يستخدم الأطباء المغاربة، الأشعة النووية لأغراض سلمية مدنية، في أربعة مراكز للأنكولوجيا تابعة للقطاع العام، في مدن الرباط والدار البيضاء
ووجدة وأكادير، إلى جانب أربعة مراكز أخرى تابعة للقطاع الخاص، اثنان منهما في مدينة الدار البيضاء، والآخرون في الرباط
ويجري العمل بالأشعة النووية في المغرب منذ سنوات عديدة، تستوردها وزارة الصحة من مصانع معروفة في العالم بتوفرها على مفاعلات نووية، التي تفحص في مختبرات علمية خاصة للتأكد من سلامة فصلها ونقاوتها، وخلوها من أي شوائب نووية أو ميكروبية ضارة لجسم الإنسان، لأجل توظيفها في مجال الطب النووي، في الكشف عن العديد من الأمراض الباطنية والسرطانية وعلاجها
وأفاد البروفيسور إبراهيم الخليل الكداري، رئيس مركز الأنكولوجيا في الرباط، في حوار مع "المغربية"، أن مدة العلاج بالأشعة النووية يتراوح ما بين 3 و5 أيام، تأخذ على شكل حصص تستغرق كل واحدة منها ما بين 10 و20 دقيقة، ويختلف الأمر حسب نوع المرض ودرجة تقدمه، وعوامل أخرى يحددها الطبيب المتخصص
وتتراوح التكلفة المادية للفحص أو العلاج بالأشعة النووية، ما بين 5 آلاف و10 آلاف درهم لمجموع الحصص المحددة مسبقا من قبل الطبيب، وهو ما اعتبره الكداري، بالتكلفة المناسبة لقيمة النتائج التي يتوصل إليها الطبيب في فحص وعلاج الأمراض، لفائدة المرضى
وأشار الكداري إلى أن المختبرات النووية التابعة لمراكز الأنكولوجيا، تطرح كميات ضئيلة من النفايات النووية في السنة، تتكلف بجمعها، الجهات نفسها التي زودت مراكز الأنكولوجيا بتلك المواد، وذلك وفق شروط محددة يتضمنها عقد يجمع الطرفين
وأضاف الكداري، أن المركز الوطني للدراسات النووية، يتولى أيضا عملية تدبير النفايات النووية، ويتكلف بمهمة طمرها في منطقة المعمورة، لفائدة الجهات التي زودها بالأشعة النووية، وذلك بمقابل مالي يحدد سلفا بموجب عقد
وفي الحوار التالي، يقدم إبراهيم الكداري، توضيحات حول مجالات استعمال الأشعة النووية، وأهميتها في فحص وعلاج العديد من الأمراض، في محاولة لتصحيح بعض الأفكار الخاطئة التي تروج بين بعض الأفراد، الذين يتبادر إلى ذهنهم عند سماع كلمة المواد النووية، أنها تستخدم حصريا في المعدات الحربية ذات المضار الخطيرة على الجسم البشري
ويعتبر المركز الوطني للدراسات النووية، المصدر الثاني للحصول على الأشعة النووية في المغرب، إذ يعمل على جلب كميات منها من الخارج، ويعرضها للبيع للجهات الطبية التي ترغب في استعمالها في مجال الطب النووي
٭ ما هو تعريفكم للطب النووي بشكل عام؟
ـ يعتبرالطب النووي من أحدث التطورات وتطبيقات التكنولوجيا في المجال الطبي، له دور كبير في تطور العناية بصحة المرضى في هذا العصر، إذ يعتبر الفرع الطبي الذي تستخدم فيه النظائر المشعة لتشخيص وعلاج العديد من الأمراض
وسمي بالطب النووي نسبة إلى نواة الدرة، التي تعتبر مصدر الإشعاع المنبعث من هذه المواد، علما أن النواة تحتوي على البروتونات والنيترونات، وتحاط بالالكترونات التي تدور حولها
ومن المعروف، أن الإلكترونات تحتوي على شحنة سالبة، وأن البروتونات تحتوي على شحنة موجبة، أما النيترونات فهي متعادلة
وتكمن أهمية الأشعة النووية في المجال الطبي، في قدرتها الكبيرة على اكتشاف الاختلالات الوظيفية، في أي عضو من أعضاء جسم الإنسان، باللجوء إلى إحداث تغيرات كيميائية معينة به بمناسبة فحصه، مما يساعد على تشخيص المرض في مراحله المبكرة
ولا ينحصر دور الطب النووي عند التشخيص، بل له دور مهم في علاج العديد من الأمراض، وذلك بإعطاء المريض مادة مشعة خاصة تختلف عن تلك التي تستخدم في التشخيص
