يحتاج إسماعيل هنية إلى شطارة التاجر لكي يتمكن من تسويق صورة حماس لدى الغرب والتوفيق بين خطاب البندقية ولغة الخبز أمام الفلسطينيين المنهكين بالاحتلال الإسرائيلي والمتطلعين إلى الدولة المستقلة.
على القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية، المرشح لقيادة الحكومة الفلسطينية، أن يضيف جرعات كبيرة من الماء إلى شراب حماس لكي يتأتى لها تحقيق الانتقال من منطق الثورة المفتوح على الشعارات إلى تدبير الدولة المحكوم بالإكراهات.
بعد فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية تجد حماس نفسها أمام عقدة التوفيق بين المرجعية الدينية والواقعية السياسية، في ظل وضع متميز يختلف عن حالة مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي لوقوع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ونشأت حماس في سياق التحول العام للمرجعيات بالعالم العربي خلال الربع الأخير من القرن الماضي، واستفادت من الظرف الفلسطيني الخاص بمبادرة من وجوه وشخصيات مثل الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي اللذين اغتالتهما إسرائيل قبل عامين، منبثقة من داخل الحركة التحررية للشعب الفلسطيني واعتمدت المرجعية الدينية في منافسة الفصائل التقليدية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
نبتت الحركة أول الأمر في قطاع غزة الفقير في خضم الانتفاضة الأولى، ومثل كل حركات الإسلام السياسي اكتسبت شعبية بين الفلسطينيين ليس فقط بفضل عمليات التفجير في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل أيضا بفضل شبكة الأعمال الخيرية التي أقامتها، خاصة في غزة، وكذا بفضل صورتها في العذرية السياسية التي لم يصبها الاهتراء والتآكل المقترن بممارسة السلطة، كما هو حال غريمتها فتح.
وعلى غرار كل الحركات السياسية التي تلبس المرجعية الدينية لم تخف حماس رغبتها في الوصول إلى السلطة.
في الثانية والأربعين من العمر، ينحدر فتى حماس من أسرة فلسطينية لاجئة حملت جرح النكبة عام 1948 لاغتصاب فلسطين، فنزحت من قرية الجورة، بمدينة عسقلان، إلى مخيم الشاطئ للاجئين في غزة، حيث ولد إسماعيل ولا يزال يسكن بالمخيم الفقير
وعلى غرار كل الفلسطينيين شكل الاحتلال والفقر حافزا للتحصيل فحصل على الثانوية العامة من معهد الأزهر الديني بغزة قبل أن يلتحق بكلية التربية في قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلامية ويتخرج منها.
ولأن السياسة اقترنت بالخبز اليومي للفلسطينيين تحت الاحتلال نشط إسماعيل هنية في الفرع المحلي لتيار " الإخوان المسلمين"، المصدر الأصلي لتيار الإسلام السياسي في العالم العربي، وعنه انبثقت لاحقا حركة حماس.
ما كان للصعود أن يحصل دون صدام مع حركة فتح، التي فجرت الثورة المسلحة في بداية 1965 وفرضت نفسها ممثلا للهوية الفلسطينية، وعندما أصبح هنية رئيس مجلس الطلبة عام 1985 شهدت الجامعة الإسلامية خلافات حادة بين الشبيبة الفتحاوية التي كان يتزعمها محمد دحلان في الجامعة، وبين الكتلة الإسلامية.
من المدرج الطلابي انتقلت المواجهة مع فتح إلى هيئة التدريس عندما عمل هنية بعد تخرجه معيدا في الجامعة الإسلامية.
أما إسرائيل التي كانت تطوق الجميع في قطاع غزة فاستبشرت بظهور جيل منافس لفتح ولمنظمة التحرير، دون أن تغفل المراقبة اللصيقة للتيارالإسلامي الصاعد، فكان لهنية أكثر من استضافة في سجون الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى التي اندلعت في 1987 حيث سجن ستة أشهر بين 1987 و1988، قبل أن يطول مقامه بالسجون الإسرائيلية ثلاث سنوات، من 1989 إلى 1992، طردته إسرائيل بعدها إلى جنوب لبنان مع عشرات القياديين من حماس والجهاد الإسلامي.
وعندما فتحت منظمة التحرير صفحة الاعتراف والتعامل مع إسرائيل باتفاق أوسلو 1994 كانت حماس قد اشتد عودها لتستقر في موقع المعارضة، بينما استقر هنية مديرا لمكتب الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس وزعيمها الروحي، ما أكسبه شعبية كبيرة في أوساط الحركة، حيث يشتهر بهدوئه ومواقفه المعتدلة وتأكيده الدائم على الوحدة الفلسطينية، كما يحظى بعلاقات قوية مع قيادات مختلف الفصائل الفلسطينية
ولم يصرف النضال قيادي حماس، الملقب بأبو العبد، عن مهمة الزيادة في أعداد الأمة، فهو متزوج وله أحد عشر ولدا .