وفاء لا ينسى.. السفير التركي يجدد العهد لشهيد المغرب في تركيا بزيارة أسرته وقبره بطنجة

حكاية جواد مرون.. المغربي الذي ارتقى شهيدا دفاعا عن الديمقراطية وأصبح رمزا للأخوة بين المغرب وتركيا

الصحراء المغربية
الجمعة 17 يوليوز 2026 - 12:28

بينما تحيي تركيا الذكرى العاشرة ليوم الديمقراطية والوحدة الوطنية، مستحضرة واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخها الحديث، لم يغب اسم المغربي جواد مرون عن مراسم الوفاء والذاكرة. فهذا الشاب القادم من طنجة، الذي ارتقى شهيدا وهو يدافع عن الديمقراطية، ليلة 15 يوليوز 2016، ما يزال يحظى بمكانة خاصة في وجدان الأتراك. وفي رسالة امتنان متجددة، زار سفير تركيا لدى المغرب، مصطفى إلكر قليج، أسرة الراحل بمدينة طنجة، قبل أن يتوجه رفقة أفراد عائلته إلى قبره، مجددا باسم الدولة والشعب التركيين العرفان لتضحية الرجل الذي تحول إلى رمز خالد للأخوة المغربية التركية، ودليل حي على أن الدفاع عن القيم المشتركة يتجاوز الحدود والجنسيات.

بمناسبة الذكرى العاشرة لـ"يوم الديمقراطية والوحدة الوطنية في 15 يوليوز"، نظمت دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية برنامجا إعلاميا واسع النطاق في الفترة من 15 إلى 17 يوليوز 2026. وتأتي هذه المبادرة، التي جمعت 41 صحافيا دوليا من 21 دولة، لتؤكد حرص أنقرة على إبقاء ذكرى تلك الليلة المأساوية حية في النفوس، وهي الليلة التي فقد فيها 253 شخصا، من بينهم المواطن المغربي جواد مرون، حياتهم دفاعا عن الديمقراطية في مواجهة تنظيم "فيتو" (منظمة فتح الله غولن الإرهابية).

حكاية البطل المغربي جواد مرون: دم يروي شجرة الديمقراطية والأخوة في تركيا

في عام 2008، خطت قدما الشاب المغربي جواد مرون أرض تركيا لأول مرة، في زيارة لم تكن مجرد عطلة عابرة، بل كانت بداية لفصل جديد غير مجرى حياته بالكامل. وبحلول عام 2010، اتخذ مرون قراره بالاستقرار النهائي في مدينة إسطنبول. هناك، لم يبن مسيرة مهنية فحسب، بل أسس حياة متكاملة، فتزوج من امرأة مغربية، ونسج شبكة واسعة من الصداقات، ورسم ملامح مستقبله بشغف كبير.
ولم يقتصر اندماجه على تفاصيل الحياة اليومية، بل امتد ليعبر عن شغفه الرياضي، فبينما كان يشجع فريق "اتحاد طنجة" في موطنه المغرب، بدأ يعشق ويشجع نادي "غلطة سراي" العريق في تركيا. عمل جواد مرشدا سياحيا محترفا، مستثمرا إتقانه لغات أجنبية متعددة، وشخصيته المرحة التي تجمع بين الثقافات المختلفة، ليعرف زوار البلاد بمعالمها التاريخية والحضارية.

ليلة الامتحان الصعب: نداء الديمقراطية

في ليلة 15 يوليوز 2016، واجهت تركيا "محاولة انقلابية" قادتها عناصر من منظمة "فتح الله" الإرهابية، استهدفت النظام الديمقراطي والسيادة الوطنية. وفي تلك اللحظة المفصلية، لبى ملايين المواطنين الأتراك العزل دعوة رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان للنزول إلى الميادين والدفاع عن بلدهم، متصدين بشجاعة ودون سلاح للدبابات والأسلحة الثقيلة.
لم يقف جواد مرون موقف المتفرج، فبدافع الوفاء للأرض التي احتضنته، خرج إلى الشوارع دون تردد، برفقة صديقه التركي. وقف هذا الشاب المغربي بشجاعة وثبات إلى جانب المواطنين العزل في إسطنبول، يدافع عن النظام الديمقراطي للبلد الذي عاش فيه سنوات طويلة، وبنى فيه حياته وأودع فيه مستقبله.

