تنظم مؤسسة إدمون عمران المليح والمكتبة الوطنية بالرباط السبت ملتقى الرواية المغربية، الذي يفتتحه إدمون عمران المليح
بمشاركة محمد برادة، و أبو القاسم الخطبي أفولاي . وينطلق ملتقى الرواية المغربية، حسب منظميه، من مساءلة خصائص اللغة الروائية في تحقيق جمالية النص وتميزه عن بقية الخطابات الثقافية، وكذا حدود العلاقة التي يراهن عليها الروائي المغربي مع القارئ
كما يبحث الملتقى في احتياجات الشكل الروائي إلى استيحاء التراث السردي والاحتماء بلغته، إلى جانب مناقشة أفق الرواية المغربية المحتمل تجاه تعدد الحوامل والأشكال التخييلية المهددة للقراءة، وكذا ملامح الطلائعية التجريبية في مثل هذا السياق
إن تجربة الرواية المغربية، حسب ما جاء في ورقة تقديمية للملتقى، تستحق أن تحلل وتساءل على ضوء السياق الجديد الذي يشرطها والمتمثل، أساسا، في واقع التعدد اللغوي وتعدد أشكال السرد واختلاف الرؤى تجاه ما يحبل به المجتمع من تطلعات وصراعات
فمسألة اللغة الروائية تكتسي، حاليا، أهمية جوهرية، اعتبارا إلى أن اللغة هي عماد وجود تناص إن الرواية هي الشكل المستوعب والمحقق لتعدد اللغات والأصوات، حتى عندما يتعلق الأمر بلغة واحدة
أو بمعنى آخر، هناك تبلور، في مجال نقد الرواية العالمية، لما يسميه البعض الفكر الروائي للغة، والمتحدر من خصوصية الشكل وإمكاناته في تمثيل الفضاءات والرؤيات من منظور جمالي تضطلع اللغة داخله بالتقاط تغيرات الدلالات والتأريخ للكلمات، ورصد مسار الحوارية الكامنة وراء الأفعال والخلفيات الأيديولوجية للمتكلمين داخل النص الروائي
وتضيف الورقة أنه »بالنسبة إلى الرواية المغربية المكتوبة بالعربية والفرنسية، تأخذ مسألة اللغة الروائية حجما متزايدا ينعكس على أفق هذه الرواية ومجال تطورها وانغراسها داخل جمهور قارئ مفترض
في محاولة للاقتراب، في هذا اللقاء الحوار، من إشكالية اللغة الروائية بترابط مع الشكل الروائي وما ينطوي عليه من دلالات قيمية، ومن هذه الزاوية، فإن الروائي المغربي سواء كتب بالعربية أو الفرنسية أو الأمازيغية أو الإسبانية، أو أي لغة أخرى، ستكون علاقته بلغته الروائية أعمق من التصنيف اللساني، إذ أن الانتماء إلى مجال ثقافي لايحول دون التفاعل مع قيم وأشكال لها وجود كوني
لقد جاء ظهور الرواية المغربية من الناحية الزمنية متأخرا عن نظيرتها في المشرق العربي، وقبل ذلك عن الرواية الغربية ما فرض عليها التعامل مع الرواية الشرقية والغربية كنماذج ومرجعيات كبرى
غير أنها أكدت في العديد من المحاولات رغبة قوية للخروج من أسر التقليد والمحاكاة، والتركيز على المعطيات السوسيوثقافية المغربية كنموذج للكتابة لكن ذلك ظهر بشكل باهت, وربما فشلت في ذلك في كثير من الأحيان، حسب ما يراه المتتبعون
لكن هناك استثناءات روائية، لا تتجاوز خمسة عناوين، وهي : رواية الزاوية للتهامي الوزاني عام 1942، و في الطفولة لعبد المجيد بن جلون عام 1957، و »سبعة أبواب« لعبد الكريم غلاب عام 1965، »دفنا الماضي« لنفس الروائي عام 1966، و»جيل الظمأ« لمحمد عزيز الحبابي عام 1967
وبالرغم من أنها لا تتوفر على مؤهلات فنية وروائية كبيرة، إلا أنه ما يجمع بينها الحفظ الكبير بين الروائي والسير ذاتي، بحيث لا تخلو رواية من الروايات المذكورة من هذا الخلط على المستوى الحكائي، وكذا حضور الاخر أي الغرب كعنصر اساسي وفاعل في عملية الحكي، إضافة الى اعتماد قواعد الكتابة الكلاسيكية، وهي سمات طبعت المرحلة التأسيسية للرواية المغربية
بعد هذه المرحلة ظهر نوع جديد من الكتابة الروائية مطبوع بالواقعية، في مرحلة عرف فيها المغرب بروز جملة من التناقضات، اذكت الصراع على المستوى السياسي، حيث كان له تأثير بالغ على الحقل الثقافي والفكري، وعلى الأجناس الكتابية، ومنها الرواية التي أظهرت ميلا كبيرا للواقعية، باعتبارها الاتجاه الأكثر قابلية للتعبير، وتمثل ما كان يعرفه الواقع المغربي من تغييرات
وقد ظهر ذلك في روايات محمد زفزاف، ومبارك ربيع، وعبد الكريم غلاب، ومحمد شكري وقد تميزت الكتابة الروائية في هذه الفترة بهيمنة السياسي على الفني والإبداعي، وحضور الظواهر الاجتماعية كالفقر والأمية
اضافة الى اعتماد اللغة السهلة والمباشرة، مع الإبقاء على عنصر السيرة الذاتية، والغرب لكن بشكل اقل من السابق
مع منتصف السبعينات من القرن الماضي، بدأ ت تظهر معالم الرواية التجريبية، بظهور تصورات أدبية جديدة تدعو إلى تجاوز طرق الكتابة والتعبير السابقين، بهدف إعادة التوازن المفقود للرواية المغربية، وذلك بتجاوز تقنيات الحكي الكلاسيكي، وتنويع وجوه السرد، وتناول مواضيع تنهل من التراث، والظواهر الغرائبية، وتكسير سطوة اللغة القديمة، والمصالحة بين الأجناس التعبيرية والكتابية في السرد الروائي
فمن خلال عمر الرواية المغربية الذي يبلغ 50 سنة على وجه التقريب، تحققت نصوص بالعربية وأخرى بالفرنسية من خلال وثائر ضئيلة تبلغ قمتها، في العقد الأخير، معدل ثلاثين رواية في السنة
لكن نصف القرن هذا، المطابق لفترة زمنية زاخرة بالتحولات في القرن العشرين، تضيف الورقة التقديمية لندوة الرواية المغربية، واكبته تبدلات عميقة في المجتمع المغربي بعد الإستقلال تطاول كل المجالات وخاصة في مجال الثقافة والإبداع، حيث تلاشت الكثير من المحرمات وارتاد الأدب فضاءات وأشكالا تتفاعل مع حركات الإبداع الكوني، وهذه النقلة أحدثت ولا شك هزات لافتة على مستوى التعبير، وعملت على تناسل أسئلة متشابكة تخص الوضع الإعتباري للأدب والعلائق بين الكاتب والمتلقي، وإشكالية تبرير النص الأدبي وسط مجتمع تخترقه انعكاسات سلبية للعولمة الثقافية الربحية وطغيان الإستهلاك على التذوق والتمثل وبلورة الدلالة والمعنى