رسوم كاريكاتورية

المواجهة بين الغرب والمسلمين

السبت 18 فبراير 2006 - 12:32
مظاهرات عمت البلاد الإسلامية من جاكارتا إلى نواكشوط ـ أ ف ب

تثير الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم المزيد من ردود الفعل داخل العالمين العربي والإسلامي.

وتتراوح هذه الردود بين مظاهرات صاخبة يقودها مواطنون، تنديدات تعلنها حكومات دول عربية وإسلامية بأشكال متفاوته من نظام لآخر .
وفي الجبهة الأخرى من الغرب تستمر الحملة الإعلامية ضد نبي المسلمين ورسولهم
فيما تختار الحكومات الغربية موقفا وسطا محاولة تهدئة المسلمين من جهة والدفاع عن حرية التعبير من جهة أخرى.

إلى حد الآن لم تتحدد الأطراف الخفية لهذه الحرب، ولم يظهر أي هدف موضوعي من نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم أكثر من الإساءة لهذا الرسول واستفزاز مليار ونصف مليار من أتباعه.

ولكن بطرح أسئلة باتت مهمة مثل : من المستفيد من نشر الرسوم المسيئة لرسول المسلمين؟ ألم تتخذ هذه العملية شكل حملة انطلقت من الدانمارك والنرويج وامتدت إلى فرنسا وألمانيا وعمت البلدان الأوروبية؟.
أليس من البديهي أن يتساءل المرء عن سبب إعلان الحكومات الأوروبية عجزها عن التدخل لوقف الحملة الإعلامية المسيئة لأحد الأنبياء والمخلة بقيم التسامح ومبادئ التعايش بين الأديان؟
فيما تقيم نفس تلك الحكومات الدنيا ولا تقعدها إذا تعلق الأمر بالمس باليهود أو التشكيك في المحرقة أو حتى محاولة النبش في ما يسمى بقدسية السامية؟ولماذا أيضا لم تنضم صحف أخرى في الولايات المتحدة الأميركية على غرار نظيراتها الأوروبية لهذه الحملة، واقتصرت المسألة على الميدان الإعلامي الأوروبي؟ الخرجة الإعلامية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم تخفي وراءها أهدافا سياسية واقتصادية وأمنية وكذلك ثقافية وفكرية.

وبالنظر إلى ما جرى حتى الآن من انعكاسات سواء داخل العالمين العربي والإسلامي أو في أوروبا والغرب، يلاحظ أن من نتائج هذه الخرجة إعادة رسم خارطة جديدة للمواجهة بين الغرب والمسلمين وجعل أوروبا في موقع متقدم على جبهة تلك المواجهة.

وبناء على ذلك أدى نشر هذه الرسوم والترويج لها إلى استدراج المسلمين بمئات الألاف إلى الشوارع وإعلانهم عن غضبهم واستعداد الآلاف منهم للتطوع للاستشهاد
وكأن اليد الخفية التي حركت يد رسام الكاريكاتور الذي أساء إلى النبي الكريم، كانت تقصد منذ البداية جر المسلمين وخاصة ما يطلق عليها الجماعات المتطرفة إلى حلبة في أقصى العالم الأوروبي وهي الدانمارك وبالتالي جر الدانمارك إلى وسط حلبة الصراع ضد ما يسمى بالإرهاب.

لكن هذه المرة ستعلن العمليات باسم الدفاع عن رسول المسلمين، وهي إشارة مهمة تريد اليد الخفية استغلالها لإعلان الحرب الدولية على الإرهاب، حربا دولية على الإسلام
من تكون هذه اليد الخفية، إذا لم نسلم بأن رسام الكاريكاتور رجل عادي ولم يكن يقصد الإساءة لأحد وإنما عبر عن رأيه فقط؟.
الواقع أن بقاء الولايات المتحدة الأميركية أو على الأقل الإعلام الأميركي إلى حد الآن خارج المواجهة الدائرة بين الشارع الإسلامي الغاضب والبلدان الأوروبية، يؤكد أن أميركا حصدت نصيبها من عداء الشعوب العربية والاسلامية لها بسبب مساندتها اللامشروطة لإسرائل وبسبب غزوها لأفغانستان والعراق وتهديداتها لإيران وسوريا.