الشهادة والرحيل المبكر

دفع جواد مرون حياته ثمنا لمبادئه، حيث استشهد في محيط مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT) في منطقة "حربية" بإسطنبول، إثر إطلاق النار من قبل الانقلابيين. وبذلك، سطر التاريخ اسمه باعتباره المواطن الأجنبي الوحيد، الذي استشهد في تلك الليلة التاريخية. رحل مرون عن عمر ناهز 32 عاما، تاركا خلفه إرثا من البطولة، حيث غادر الدنيا قبل أن تقع عيناه على طفله الذي لم يكن قد ولد بعد، كما أنه ترك القيم التي ضحى بحياته من أجلها أمانة للأجيال القادمة.
ونقل "البطل المغربي لتركيا" ليوارى الثرى في مسقط رأسه بمدينة طنجة، ليصبح قبره رمزا للوفاء المتبادل والذاكرة المشتركة والأخوة بين الشعبين.

الوفاء التركي والذكرى العاشرة

لم تنس تركيا تضحية البطل المغربي، والتي قوبلت باحترام وامتنان عميقين، حيث منح وعائلته الجنسية التركية لتمكينهم من الاستفادة من كامل الحقوق الممنوحة لذوي الشهداء.
وفي الذكرى العاشرة لوفاته، زار سفير تركيا لدى الرباط، مصطفى إلكر قليج، برفقة الملحق العسكري دفرم أورال، يوم الثلاثاء، منزل عائلة مرون في طنجة، حيث التقى، حسب بلاغ للسفارة، أفراد أسرته، ثم زار السفير برفقة أفراد العائلة، قبره في طنجة، مجددا امتنان جمهورية تركايا والشعب التركي وشكرهما ووفائهما. 

رمزية خالدة لعلاقات ممتدة

أكد السفير التركي مصطفى إلكر قليج، في تصريح له بالمناسبة، أن جواد مرون أضحى رمزا حيا لعلاقات الصداقة والأخوة بين تركيا والمغرب، إذ تمثل التضحية التي قدمها مثالا خالدا على الالتزام بالقيم المشتركة والديمقراطية وكرامة الإنسان، بما يتجاوز حدود الجنسيات. 
كما شدد السفير على "ضمان أن يظل اسم جواد مرون وبطولته يستذكران دائما بكل احترام من قبل الأجيال القادمة، بوصفهما أحد أبلغ رموز الأخوة بين البلدين، هو واجبنا تجاه أعظم تضحية قدمها". 
وبهذه المناسبة، جدد السفير التركي شكره للمملكة المغربية على ما قدمته من دعم وتضامن وثيقين مع تركيا إبان المحاولة الانقلابية في 15 يوليوز وما بعدها.
وتؤكد السفارة التركية أن قصة جواد مرون تعد مثالا قويا على أن الالتزام بالقيم المشتركة يتجاوز حدود الجنسيات. فقد أصبح مرون، الذي ضحى بحياته من أجل الديمقراطية، الشهيد المغربي لـ15 يوليوز، وأحد الرموز الدائمة للأخوة بين الشعبين التركي والمغربي.

وفد إعلامي دولي يواكب ذكرى 15 يوليوز

بمناسبة الذكرى العاشرة لـ"يوم الديمقراطية والوحدة الوطنية في 15 يوليوز"، استضافت دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية 41 صحافيا دوليا من 21 دولة، شملت الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، وجمهورية كوريا، وإثيوبيا، وبولندا، وجنوب إفريقيا، وكازاخستان، وقطر، ونيجيريا، والجبل الأسود، وأوزبكستان، وموزمبيق، والسنغال، وتنزانيا، وجمهورية شمال قبرص التركية، والمغرب ممثلا في كل من الزميلة نبيلة بكاس من صحيفة "لوماتان"، وفؤاد اليماني من صحيفة "الصحراء المغربية"، وذلك في إطار "البرنامج الإعلامي الدولي لـ 15 يوليوز" الذي أقيم في أنقرة وإسطنبول.
ويهدف البرنامج، الذي جرى عقده في الفترة من 15 إلى 17 يوليوز، إلى إتاحة الفرصة للصحافيين الدوليين للاطلاع عن كثب على الأحداث المحيطة بمحاولة الانقلاب في 15 يوليوز 2016، واكتساب فهم أعمق لكفاح تركيا في الدفاع عن ديمقراطيتها، وتلقي إحاطات شاملة حول حرب البلاد ضد تنظيم "FETO".

