باب الويب : سامي الناصري وفوضيل وجاد المالح، أسماء حاضرة في غياب السيناريو

السبت 25 فبراير 2006 - 12:34

اشتغلت السينما العالمية في كثير من الأعمال الدرامية على الانترنت وما حمله من تغيرات كبيرة على سلوكات الأفراد والجماعات كتيمة جديدة عصرنت من خلالها قصص الحب والجريمة وأعطتها ميسما متجددا ومواكبا للواقع المحلي والعالمي .

لكن السينما العربية بجناحيها المغاربي والمشرقي ظلت بعيدة عن مواكبة ذاك التوجه واستثمار ولع الشباب العربي بالانترنت ومنتديات الحوار المنفتحة على العالم، بكل ما يحمله ذلك من إمكانيات بناء قصص درامية تجمع بين الكوميديا والتراجيديا والحركة وغيرها من الأنواع السينمائية المتعارف عليها.

والغريب أن استعمال الشبكة العنكبوتية أصبح واحدا من "الرياضات" المفضلة لدى شريحة مهمة من ساكنة المجتمعات العربية دون أن يثير ذلك اهتمام أو فضول العاملين في قطاع السينما والتلفزيون، إلا في استثناءات كثيرة اتخذت الموضوع من وجهة نظر تحذيرية تعلقت في الغالب بتأثير الولوج إلى بعض المواقع الإباحية على تربية الناشئة في تجاهل تام للبحث عن تفسير الأسباب الكامنة وراء انجذاب الشباب إلى هذا الوافد الجديد.

"عندما أفتح جهاز الحاسوب، أحس وكأنني أستنشق هواء نقيا
وغير ذلك فأنا أختنق". هذه الجملة الواردة على لسان بوزيد (فوضيل)، الشخصية الرئيسية في فيلم (باب الويب)، تلخص ببلاغة لا يرقى الشك إليها الفلسفة العامة لشريط مرزاق علواش.

فبوزيد مدمن نهم على منتديات الدردشة التي تسمح له، كغيره من شباب الجزائر، بالسفر بعيدا عن مشاكل ومحبطات الواقع المعيش، ولو لساعات يحقق من خلالها لحظات متعة حقيقية من الحرية، متخطيا بخياله كل حدود التأشيرات المفروضة على دول الجنوب ومواطنيها، وبهوية وشخصية يستطيع بناء أدق تفاصيلها دون اعتبارات مادية أو معنوية أو جمالية محددة.

وهذا ما تحقق لبوزيد بشكل دفعه لتوزيع دعوات الاستضافة في الجزائر لكل فتاة لاقاها على الشبكة حتى تورط ذات مساء رتيب بقبول لورانس،المواطنة الفرنسية، لدعوته
هنا أصبح الحلم التخييلي أمرا واقعا وجب التعامل معه وفق حقائق ومعطيات الأرض المختلفة تماما عن أكاذيب المنتديات السيبرنيتيكية.

فمنزل أسرة بوزيد متواضع لا يسع وافدا جديدا يزاحمه ووالدته وأخته وأخيه الأكبر، وهو ما يتطلب البحث عن خطة تجعل بعضا من أفراد البيت يغادرونه ولو لأيام تكفيه لاستضافة الضيفة الفرنسية الحلم المحقق أخيرا.

ولأن الأخ ممتنع كليا عن المغادرة وجه بوزيد اهتمامه إلى الوالدة والأخت مضحيا بكل ما وفره من مال لتغطية مصاريف زيارة مبرمجة لبيت العائلة بالريف الجزائري، وبعدها انطلقت رحلة تهيئة فضاء البيت ليلائم متطلبات وعادات لورانس الحياتية بما يستدعيه ذلك من مصاريف لا قدرة للأخوين بتحملها.

لكن الحلول عند مرزاق علواش موجودة دوما رغم غرائبيتها، حيث أقحم في الأحداث شخصية الحاج ميلود، أحد أباطرة الأنشطة القذرة بالجزائر، الذي يقترح على كمال سامي الناصري أخ بوزيد، إشراك كبشه (الجابوني) في مباراة لصراع الخرفان دأب على تنظيمها وتزوير نتائجها للفوز بالرهانات.

وصلت لورانس إلى الجزائر واستقبلها الأخوان بترحاب كبير انطلقت معه بوادر علاقة غرامية بينها وبين كمال على حساب بوزيد في قصة فرعية غير مقنعة دراميا
وبوصولها بدأنا نكتشف بعضا من طبائع شخصيات الفيلم وتناقضاتها في إشارة واضحة لما يميز العلاقات الفرنسية الجزائرية من تجاذبات وأطماع تختلف باختلاف المنطلقات والأهداف.

فالجزائريون مثلا مغرمون بمشاهدة القنوات الفرنسية كهروب من واقع صعب إلى فضاء أحلام الهجرة والعيش بأوروبا، وتلك إشارة سبق لمرزاق علواش تناولها في شريطه "أهلا يا ابن العم" وكأن الشريطين جزءان لعمل واحد في حقيقة الأمر.