وتركز المادة المشعة في أماكن المرض، للتمكن من القضاء عليه أوالحد من سيطرته على العضو المصاب، دون إحداث أي آثار جانبية ضارة على الجسم
٭ ما هي الحالات التي يلجأ فيها الطبيب إلى استخدام الأشعة النووية للكشف عن بعض الأمراض؟
ـ ينقسم الطب النووي إلى قسمين، الأول خاص بالفحص والثاني بالعلاج
فبالنسبة إلى القسم الأول تستخدم المواد المشعة مثلا في تقدير نسبة الهرمونات وبعض المواد الأخرى في الدم، كما تستخدم في حالات المسح الإشعاعي لأعضاء كثيرة في جسم الإنسان
في حين تستخدم النظائرالمشعة في تقدير كمية بعض المواد والأدوية والهرمونات في الدم، وذلك بإضافة مواد مشعة مرشدة، خاصة بكل نوع من الفحوصات، وبحسب الحالة المرضية للشخص
ومثال ذلك، حين يرغب الطبيب في تقدير نسبة هرمون »الثيروكسين« الذي تفرزه الغدة الدرقية، إذ يستعمل اليود، ويضعه الطبيب في جهاز العد الذي عن طريق الحاسب الآلي المتصل به، تجري قراءة نسبة وجود المادة في الدم، وبطريقة حسابية وبيانية، يتوصل إلى تقدير كمية هذه المادة في الدم
ومن أمثلة الهرمونات التي تقدر نسبتها في الدم باستخدام النظائر المشعة، نجد هرمونات الغدة النخامية، والهرمون المنشط للغدة الدرقية، المعروف بـ »الثيروكسين«، والهرمونات المنشطة للمبيض عند الأنثى، والهرمون المنشط للخصية عند الذكر، وهرمون الغدة التناسلية الذكرية »التيستوستيرون«، وهرمون الغدة التناسلية الأنثوية »الأستروجين والبروجيستيرون«، إلى جانب قياس هرمون غدة البنكرياس، أو ما يطلق عليه بـ الأنسولين
ومن المواد الأخرى، التي تقدر كميتها في الدم بواسطة المواد المشعة، تلك التي تستخدم في أمراض القلب
وتجري مختلف هذه التحاليل، في مختبر خاص، يسمى بالمختبر النووي
وتوظف المواد المشعة أيضا، في حالات المسح الإشعاعي لأعضاء الجسم، وهو الاستعمال الأكثر شيوعا في مجال الطب النووي، إذ يلجأ الطبيب إلى هذه الطريقة لتصوير العضو المراد فحصه
ويشترط لنجاح هذه العملية، إعطاء المريض المادة المشعة الخاصة لفحص العضو، عن طريق الفم أو الحقن الوريدي
ويختلف كل عضو عن الآخر، في نوع المادة المشعة المستخدمة أو المادة الكيميائية التي تضاف إلى المادة المشعة قبل إعطائها للمريض
فمثلا، عندما يراد فحص هرمون الغدة الدرقية، يعطى للمريض مادة اليود، لأن الغدة تلتقط هذه المادة بشكل كبير جدا، لأنها معروفة بشراهتها لها، ويساعد ذلك في قياس نشاط الغدة، وحجمها، واكتشاف حالات تضخمها أو تسرطنها
والطريقة ذاتها، تطبق عند الرغبة في مسح عضو الكبد أو الطحال، أو المخ والرئتين، أو العظام والنخاع الشوكي، أو الجهاز العصبي والدورة الدموية، وذلك من خلال إعطاء كل عضو المادة المشعة التي تناسبه
على العموم، تستخدم المواد المشعة في حالات كثيرة، وتأتي بنتائج إيجابية، خاصة عند استخدامها في علاج بعض الأورام الخبيثة وعلاج تسمم الغدة الدرقية، والثدي والحنجرة، وسرطان اللثة، وسرطان عنق الرحم
٭ ما هي أغلب الحالات التي تلجأون فيها إلى استخدام الأشعة النووية في مركز أنكولوجيا الرباط؟
ـ نلجأ بالدرجة الأولى إلى استخدام الأشعة النووية، عند النساء المصابات بعنق الرحم، والمصابات منهن بسرطان الثدي بالدرجة الثانية، ذلك لأن هذا النوع من الطب الإشعاعي الداخلي، يمكن من قتل الخلايا السرطانية مباشرة
وترتفع نسبة نجاعة هذه الأشعة كلما تيسر الوصول إلى الأورام، أو على الأقل البلوغ إلى محيطها، كما هو الأمر بالنسبة إلى سرطان عنق الرحم والثدي، واللثة والفم، وأورام الجلد المسرطنة، وفي حالة سرطان البروستات عند الرجال
