات السفر الطويلة، فضلا عن أن ضيق المقاعد يؤدي إلى الوفاة إذا انتقلت الجلطة الدموية إلى الدماغ أو الرئتين، حيث إن الجلطات تبدأ في التحرك ضمن الدورة الدموية بعدما يخرج المسافرون من الطائرة، ويمكن أن تتحرك خلال دقائق لتصل إلى القلب أو الرئتين

وتسبب ذلك في صعوبات في التنفس، وعادة ما تكثر الإصابة بمرض تخثر الدم بسبب ضعف في الدورة الدموية الذي ينتج عن الإصابة بأمراض أخرى، مثل أمراض القلب والنوبات القلبية ودوالي الأوردة، كما أن المسافرين الذين يعانون من السمنة أو المسنين يكونون أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بجلطات السفر جوا

ومن أعراض الإصابة بالداء، ظهور احمرار مصحوب بآلام وانتفاخ في المناطق المتأثرة بالمرض، مع تزايد ضربات القلب والحمى، وتعتبر الجلطة الرئوية من الأعراض الشائعة والخطيرة لمرض تخثر الدم، كما يتسبب المرض في إجهاض المرأة الحامل بسبب قلة الأوكسجين الذي يصل إلى الجنين

ونظرا لوجود علاقة وثيقة بين الإصابة بتخثر الدم والسفر جوا لساعات طويلة، ينصح بعض الأطباء باتباع مجموعة من النصائح مثل تناول جرعة من الأسبرين لتساعد على سيولة الدم، ولا ينصح به في حالات الإصابة بقرحة المعدة أو عسر الهضم، وارتداء الملابس الفضفاضة والحركة الكثيرة أثناء الساعة التي تسبق صعود الطائرة
كما أن تحريك أصابع القدمين وثني الكعب مع عدم تشبيك القدمين، ومحاولة المشي داخل الطائرة أثناء الرحلة، يحافظ على تدفق الدورة الدموية بانتظام

إضافة إلى ذلك، ينصح بشرب كميات كبيرة من الماء أثناء الرحلة، مع تجنب المشروبات الكحولية، وتجنب ارتداء الجوارب الضيقة التي تعوق تدفق الدورة الدموية في أوردة الساق، واستخدام الجوارب الخاصة بدوالي الأوردة
كما ينصح برفع مستوى السرير من ناحية القدمين للحفاظ عليهما مرفوعتين أثناء النوم، وتجنب الجلوس لفترات طويلة أو البقاء في وضع واحد طويلا

أمراض الطيران يعتبر مرض الأنوكسيا أو هيبوكسيا كما يطلق عليه بعض الأطباء، أحد أمراض الطيران، ويتسبب فيه فقدان الإمداد العادي من الأكسجين إلى أنسجة الجسم، أو عدم قدرة الأنسجة على استخدام الأكسجين

وتنشأ الأنوكسيا حينما لا يلتقط الدم الذي يمر عبرالرئتين ما يكفي من الأكسجين
ويحدث ذلك عندما تنخفض نسبة الأكسجين في الهواء، مثل الارتفاعات التي تتجاوز ثلاثة آلاف متر
كما يمكن أن يعجز الدم عن التقاط ما يكفي من الأكسجين لعيوب في الرئتين أو لعوائق في ممرات الهواء المتصلة بالتنفس
ومن الأعراض العامة للأنوكسيا، التنفس السريع العميق، وكثيرا ما يصحب الحالة تلون الجلد باللون الأزرق، أو تقود الحالات الحادة إلى فقدان الوعي وربما الموت
وتحدث الأنوكسيا الأنيمية عندما لا يستطيع الدم حمل كميته العادية من الأكسجين، إذ ينشأ ذلك حينما يكون بالدم كميات غير كافية من الهيموجلوبين المادة التي تنقل الأكسجين في الدم، أو حينما يتعدل الهيموجلوبين بفعل أول أكسيد الكربون أو سموم أخرى
وتنشأ الأنوكسيا الراكدة عندما يتدفق الدم ببطء إلى درجة أنه يفقد معظم أكسجينه قبل أن يكمل دورته عبر النسيج
وهكذا، فإن جزءا من النسيج لا يتلقى أكسجينا أو يتلقى القليل منه
ومثال من الأنوكسيا الراكدة يحدث خلال درجات الحرارة الباردة، عندما تضيق الأوعية الدموية تحت الأظافر وفي الشفاه، مما يسبب زرقة في هذه الأجزاء من الجسم
وتتسبب السموم في أنوكسيا التسمم النسيجي الذي يجعل الأنسجة غير قادرة على استخدام إمداد الأكسجين

