دافيد ليليت في أسطورة الأغنية الفرنسية

إديت بياف الفنانة التي لاتتأسف أبدا

الأحد 05 فبراير 2006 - 13:22

مؤلف الكتاب هو الكاتب والصحافي الفرنسي دافيد ليليت المختص بشؤون المسرح والفن وتاريخ الأغنية الفرنسية.

وهو هنا يقدم كتاباً مشوقاً عن حياة أكبر مطربة فرنسية في العصور الحديثة: إنها إديث بياف (أم كلثوم فرنسا) وقد تحولت هذه المطربة العظيمة إلى أسطورة فيما بعد
ثم يردف المؤلف قائلاً: نقول ذلك وبخاصة أن هذه الإنسانة نشأت من العدم وقفزت تدريجيا من القاعدة إلى القمة بفضل موهبتها الضخمة أو بالأحرى عبقريتها الغنائية فإديث بياف ولدت في الشارع وربيت على الرصيف ولم يكن لها بيت تسكنه.

وعاشت حياة الغجر المتنقلين من حي إلى حي في باريس أو في غيرها من المدن الفرنسية وكان والدها يشتغل كبهلوان يضحك الناس على الرصيف فيحنون عليه ويعطونه بعض الفلوس لكي يعيش ويطعم طفلته ومعلوم أن أمها تخلت عنها بعد ولادتها بفترة قصيرة ولم تتعرف عليها.

وبالتالي فهي بنت شوارع كما يقال وفجأة اكتشف والدها أن صوتها جميل فطلب منها أن تغني، فإذا بها تصدح بأجمل الأغاني الفرنسية القديمة، وإذا بصوتها الملائكي يملأ الشوارع الشعبية في باريس فيجتمع حولها الناس ويغدقون عليها الفلوس وهكذا ابتدأت حياة إديث بياف الغنائية: مطربة في الشوارع.

وفي كل يوم كان المارة يقفون عندما يسمعون هذه الصبية الصغيرة تغني، ويصابون بالدهشة إذ يرون بنتا في التاسعة أو العاشرة وهي تصدح بأعلى صوتها لكي تجمع الفلوس لوالدها الذي تعب من حياة البهلوانية.

ثم لحقت بها إحدى الفتيات اليتامى وأصبحت صديقتها على مدار الحياة ولكنها كانت تغار منها أحيانا وتسبب لها المشاكل وكانت هي التي تجمع الفلوس في علبة وتمد يدها إلى الناس بعد أن تكون بياف قد صدحت بكل أغانيها.

وهكذا تحولت إديث بياف إلى ظاهرة صوتية في كل أحياء باريس وشوارعها وبقدر ما كان الناس يحبون صوتها ويتوقفون لسماعه وهم ذاهبون صباحا إلى العمل أو عائدين منه مساءً بقدر ما كانوا يحتقرونها أيضا لأنها بنت شوارع.

ما كانوا يعرفون أنها ستصبح أكبر مطربة فرنسية بعد سنوات قلائل وأن كبار شخصيات فرنسا والعالم سوف تنحني أمامها يوما ما، وفي أحد الأيام كان أحد الأشخاص مارا في شارع بالقرب من الشانزليزيه فوجد المارة واقفين يستمعون إلى طفلة صغيرة تغني
وكان هذا الشخص بورجوازيا كبيرا يلبس أفخر الثياب، فتوقف معهم، وبعد لحظات فقط سحر بهذا الصوت القادم من أعماق الشعب، فتقدم من البنت الصغيرة وسألها عن اسمها ثم أعطاها ورقة نقدية كبيرة لا تحلم بها عادة مطربات الشوارع الشعبيات.

وأضاف بأن أعطاها عنوانه الشخصي كمدير لإحدى كبريات المسارح ودور الغناء الباريسية
وحدد لها موعدا للاتصال به أو لزيارته مباشرة في مكتبه، وقد جُنت من الفرح عندما قرأت اسمه على البطاقة وعرفت من هو، ولم تكد تصدق عينيها.

وفي اليوم المحدد تأخرت في النوم وكانت متعبة فقررت ألا تذهب إلى الموعد قالت بينها وبين نفسها : ماذا سأفعل عند هذا الشخص الكبير الذي يستقبل كل شخصيات باريس في مسرحه؟ وهل سيهتم بي حقا؟ هل سأكون على قدر المقام؟ ومن أنا حتى يهتم بي شخص من هذا النوع؟ أنا خلقت للشوارع والناس البسطاء لا للطبقات العليا البورجوازية
ما لي وما للمسارح ودور الأوبرا والصالات الفخمة المكيفة صيفا شتاء؟ ينبغي أن أرضى بمستواي، بمصيري وقدري وأظل بنت شوارع.

