قديما، كان الحديث عن " الدار لكبيرة" يحمل أكثر من معاني ودلالات، باعتبار أن فضاء هذا المكان يجمع أفراد الأسرة الواحدة، التي تكبر مع الوقت وتتشعب، ففي دار العائلة كما يحلوا للبعض أن يسميها، تجد الأب والأم والابن أو البنت وأبناءهما، يقتسمون كلهم أحوالا اجت
ولقد ساهمت هندسة دور العائلة هذه وشساعتها وتعدد بيوتها في لم الشمل وتسهيل النسل، لكن مع توالي السنوات، بدأت هذه النوعية من الدور تنقرض، نتيجة نشوب نزاعات بين أفراد العائلة بعد فقدان الرأس " الكبيرة" ، صاحب الأمر والنهي، وعدم قدرة باقي الأفراد على تقبل بعضهم البعض.
وساهم في تنامي نزعة التفرقة هذه، صعوبة تكاليف الحياة، وتكاثر الأبناء وانعدام فرص الشغل، وغيرها من الدوافع القاهرة، التي كان من نتائجها ظهور التفكير في المصالح الشخصية المحضة، بدلا من المصلحة العامة، مما أدى إلى ظهور الانعزالية لدى العديد من الأسر وقطع صلة الرحم وتنامي البغض والحقد والكراهية، وكرس أيضا هذا التباعد والانسلاخ، ما أصبح يصطلح عليه بالمساكن الاقتصادية، حيث نوعية هذه الدور لا يمكن أن يتجاوز ساكنوها أربعة أفراد على أقصى تقدير.
الشيء الذي لا يسمح بالتلاقي المستمر، وإذا أضفنا إلى ذلك أزمة المواصلات وصعوبة توفير ساعة أو ساعتين في الأسبوع لتجسير الهوة، نكون بالفعل أمام دار متناثرة أشلاؤها، فاقدة لأواصرها وأصولها.
حاولنا أن نفتح هذا الموضوع في سياق ورقتنا هذه مع ثلة من الشباب لمعرفة وجهات نظرهم بخصوص هذا التقليد والعادة التي ذابت مع شدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وبهذا الخصوص أكد لنا إسماعيل موعاد على أن الإطار العائلي المتجانس والمنسجم " لم يبق منه إلا ذكريات يستحضرها آباؤنا كلما اشتد الحنين إلى الماضي، فالدار " لكبيرة" أو دار العائلة، أصبحت مجرد أطلال أو مكان منسي تتجاذبه الأطماع، هذا إذا كان لازال موجودا، ومعظم هذه الدور ـ يقول اسماعيل ـ توجد في " لبلاد" ، على حد تعبيرنا العامي، مما يعني أن النزوح إلى المدينة أفقد أسرنا ذواتها وجعلها تائهة في البحث عن لقمة العيش".
الشيء نفسه ذهب إليه أحمد الدغوغي بقوله، " إن الخروج عن الأصل، والابتعاد عن المنبت هو اغتراب، لا يمكن أن يولد إلا الاغتراب، فكما هجر آباؤنا عائلاتهم في اتجاه البحث عن ما يمكن أن يثبتوا به تواجدهم، سيكون كذلك، مآل الأبناء، وإلا فضرورة الرجوع إلى الأصول تفرض التفكير في الضبط المجالي للمسكن وسبل العيش، حتى تجعل أبناءك في حضنك وتحت غطائك، وهذا المعطى ـ يقول محدثنا ـ غير متاح حاليا، بالنظر إلى التحديات التي يطرحها عالم اليوم المتسم بالعديد من الإكراهات المادية والمعنوية، فمهما بلغ يسر الأب لن يستطيع توفير السكن اللائق والشغل النافع لجل أبنائه، لأن متطلبات الحياة في ارتفاع" .
أما بخصوص الدار " لكبيرة" فاعتبرها أحمد الدغوغي محطة البداية، في اتجاه أن يبحث كل فرد عن عشه الخاص به ولا يجب بالتالي، السكون إلى الماضي ما دام الوقت يتغير ويتعاظم.
وفي السياق ذاته، أكد خالد بيروك على أن دار العائلة، هي بمثابة " الشجرة التي يجب استحضارها حتى لا ننسى أصلنا وفصلنا، ونحن إلى من نحن إليه وكيف كنا وكيف تغيرت الأمور حولنا".
وبالرغم من كل هذه الآراء المتضاربة، يبقى المشكل الأكبر والدافع لظهور هذا الشتات هو تأزم الظروف الاقتصادية التي لا تؤمن لا بالدار " لكبيرة" ، ولا بما تملك من أموال وإمكانيات لتعيش بتعادل أو فقط على قد الحال.