أما النوع الثاني من الأمراض، فيطلق عليه اسم مرض الارتفاع، يصاب به الأشخاص الذين اعتادوا العيش في أماكن منخفضة، إذا ما صعدوا إلى أماكن عالية
ويسمى أيضا بمرض الجبال

تتم الإصابة بهذا المرض عن طريق التعرض الطويل لضغط منخفض نسبيا من الأكسجين في الهواء على ارتفاعات أعلى
وتشمل أعراضه ضيقا في التنفس، وصداعا وحالات نوم مضطربة، وغثيانا وصعوبة في الرؤية أو السمع، وإغماء، وفقدان ذاكرة مؤقت، ويحدث قيء في بعض الحالات
ويعيش معظم الناس على ارتفاعات أقل من ألف و500 متر فوق مستوى سطح البحر
ويتكيف الجسم تدريجيا في الارتفاعات الأعلى، على ضغط الأوكسجين المنخفض
ويحدث ذلك بزيادة إنتاج كريات الدم الحمراء التي تحمل الأكسجين إلى أنسجة الجسم
وتدعى عملية التكيف هذه بالتأقلم الذي يمكن أن يستغرق يومين أو ثلاثة أيام على ارتفاع 3 آلاف متر، وأسبوعين أو أكثر على ارتفاع حوالي 5 آلاف متر
إن حدوث التأقلم يتضاءل لدى بعض الناس على الارتفاعات الأكثر من 5آلاف متر
وإذا لم يتزود الإنسان بأوكسجين إضافي، ربما يموت بسبب تجلطات مخية أو رئوية
ويعتبر أقصى ارتفاع على سطح الأرض يمكن أن يعيش فيه الناس بشكل مستمر، ذلك الذي يصل إلى حوالي 6 آلاف متر

مع الإشارة إلى أن هناك أناسا قليلين، يعيشون في مثل هذه الظروف، مثل ذلك سكان جبال الأنديز في أميركا الجنوبية وفي جبال الهملاَيا في آسيا
فتظهر على الشخص أعراض نقصان الأوكسجين لو زاد الارتفاع حتى يبلغ 25 ألف قدم
فيعاني الشخص من نقص الأكسجين الحاد وبعد هذا الارتفاع يفقد المرء الوعي تماما
بسبب الخلل التام في الجهاز العصبي

ونتيجة لانخفاض الضغط الجوي تمدد حجم الغازات في جسم الإنسان عند تعرضه لانخفاض الضغط الجوي في الارتفاعات العالية
فتتمدد هذه الغازات المحبوسة في تجاويف الجسم
أو تتصاعد الغازات الذائبة في خلايا الجسم على هيئة فقاعات من غاز النيتروجين لانخفاض الضغط الجوي

فإذا زاد حجم الغازات الموجودة داخل المعدة فإنها تتمدد وتضغط على الرئتين فيشعر المرء بضيق في التنفس، وآلام شديدة بالبطن
ويحدث أن تتمدد الغازات في الرئتين عند الارتفاع، ويزداد حجمها وتخرج مع الزفير، مما يحدث آلاما بالأسنان والضروس، والأذن الوسطى والجيوب الأنفية بسبب زيادة حجم هذه الغازات

وهذه الحالة قد تحدث أيضا للغواصين عندما يصعدون من الأعماق حيث الضغط العالي فجأة للسطح بضغط أقل
مرض ثاني أكسيد الكربون ينتج ثاني أوكسيد الكربون من عملية الزفير، إذ يزداد تركيزه بزيادة عدد المسافرين الموجودين على متن الطائرة، وما يجب معرفته حول كيفية تغيير الهواء داخل الطائرة هو أن جسم الطائرة مغلق