فمسرحي هو شوارع باريس الشعبية وأرصفتها الضيقة أو الواسعة وجمهوري فقراء الناس، ولكنها في آخر لحظة قررت الذهاب إلى الموعد، وعلى الرغم من أنها وصلت متأخرة إلا أن الرجل الكريم الشهم استقبلها، ثم طلب منها أن تصعد على خشبة المسرح لكي تقوم بتجربة غنائية أمامه وأمام معاونيه، ولكنه قبل ذلك أحضر لها ثيابا جديدة وطلب منها تغيير ثيابها الرثة الفقيرة التي لا تليق بمسرح بورجوازي مترف كمسرحه.

ولأول مرة تعرف إديث بياف أن هناك عالما آخر غير عالم الشوارع وحي «البيغال» حيث توجد مومسات باريس والقوادون والمجرمون والمتاجرون بالمخدرات وأجواء الليل المليئة بالسكر والعربدة والشهوة والجنس والقمار والدعارة، وبعد أن غيرت ثيابها صعدت خشبة المسرح وابتدأت تغني كالبلبل، فسحر الرجل بها مع كافة معاونيه وقال لها : بعد اليوم لن تغني في الشوارع يا صغيرتي، بعد اليوم سوف تغنين هنا في صالة فخمة كبقية المطربات المحترمات. فأنت سيدة الغناء الفرنسي أو ستصبحين سيدته دون منازع
وكان عمرها ستة عشر عاما وأكثر قليلا.

وبدءاً من تلك اللحظة ابتدأت حياة أخرى لإديث بياف وأصبحت مشهورة بين عشية وضحاها
ثم صعدت في سلم المجد درجة درجة حتى وصلت إلى القمة ونسيت أيام الفقر والشقاء والنوم في الشوارع بدون أغطية أو ملابس تذكر، ولكن هل نسيتها حقا؟ هل يمكن لإديث بياف أن تنسى أصلها وفصلها وبيئتها الشعبية وأيام الفقر والحرمان؟ بالطبع لا ولهذا السبب فسوف تظل تصرف قسما كبيرا من ثروتها على الفقراء والمحتاجين كل عام
لا، لم تتنكر إديث بياف للشعب البسيط الفقير الذي أنجبها.

وظلت في أعماقها جزءًا لا يتجزأ منه حتى بعد أن أصبحت تسكن الفيلات الفخمة أو القصور وتركب السيارات الفارهة وتعيش حياة الأميرات، ظلت إديث بياف ابنة ذلك الشحاذ الذي يضحك الناس على الأرصفة لكي يتكرم عليه المارة ببعض الفرنكات من أجل أن يأكل الخبز.

ظلت في أعماقها هي هي لم تتبدل ولم تتغير حتى بعد أن أصبحت قاعات الغناء الشهيرة في باريس، ونيويورك، وروما، وبرلين وكل عواصم العالم تفتح أبوابها لها على مصراعيها.

وظلت تردد كما في أغنيتها الشهيرة: "لا لا شيء، لا شيء، لن آسف على شيء" لن تتأسف إديث بياف على أصلها وفصلها، لن تتأسف لأنها لم تولد في عائلة بورجوازية غنية، لن تأسف لأنها عاشت حياة اليتم والجوع والحرمان في طفولتها، على العكس لولا كل هذه الأشياء لما استطاعت أن تصبح أكبر مطربة في العالم الناطق بالفرنسية، فسنوات الجوع والفقر، سنوات التشرد في الشوارع والأزقة والدروب هي التي جعلت ذلك الصوت الملائكي يخرج من أعماق أعماقها قويا، صارخا، مجلجلا.

وعندما تعرف عليها الكاتب الشهير جان كوكتو جن بها جنونا وراح يتوسط لها لدى الإذاعة لإدخال أغانيها فيها، وراح يكتب لها المسرحيات لكي تمثلها، وكتب عنها نصوصا رائعة وقال بأنها تجسد في شخصها عبقرية الغناء الفرنسي منذ أن كان قد وجد هذا الغناء وقد التقى بها كوكتو لأول مرة في 14 فبراير من عام 1940.