أما بوزيد وكمال فأكثر ما يعانيانه في صمت يبقى أزمة هوية بالأساس باعتبار اضطرارهما لمغادرة فرنسا والاستقرار بالجزائر نتيجة لرغبة مجنونة لدى والدهما أفرزت في النهاية شخصيتين مهزوزتين لم تتأقلما مع مجتمع جزائري لا يزال ينعتهما بـ "المهاجرين" وغير قادرتين على التواصل وجدانيا مع المجتمع الفرنسي الذي افتقدا، مع مرور الوقت، قيمه وأسسه المجتمعية باستثناء لغة فرنسية لا يستعملان غيرها في اختيار غير مفهوم لدى مخرج العمل.

إذ لا يمكن التحجج بالاستعانة بنجوم من طينة الناصري وفوضيل وعدم قدرتهما على التواصل بلغة أهل البلد لتفسير هذا المعطى .

تطورت الأحداث بتسارع بحثا عن نهاية مفبركة جعلت لورانس حاملة لسر بحثها عن والدها الجزائري الهارب من بيت الزوجية بفرنسا دون أدنى إقناع درامي بدوافع ذلك التصرف، خصوصا مع البناء المهترئ لشخصية الأب الذي أراده المخرج زعيما لمافيا جزائرية صورها الشريط كعصابة من الهواة لا ترقى أعمالهم حتى لصف الجرائم العادية.

وكان لابد، كأغلب أفلام مخرجينا المغتربين، أن يأتي الفرج من الخارج على يد لورانس التي تنقذ كمال من قبضة العصابة في الوقت الذي استسلم فيه الآخرون للأمر الواقع بكل انهزامية بعد أن رفض تنفيذ أوامرها صيانة لكرامة مهدرة وماض مجيد لكبش آثر الاحتفاظ به على التضحية به يوم العيد.

لقد حاول مرزاق علواش في باب الويب الاقتراب من شريحة الشباب الجزائري، لكنه افتقد في سعيه العمق المفروض في التناول ما جعل فيلمه يتخندق في إطار سينما مهاجرة تحاول تحليل واقع محلي لا تراه إلا من خلال أكليشيهات جاهزة لا تنفذ إلى الجوهر.

هكذا رأينا مجتمعا جزائريا لا يتكلم غير الفرنسية، مهتما بالمظاهر كما في حال الأخت التي تلبس غطاء رأس إرضاء للآخرين و لا تجد حرجا في الجمع بين حبيبين تلتقيهما كل على حدة في مقابر المسيحيين واليهود باعتبارها أكثر المناطق الهادئة في الجزائر
الهدف المعلن هو الإفصاح عن التعايش الديني الذي استعادته الجزائر بعد سنوات حرب داخلية أتت على الأخضر واليابس، لكن الطريقة كانت ساذجة لا تتلاءم وقوة الموضوع
كما أن النجاح الكبير الذي لقيه الشريط السابق لمرزاق علواش "شوشو" كانت له آثار واضحة على جنوح المخرج إلى العمل على قصة كوميدية بسيطة طمعا في نجاح مماثل حد الاستعانة بالممثل المغربي جاد المالح في مشهد أسقط بمظلة في أحداث الشريط لمجرد الإضحاك لا غير.

نفس المشهد عرف غناء فوضيل تحقيقا للتوابل الضرورية في فيلم اعتمد على جمع مشاهد مستقلة لا رابط بينها بدل البحث عن حبكة مقنعة ومشوقة
لكننا نسجل بالمقابل تفوق فوضيل في أداء دوره مقابل أداء باهت لسامي الناصري الذي أحسسناه غير مقتنع بما يقوم به أمام الكاميرا وراغب في إنهاء مشاهده كيفما اتفق
للمرة الثالثة عاد مرزاق علواش للتصوير بحي باب الواد.

كانت المرة الأولى سنة 1975 بشريط (عمر قتلاتو الرجلة) والثانية سنة 1993 مع (باب الواد سيتي) وفي كلتا المناسبتين كان اختياره للموضوع وكيفية المعالجة موفقا وحاملا للجديد.

غير أنه حضر مع (باب الويب) سائحا متفرجا باحثا عن الصورة الفلكلورية أكثر من بحثه عن نقل الواقع بأمانة رغم بعض التلميحات إلى الفيضانات الكبرى والزلزال اللذين عاشهما الحي، أو بقايا الفكر الأصولي التي لم تنمح بعد وغيرها من الخطابات التي بدت مباشرة وغير ذات موضوع.

باب الويب شريط ساذج وبسيط لكنه ممتع من الناحية البصرية و لا يحتاج لكثير علم وثقافة لفهم موضوع أحداثه وتتبع تواترها.





تابعونا على فيسبوك