فعملية تجديد الهواء بداخلها تعتمد على أجهزة تزود الطائرة بالهواء المطلوب للركاب بعد تنقيته بمقدار يحافظ على التوازن بين نسبة الأكسجين المستخدم وثاني أكسيد الكربون الناتج عن عملية التنفس، كما أن معدل تغير الهواء داخل مكان الركاب يتراوح ما بين 5 إلى 10 مرات أكثر من تغيره داخل أي مبنى على سطح الأرض

فلو اختل التوازن بين الأكسجين وثاني أكسيد الكربون، يمكن لجسم الإنسان تحمل زيادة نسب الأوكسجين، دون قدرته على تحمل زيادة ثاني أكسيد الكربون سواء في الأرض أو في الفضاء، لأنه يتسبب في العديد من المشاكل

وتزداد الخطورة على متن الطائرة، إذ يتسبب ذلك للمسافر العادي في أمراض من قبل الشعور بالتعب والإرهاق والعياء مما يفقده الشعور بالراحة والرطوبة النسبية
ويعتبر مصدر الهواء المضغوط الموجود داخل الطائرة، من ذلك المسحوب من الخارج بفعل دوران مراوح المحركات، إذ يجري استخلاصه قبيل خلط الهواء المسحوب لحرقه بالوقود وإنتاج الدفع اللازم من المحرك، وفي هذه الحالة يكون ضغط الهواء عاليا، ويكون الهواء ساخنا وجافا

ويمرالهواء بمرحلة خاصة لإنقاص ضغطه قبل إدخاله المكان المخصص للركاب، كما أنه يبرد بواسطة مرشحات خاصة، لكن في هذه المرحلة يظل جافا وبه نسبة قليلة من الماء
واستمرار هذا الجفاف والنقص في الرطوبة النسبية، يسبب للمسافرين مضايقات في التنفس ويعرضهم لجفاف الحلق وجفاف قرنية العين، ولذلك تضاف كمية من الماء لترتفع بذلك الرطوبة النسبية داخل مكان الركاب، ويحفظ على مستوى الرطوبة ما بين 12 و21 في المائة، مع الوضع في الحسبان أن هواء الزفير للمسافرين يزيد من الرطوبة النسبية ويجعل الهواء أقل جفافا

أما بخصوص الأشعة الكونية، فبرزت مشكلتها في مجال الطيران، وازدادت خطورتها على الإنسان والأنسجة القابلة للنمو بصفة خاصة عندما صنعت طائرة الكونكورد، لكن بعد الاستقصاء والتمحيص وقياس الإشعاعات على متن هذه الطائرة، تبين أنه رغما عن تعرض المسافرين على متن طائرة الكونكورد لجرعة إشعاع تبلغ ضعفي الجرعة التي يتعرض لها المسافر على متن طائرة عادية، فإنها قليلة جدا، وهي أقل من الجرعة المسموح بها عالميا للعاملين في مجال الإشعاع

من جهة أخرى، ينتج جزيء الأوزون عند ارتطام الأكسجين على ارتفاع من 40 إلى 140 ألف قدم بالأشعة فوق البنفسجية
ويعتبرغاز الأوزون، غاز ســام يــؤثر سلبا على الجهاز التنـفسي، وإذا تعرض الإنسان لتركيز من الأوزون يعادل 0.1 جزء من المليون لمدة ساعتين يصاب باستسقاء في الرئة وضعف بالنظر يعرف بالعشى الليلي

ولما كانت الطائرات المدنية تطير على ارتفاع من 30 إلى 40 ألف قدم فإن المسافرين على متنها معرضون لخطر التــعرض لهذا الغاز نسبة لسحب الهواء المشبع بالأوزون من خارج الطائرة لإكمال عمليتي الضغط والتكييف، لذلك تلجأ شركات الطيران لاستخدام محولات خاصة لتفتيت الأوزون والحصول على ذرات الأكسجين غير السامة المكونة له




تابعونا على فيسبوك