وقال لها كوكتو بعبقريته الخلاقة هذه العبارة : أنت أتيت من أعظم مسرح في العالم : مسرح الشوارع والحياة، أنت أميرة الغناء الفرنسي، والشقاء الفرنسي، والتراجيديا الفرنسية.

ثم راحت تغني: حبي انتهى للتو حبي ذهب للتو و لم تعد لي أية رغبة في الحياة (حبي مات للتو)، ثم يردف المؤلف قائلا: وسوف يموت حبها بعدئذ مرات ومرات وذلك لأنها تعرفت على رجال عديدين في حياتها.

وفي كل مرة كانت تهدي لحبيبها المنتخب نفس الأشياء : سلسلة ذهبية، قداحة ذهبية، طقم رائع،ربطة عنق، ثم عندما تنتهي العلاقة تغلق الباب في وجه القديم لكي تفتحه في وجه الجديد الذي سينعم بنفس الأشياء قبل أن يختفي بدوره، وهكذا دوليك.

ولا أحد يعرف أن يعد عشاق إديث بياف من مشهورين أو غير مشهورين، ولكن يمكن أن نذكر من بينهم الممثل والمغني ايف مونتان الذي ساعدته حتى وصل إلى القمة ثم تركته
لم تتركه وهو في بداياته، وإنما تركته بعد أن أصبح قادرا على أن يقف على قدميه، وهنا تكمن شهامتها وعظمتها.

فهي لا تتخلى عنك في وقت الضيق وإنما في وقت الفرج بعد أن تصبح قادرا على الاستغناء عنها، لم تنس أصلها إديث بياف حقا لقد ظلت إديث بياف وفية لسنوات الحرمان والشقاء الطويلة ولن تتخلى أبدا عن محروم يتوسل إليها.

ويقال بأن ايف مونتان وجد صعوبة في التخلي عنها أو في انقطاع العلاقة الغرامية بينهما على الرغم من أنها كانت أكبر منه سنا، وذلك لأنه أحبها وأحب فيها هذه الأعماق الحزينة، الأعماق المأساوية الطالعة من شوارع باريس الشعبية، من أعماق الناس البسطاء.

وقد حاول أكثر من مرة أن يسترجع العلاقة معها، أن يعود إليها، ولكن في اليوم المحدد حصلت عاصفة أو زوبعة فوق باريس ولم يستطع الوصول إلى المقهى الذي ضربا فيه الموعد لإصلاح الأمور بينهما، وهكذا كان الفراق الأبدي، وعلى إثره غنى إيف مونتان إحدى أجمل أغانيه: الأوراق الميتة.

ويكفي إديث بياف عظمة أنها ألهمته هذه الأغنية الخالدة، فلولا الفراق والقطيعة، لولا الهجران والوداع لما كانت »الأوراق الميتة« وتلك البحّة الشجية في صوت ايف مونتان
ذلك أن الفن لا يعطي نفسه للفنان إلا بعد أن يحترق في أتون المعاناة، إلا بعد أن يموت مرات ومرات ويتقطع قلبه أسفا وحزنا، هذه هي ضريبة الفن والشعر والغناء وكل شيء
لا شيء يجيء مجانا.

ثم يختتم المؤلف كتابه قائلاً: إن إديث بياف لا تتأسف على شيء لأنها ذاقت طعم المرارات حتى الثمالة ولأنها تعرف أن الحياة قصيرة والحب مهدد دائما بالخطر
وكانت تقول ما معناه : فلنأخذ الحياة كما هي إذن ولنعشها على هوانا فاللحظات التي مرت لن تعود، ولن يغني الأسف ولن يجدي شيئا أبدا.

لقد صورها ايف مونتان أفضل تصوير عندما قال هذه العبارات: كانت بحاجة إلى الحب
ولم تكن تغني جيدا إلا عندما تكون في نشوة فرح أو عندما يكون قلبها مجروحا وممزقا
إما القاعدة وإما القمة ولا حل وسط عندها.

وفي الحب كانت المرأة الأكثر طهارة وبراءة والأكثر بساطة، وكانت تصلي كل يوم قبل أن تنام، وأما هي فكتبت تقول: عندما تقرأون هذه الرسالة التي لن تنشر إلا بعد موتي أرجوكم لا تبكوا علي، ولكن فرنسا كلها بكت عليها.




تابعونا على فيسبوك