وأشير إلى أنه يمكن المزج في العلاج من السرطانات، بين العلاج الكيميائي والإشعاعي
فسنويا يفد إلى مركز أنكولوجيا الرباط، 5 آلاف حالة جديدة مصابة بداء السرطان، 41 في المائة منها رجال، و59 من النساء جزء مصاب منهن بسرطان الرحم، والجزء الآخر بسرطان الثدي، لكن 17 في المائة من اللواتي تخضعن للعلاج بالأشعة النووية مصابات بسرطان عنق الرحم، بينما 14 في المائة يخضعن للعلاج نفسه بسبب إصابتهن بسرطان الثدي
أما الرجال، فيخضعون للعلاج باستخدام الأشعة النووية بسبب إصابتهم بسرطان البروستات في أغلب الحالات
٭ ألا توجد أي تخوفات على فريق العمل الطبي والمرضى أنفسهم من مضاعفات التعرض للأشعة النووية؟
ـ لا، لا توجد هناك أي تخوفات من هذا القبيل، لأن الأطباء الأخصائيين في العلاج بالأشعة، لديهم خبرة في المجال، ومدربون على تحديد الكميات اللازمة من المواد المشعة وبكيفية التعامل معها، إذ يتخذون جميع السبل الاحترازية والوقائية التي تحول دون تعرضهم للأشعة المستخدمة في الطب النووي
وللتوضيح، فإن الطبيب المتخصص، يهيئ مسبقا غرفة العلاج بالإشعاع النووي، وبعد تتبع مختلف الخطوات الطبية الأولى، وبلوغ مرحلة إطلاق الأشعة النووية في جسم المصاب، فإن المريض يكون في غرفة خاصة لمفرده، يتلقى علاجه إلى حين انتهاء المدة المحددة لتلك الحصة
ومع ذلك أؤكد أن العلاج بمثل هذه المواد، هو في بالغ الدقة، ومفعوله محلي، لا يمس إلا العضو المريض، أو المرغوب في فحصه أو الكشف عنه، وفي حالة ما إذا بلغت الأشعة الأعضاء الأخرى، فإنها لا تأخذ إلا القليل منها، وبالتالي لا تخوف من حدوث أي مضاعفات صحية بسببها
٭ هل يتوفر مركز أنكولوجيا الرباط على كل الأجهزة والتقنيات الحديثة الخاصة بالكشف عن الأمراض وعلاجها؟
ـ بالنسبة إلى مركز الأنكولوجيا، نتوفر على التجهيزات الطبية الخاصة بعلاج الأمراض السرطانية للحالات التي تفد علينا، إذ توجد هناك آلات ذات قوة منخفضة وأخرى أكثر قوة، وأجهزة أخرى، وفي عملية الفحص والكشف نوظف التجهيزات الطبية العادية، مثل جهاز الفحص بالصدى والسكانير
في حين يجري الكشف عن الأمراض باستخدام الأشعة النووية في مختبرات مصلحة الطب النووي التابعة للمستشفى الجامعي ابن سينا، حيث توجد أجهزة كاميرا، متخصصة في الكشف عن الأمراض بشكل عام
٭ هل نتوفر في المغرب على أطر طبية متخصصة في استخدام الأشعة النووية؟
ـ نعم، يوجد في المغرب 100 طبيب متخصص في العلاج الإشعاعي، ومن ضمنها الأشعة النووية، يتوفرون على خبرة في المجال، سواء في الفحص أو علاج الأمراض
وعددهم في مركز أنكولوجيا الرباط كاف بالنسبة إلى عدد المرضى، الذين يتلقون علاجا إشعاعيا نوويا
٭ من أين تحصلون على المواد المشعة النووية، وكيف تتخلصون من النفايات التي يخلفها توظيفها في الطب؟
ـ تتكلف وزارة الصحة بموضوع جلبها من الخارج، من الجهات المعروفة ببيعها لهذه المواد لأجل استخدامها في الطب النووي، أو يجري شراؤها مباشرة من طرف المركز الوطني للدراسات النووية في المغرب، الذي يتوفر على صلاحية جلبها من الخارج وطرحها للبيع محليا
أما في ما يتعلق بنفايات هذه المواد، فيتكلف بتدبيرها وجمعها المركز الوطني للدراسات النووية، باعتباره المزود للمستشفيات لهذه المادة، إذ يتكلف بطمرها وفق ما جاء في عقد يجمع الطرفين، مقابل أداء مادي
وأشير إلى أن مركز أنكولوجيا الرباط، يطرح نسبا قليلة من النفايات النووية المستخدمة في العلاجات السرطانية في السنة، نظرا للكميات القليلة التي يجري استعمالها