وهي مسألة خطيرة جعلت واشنطن دائما في مقدمة الحرب المستمرة منذ عقود والمعلنة منذ 11 شتنبر 2001 .
وبحساب الاستراتيجيين ليس هناك من وسيلة مثلى لجعل أوروبا تحصد نصيبها من ذلك العداء وتقف مع أميركا على قدم المساواة في هذه الحرب.

أكثر من إقحام الأوروبيين في المعمعة ولكن هذه المرة من باب مواجهة الفكر الإسلامي وهي جبهة مهمة تحمل في طياتها أبعادا حضارية وثقافية وأكثر عمقا من الحرب الأمنية.
في هذا السياق رأينا كيف انطلق الزعماء الأوروبيون يدافعون عن حرية الرأي
ورغم اختلاف اللغات التي ينطقون بها، أجمعوا على مسألة واحدة وهي وقوفهم باستماتة ضد كل من يريد أن يسرق للأوروبيين حريتهم .

وكأن المسلمين جاؤوا بجيوش جرارة تقف على مشارف أوروبا ويريدون اقتحام أسوارها لمصادرة الجرائد التي أساءت لنبيهم صلى الله عليه وسلم .
لو تعلق الأمر بصدور كتاب أو مقال ضد السامية لكان الأمر مختلفا، وكانت خطابات الزعماء الأوروبيين تحفل بالدفاع عن حرية الأديان ومحاربة العنصرية ومكافحة العرقية.

بطريقة أو بأخرى ستتولى جماعات متطرفة عمليات تفجيرية في قلب أوروبا، وإن لم تقم بذلك، فإن الجهات الخفية التي تولت حرب الرسوم ستقوم بتنفيذ تلك العمليات
وذلك من أجل الدفع بالحرب إلى مستويات متطورة تشعل حروبا أخرى ضد المهاجرين والتشجيع على كراهية الأجانب وتعيد أوروبا إلى نفس الدور الذي كانت تقوم به خلال الحركة الاستعمارية في القرن التاسع عشر، عندما كان الأوروبيون أسياد وشعوب الشرق والجنوب ترزح تحت رحمتهم .

من جهة أخرى تبشر هذه الحرب الإعلامية والفكرية بتحولات إقتصادية مهمة، وهي أن أحد ردات الفعل العربية والإسلامية المتمثلة في مقاطعة المنتوجات الأوروبية ستفسح المجال أمام المنتوجات الأميركية، ما دام العرب والمسلمين لا ينتجون بما يكفي ما يستهلكون بدءا بالمنتجات الغذائية وانتهاء بالمنتجات الصناعية المدنية والعسكرية.

وهذا يفسر أن العملة الأوروبية الموحدة اليورو الآخذة في التفوق على الدولار سوف تتوقف عند حد معين ليبدأ الدولار صعوده من جديد.
على المستوى العربي والإسلامي الرسميين ليس بوسع القادة إلا أن يستقبلوا الوفود الرسمية القادمة من أوروبا والحاملة معها بعض الخواطر لوقف المظاهرات التي تحولت إلى حملة شعبية مستمرة ضد أوروبا .

أما الشعوب وفي إطار بعض التنظيمات السياسية والمدنية فلم يظهر إلا أنها جربت قدرتها على التجمهر والخروج إلى الشارع.
ولو أن ذلك لا يفيد مباشرة في الدفاع عن حقوق المسلمين ومكتسباتهم وثرواتهم التي تساق إلى الغرب بأبخس الأثمان .

فإن الراجح أن ثورات بهذا الحجم من شأنها أن تقلب الكفة على الأقل داخل العالمين العربي والإسلامي، وهو ما تترصده العين الخفية لتحدد متى وأين تقلب هذا النظام أوذاك.




تابعونا على فيسبوك