اقتحام مبنى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT)

في إطار برنامج أنقرة، زار الصحافيون المشاركون أولا مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT)، حيث تم إطلاعهم على الأحداث التي شهدها مقر المؤسسة أثناء محاولة الانقلاب. 
وقال أحمد غورماز، نائب المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT)، والمسؤول عن البث الدولي، بما يشمل: قناة TRT العالمية، وقنوات TRT العربية التلفزيونية، إن "الأماكن الأولى التي استهدف الانقلابيون السيطرة عليها وتوجيهها لخدمة مخططهم هي مباني شبكة التلفزيون الرسمي التركي (TRT) في أنقرة وإسطنبول".
وأضاف متحدثا أمام الوفد الصحفي: "لقد اقتحموا المبنى بقوة السلاح، وأجبروا الزميلة المذيعة تحت تهديد السلاح على قراءة "بيان الانقلاب"، الذي صاغوه بأنفسهم لإيهام الشعب بنجاح حركتهم والسيطرة على مقاليد الحكم. وستتوجهون بعد هذه الكلمة لزيارة الأستوديو الذي شهد تلك الأحداث الأليمة، وأطلقنا عليه اسم "استوديو 15 يوليوز"، تخليدا لذكرى تلك الليلة التاريخية، وسترون كيف حاول الانقلابيون السيطرة على هذا المنبر الإعلامي، وتهديد الموظفين والمحررين بالقتل رميا بالرصاص لكل من يحاول المقاومة أو يرفض الانصياع لأوامرهم".
وبينما شرعت إدارة القناة في عرض مقاطع فيديو توثق للحدث، علق شارحا: "أعلم أن بيننا اليوم حضورا يمثلون قنوات تلفزيونية وصحفية مختلفة، وإدراكا مني لأهمية حصولكم على المواد المصورة وتغطية الحدث لجمهوركم، فبإمكان الجميع التنسيق والتواصل المباشر مع الزميل يعقوب. وسنقوم بمشاركة هذا المقطع المصور وتزويدكم به عبره لتسهيل مهامكم الإعلامية".
وختم حديثه بالقول: "عندما نتذكر تاريخ 15 يوليوز، فإننا نشعر بمزيج من الغضب العارم تجاه تلك الخيانة الدنيئة، وبمزيج من الفخر والاعتزاز الممتزج بالدموع، لأن الشعب التركي العظيم استطاع كتابة ملحمة بطولية بدمائه الزكية لحماية مستقبله. إن هؤلاء الأبطال الذين واجهوا الدبابات والمروحيات بصدور عارية لم يكونوا جنودا مدربين، بل كانوا مواطنين عاديين وبسطاء من عامة الشعب. لقد خرجوا جميعا حاملين فقط الأعلام التركية في أيديهم".

"متحف ديمقراطية 15 يوليوز" في المجمع الرئاسي

زار الوفد الإعلامي الدولي متحف 15 يوليوز للديمقراطية بالمجمع الرئاسي في أنقرة، حيث اطلع على مختلف المحطات التي توثق لمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 وللمقاومة الشعبية التي واجهتها. وخلال الزيارة، قدم مدير المتحف، علي حيدر أتالار، شروحات حول فلسفة المتحف ورسالته في صون الذاكرة الوطنية، ونقل أحداث تلك الليلة إلى الأجيال القادمة.
وقال علي حيدر أتالار إنه "في أعقاب محاولة الانقلاب الغادرة التي شهدتها البلاد في 15 يوليوز 2016، افتتح هذا المتحف لخدمة أبناء شعبنا الأبي في عام 2021، وذلك بتوجيهات ورعاية كريمة من فخامة رئيس جمهوريتنا".
وبحسب التوضحيات التي قدمها، "يسرد هذا المتحف في جنباته، من جهة، الملاحم البطولية للشعب التركي الذي واجه الانقلاب بالصمود والمقاومة، ومن جهة أخرى، يبرز المحاولة الآثمة التي استهدفت الإرادة الشعبية والديمقراطية".
كما أضاف: "إذا ما نظرنا إلى التاريخ الديمقراطي التركي، نجد أنه جرى استهداف هذا الشعب الأبي بمحاولات تفرقة وزرع للشقاق عدة مرات. لكن ما يميز هذه المحاولة الانقلابية عما سبقها هو أننا في هذه المحاولة شهدنا تجسيدا لانتصار تاريخي عظيم، تجلى في وقوف قائد يؤمن بشعبه، وشعب يلتف واثقا خلف قائده، حيث صمدا معا يدا بيد ليحولا ظلمات تلك الليلة إلى فجر مشرق جديد، بفضل بسالة هذا الشعب الأبي".
كما حضر ممثلو وسائل الإعلام الدولية "برنامج إحياء الذكرى العاشرة ليوم الديمقراطية والوحدة الوطنية في 15 يوليوز"، حيث شهدوا مباشرة الفعاليات التذكارية والاحتفالات التي ترأسها رجب طيب أردوغان.




تابعونا على فيسبوك