شاع في حينه، أن شعبية عمرو موسى بين المصريين هي التي جرت عليه، وبال الانتقال من رئاسة الدبلوماسية المصرية إلى الأمانة العامة للجامعة العربية، ولو أن القاعدة المدعاة في تاريخ الجامعة العتيدة تجعل المنصب من نصيب وزراء خارجية مصر، مع استثناء يتيم في حالة الت
وكانت مجموعة إصلاحية مصرية قد وجهت إلى موسى التماسا ليرشح نفسه في الاستفتاء على رئاسة الجمهورية فبدا كمنافس محتمل لـ "الريس"، ومن ثم جاء "الإبعاد" عام 2001 إلى الأمانة العامة للجامعة العربية.
بحنكة الدبلوماسي والسياسي، مقرونة بلباقة المصريين، يعترف عمرو موسى أنه لا يملك عصا موسى في ترميم سقف وجدران "البيت العربي"، وهي الجامعة كما سماها سلفه على رأسها ومواطنه عصمت عبد المجيد.
لم يتردد في كشف آلامه إزاء أمراض العرب خلال حوار صحفي العام الماضي مشتكيا "إننى محبط مثل أي فرد، لكنني محبط أكثر لأنني أرى أكثر وأطلع أكثر
محبط جدا ولست مطمئنا على مستقبل العالم العربي لأن اللعبة أصبحت كبيرة"
ومن باب الاحتجاج على الواقع العربي، وإشفاقا على ميزانية ضئيلة أصلا، أضرب لعدة أشهر عن تسلم راتبه.
غضب موسى، السياسي القدير الذي تولى مسؤولية بيت العرب في أسوإ توقيت أو في التوقيت الخاطئ ، يمثل شهادة من أهلها عن الواقع والمستقبل العربي عشية قمة أخرى تعقد الشهر المقبل في الخرطوم، ليس ثابتا أنها ستخفف من حرقة موسى ولا أنها ستطفئ حرائق العراق ولبنان، أما الفلسطينيون فقد خبروا كل النوايا الطيبة للجامعة تجاههم، وهي التي اقترن تاريخ إنشائها، بفتوى من بريطانيا، بنكبتهم عام 1948وحتى مشروعه الطموح لإصلاح الهياكل المتقادمة للجامعة اضطر للإغلاق عليه في أدرج مكتبه في ظل خلافات جعلت مصطلح "الوحدة العربية" منبوذا من القاموس العربي.
حيثما يمم موسى وجهه وجد الصد من "الأشقاء"، ففي الخليج المتخوف من الطموح النووي لإيران أقلق الجميع مؤخرا بالحديث عن الترسانة النووية الإسرائيلية، وفي العراق، حيث الكلمة العليا لأميركا، لهث طويلا خلف سراب مؤتمر للمصالحة ما يزال بعيدا، وكذا في لبنان الذي شكل تاريخيا ساحة للحروب العربية بالوكالة.
ولد عمرو القاهري عام 1936، وبما أن كلية الحقوق كانت في الزمن الماضي تؤدي تلقائيا بخريجيها إلى سلك الدبلوماسية فقد وجد الطالب الشاب الطريق سالكا إلى وظيفة ملحق بوزارة الخارجية منذ عام 1958، ليبدأ مسار الترقي والانتقال إلى البعثات في الخارج، كان أبرزها محطة الأمم المتحدة عام 1972، ثم مدير إدارة الهيئات الدولية بوزارة الخارجية المصرية خلال فترتين بين 1977 و1990 ، ومندوب مناوب لمصر لدى الأمم المتحدة بنيويورك، قبل أن يصبح مندوبا دائما عام 1990 ، وقبلها كان سفيرا لدى الهند بين 1983 و 1986.
في عام 2001 أصبح عمرو موسى خامس وزير خارجية مصري على رأس جامعة الدول العربية، من أصل ستة أمناء عامين، هم عبد الرحمان عزام باشا، الذي شهد ميلاد الجامعة، وعبد الخالق حسونة ثم محمود رياض الذي عاصر العصر الذهبي للناصرية والمد القومي قبل هزيمة يونيو 1976 أمام إسرائيل التي خففت حرب أكتوبر 1973 بعض آثارها.
وعبدت في نفس الوقت طريق كامب دفيد الذي أخرج مصر من الجامعة ونقل مقرها إلى تونس خلال عشر سنوات مع الشاذلي القليبي، قبل أن يضطر العرب 1989 إلى استعادة مصر وإعادة الجامعة إلى مقرها في القاهرة، قريبا من مقر السفارة الإسرائيلية، في رحلة حلم بيت عربي فشلت عصى موسى، لحد الآن، في ترميمه.