قال خبراء إن الحكومات الاوروبية يمكنها الاستفادة من التجربة الثرية الخاصة بأزمات غذاء سابقة في الوقت الذي تحاول فيه مواجهة انفلونزا الطيور ولكن الخطر الذي يمثله الفيروس (اتش5 ان1) ما زال يصعب التعامل معه.
من جنون البقر الى الحمى القلاعية وحمى الخنازير وتلوث علف ماشية بالديوكسين واجهت أوروبا أزمات غذاء الواحدة تلو الاخرى خلال السنوات العشرين الماضية مما كلفها مليارات الدولارات وفقدان مئات الالاف من فرص العمل.
وأكثر ما تخشاه أوروبا بالنسبة لفيروس (اتش5 ان1) هو احتمال تحور هذا الفيروس ليصبح انتقاله سهلا من انسان لاخر مما يعني ظهور وباء انفلونزا عالمي يسبب وفاة الملايين
ويجعل هذا الامر ضرورة السيطرة على المرض أمرا حتميا في أسرع وقت ممكن على خلاف كل الامراض الاخرى.وتسبب الفيروس في وفاة أكثر من 90 شخصا في كل انحاء العالم.
وقال جان جلافاني وزير الزراعة الفرنسي خلال أزمة جنون البقر الثانية في البلاد في نهاية التسعينات ان الحكومات تحاول مرة أخرى تحقيق التوازن بين السلامة العامة والواقع التجاري.
وصرح للاذاعة الفرنسية قائلا "هناك أوجه شبه لانه يتعين التعامل مع المشكلة الصحية وهي خطيرة وصعبة، وعلى الدولة اتخاذ عدد من اجراءات الحماية".ومضى يقول "وثانيا هناك اجراءات اقتصادية.
يتعلق الامر الان بقطاع الدواجن ولكن قبل عدة سنوات كان متعلقا بقطاع الماشية الذي تضرر من وجهة النظر الاقتصادية"
وزار ساسة فرنسيون وبينهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك معرضا زراعيا أقيم في باريس هذا الشهر وكانوا جميعا يريدون اثبات وجهة نظر ما عندما اكلوا دجاجا أمام الكاميرات في محاولة لرفع المبيعات وطمأنة المستهلكين.
وفي الايام الاولى من أزمة جنون البقر في عام 1990 دعا جون جامر وزير الزراعة البريطاني في ذلك الوقت الكاميرات لتصويره هو وابنته الصغيرة وهما يأكلان الهامبرغر البقري.
وليس هناك دليل على أن الدجاج المطهو يمثل أي مشكلة صحية وتحدث شيراك عن "ذعر غير مبرر" في فرنسا في الوقت الذي انخفضت فيه مبيعات الطيور الداجنة بما يصل الى30 في المائة.
وقال المحلل نان ديرك مالدر من رابو بنك في هولندا "كون ان انفلونزا الطيور موجودة في الطيور البرية يجعل الناس خائفين بالرغم من أن الخطر أقل من مرض جنون البقر"
ويقول خبراء ان العلاقة بين المستهلك والسلطات ضرورية لمسألة كيفية التعامل مع أي خطر بعينه.
وسرعان ما تدهورت الازمة المتعلقة بتلوث علف الماشية بالديوكسين في بلجيكا عام 1999 وسط اتهامات بعدم وجود رقابة كافية على هذا القطاع.وتعين على كل الاسواق الكبيرة ان تتخلص من أي منتجات لحوم مع انتشار الذعر بين الناس قال جلافاني "هناك معركة متعلقة بالاتصال.
في الوقت الذي يتعين علينا فيه جعل المواطنين يفهمون أن هناك خطرا يتعين التعامل معه بجدية فلابد من السيطرة أيضا على هذه المعلومة حتى لا تتحول الى خوف مرضي أو ذعر" .
ومن الدروس الرئيسية التي استفادتها الحكومات الأوروبية من جنون البقر ضرورة حياد النصائح التي تصدر عنها في مجال سلامة الغذاء.
ونتيجة لذلك شكلت الدول الأوروبية هيئات وطنية لسلامة الأغذية مستقلة عن وزارات الزراعة بتلك الدول.
وليس هناك شك في الضرر الاقتصادي الذي يمكن أن تسببه الازمات المتعلقة بسلامة الغذاء ونفس الشيء ينطبق على الخوف من انفلونزا الطيور .
ورفع الاربعاء فقط حظر على استيراد اللحوم البقرية البريطانية بشكل كامل بعد عشر سنوات من فرضه بسبب جنون البقر .
وأعدمت بريطانيا 3,7 مليون رأس من الماشية وأنفقت أكثر من ستة مليارات دولار هذا فضلا عن فقدان فرص العمل بسبب هذه الازمة. وفي اوائل عام2001 تضررت البلاد من أزمة الحمى القلاعية التي تحولت الى واحد من أكبر الأمراض انتشارا في العالم بين الماشية وبلغ اجمالي الخسائر أكثر من 12 مليار دولار.وأضر تفشي المرض بشدة بريف بريطانيا بعد ذبح 6,5 مليون رأس واحراقها.
كما أعدمت هولندا نحو10 ملايين خنزير أي ثلثي العدد الاجمالي فيها عام 1997 لمحاربة حمى الخنازير.
وفي عام 2003 منيت البلاد أيضا بنوع بسيط من انفلونزا الطيور مما أدى الى التخلص من 30 مليون دجاجة وقيل ان التكلفة المباشرة بلغت نحو 270 مليون يورو وقدر دويتشه بنك أن انفلونزا الطيور حتى ان ظلت محصورة بين الطيور الداجنة يمكن أن تؤدي لانخفاض نمو اجمالي الناتج المحلي بما بين0,25 و0,50 في المائة.
وليس من السهل اللجوء الى أسلوب تقييد الحركة الذي استخدم للقضاء على أمراض سابقة في محاربة انفلونزا الطيور نظرا لانتشار المرض بين الطيور البرية التي لا يمكن السيطرة عليها مثل حيوانات المزارع.
ووصف ايلاريا كابوا وهو من أكبر خبراء انفلونزا الطيور في أوروبا الوضع مؤخرا بأنه يشبه "الحياة تحت نيران البنادق الآلية" نظرا لان الحالات التي سببتها الطيور المهاجرة ظهرت فجأة في كل أنحاء القارة.
وفي حين ان أمراضا أخرى تمت السيطرة عليها بسرعة نسبيا يقول الخبراء ان على أوروبا التعايش مع انفلونزا الطيور لسنوات.