الروائية اللبنانية هدى بركات

عنوان روايتي سيدي وحبيبي مجازفة وليس حيلة

الأحد 05 فبراير 2006 - 13:15
الروائية هدى بركات

ما الذي تفعله الحرب بالإنسان، بخاصة إذا كانت أهلية، وما الذي تفعله الهجرة والغربة؟ وكيف تطبع آثار مخالبها في أعماق روحه؟ باختصار ما الذي تفعله قسوة الحياة بالجانب الغض من كياننا، وهل نتساوى في ردود فعلنا إزاء ما يُفرض علينا من حيث ندري ولا ندري؟.

كتبت الروائية والصحفية اللبنانية المقيمة في باريس، هدى بركات، في "رسائل الغريبة": "لسنا نشكل جماعة، نحن الذين بقينا خارج البلاد لا نتشابه، ولا تشدّنا أية روابط لا نشكل جماعة ولا نحبّ تشابهنا أو ما يذكر به".

الكتاب المعنون "رسائل الغريبة"، صدر قبل شهر فقط من الكتاب الآخر "سيدي وحبيبي"، الصادر في نوفمبر 2005 عن "دار النهار"، والذي يأتي رابعا في عداد روايات هدى بركات، بعد "حجر الضحك" 1990، و"أهل الهوى" 1993 و"حارث المياه" (1998)
الرواية الأولى "حجر الضحك"، نالت عند صدورها جائزة "الرواية الأولى"، والرواية الثالثة "حارث المياه" منحتها الجامعة الأميركية في القاهرة "جائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي" لعام 2000، بعد أن رأت لجنة التحكيم بأنها "تجمع بين فتنة الكلمة وعمق المعرفة، فتسحرنا وتعلمنا".

بين الجائزتين، قلدت هدى بركات "وساما فرنسيا للثقافة والفنون، من الفئة الأرفع التي تمنحها الحكومة الفرنسية، عن أعمالها المترجمة إلى لغة موليير، كما ترجمت إلى لغات غربية أخرى كثيرة، وقد تحصد الرواية الرابعة مزيدا من الجوائز، ولكن هل لا بد من التذكير بأن رواية "أهل الهوى"، تعتبر برأي الكثير من القراء والنقاد من أروع ما خط قلم المؤلفة، وقد يحفز الأمر الجهات المعنية لإطلاق فكرة إنشاء جائزة "الرواية الثانية". قبل الدخول في عوالم روائية جديدة، ينتجها خيالها، ربما تكون بعيدة عن الواقع، لكن لا تفتأ تصطدم به.

أجابت هدى بركات في حوار اجرته معهاصحيفة cnn : "نعم يلزمني وقت لا بأس به، وهذا الوقت ليس بهدف أن أفرغ داخلي من النص الذي كتبت، ولكن أحتاجه لكي أمتلئ بالنص الجديد، وأهمية الوقت حينئذ تكمن في رغبتي بأن أرصد بعض التغييرات التي يحتمل أن تكون قد حدثت، فقد تكون الحياة هي التي تغيرت، وقد أكون أنا من تغيّر، فالنص عندي لا يولد من فكرة تأتي بسهولة، لكنه يأخذ فترة لينضج، الفكرة تأتي بسهولة وبسرعة، غير أني أحتاج لمرحلة يمكن وصفها بأنها "اختمار الذات"، خاصة وأني لست من الكتاب.
المرغمين على تقديم إصدارات في أوقات معينة، أو في المواسم الخاصة بصدور الكتب، الواقع أني أنتمي لفئة الكتاب البطيئين إلى حد ما، أو قليلي الإنتاج، وليس لدي ذلك القلق المعروف برهبة "الورقة البيضاء"، كل هذا يمنحني الوقت لنضوج الأفكار لدي، وأصبحت أعرف إيقاعي بين صدور كتابين".

في الآونة، صدرلها كتابان في فترات متقاربة، كتاب "رسائل الغريبة"، ورواية "سيدي وحبيبي" قالت: الواقع أن الكتاب الأول "رسائل الغريبة" جمعت فيه عددا من المقالات التي سبق ونشرت لي في صحيفة الحياة، وقد انتقيت من هذه المقالات ما يدور حول موضوع مشترك، بموازاة كتابة هذه المقالات، أخذت وقتي، على مدى أربع سنوات، لكتابة رواية "سيدي وحبيبي" التي صدرت بعد شهر من صدور "رسائل الغريبة".

وعن علاقتها بالجوائز، خاصة بعد حصولها على جائزة الرواية الأولى، عام 1990، عند صدور "حجر الضحك"، كما حصلت عام 2000 على جائزة "نجيب محفوظ للأدب الروائي" التي تمنحها الجامعة الأميركية، عن رواية "حارث المياه"، أجابت قائلة: مما لاشك فيه أن الفوز بجائزة أمر مفرح، لأن ذلك يدل على تقدير، معنوي على الأقل، خاصة عندما لا تكون الجائزة مترجمة إلى مبالغ مالية كبيرة، لكن إلى جانب كونها مفرحة، أنا أجد أن الجوائز في العالم العربي تحمل قلقا أشد مما تسمح بحمله من اعتزاز أو فخر، لكن أهم مكاسب الحصول على جوائز هو تعريف العمل وكاتبه على دائرة كبيرة من القراء الذين قد لا يكونون جاهزين للالتفات إلى هذا الكاتب لولا الجائزة.

و بالنسبة لي، لا أحب كثيرا تعليق أهمية كبيرة على الجوائز فغالبا ما يكون في طريقة توزيعها شيء اعتباطي، أو شيء من الحظ، كما أنني لست دوما راضية عن حيثيات منحها التي يزعجني أحيانا أن أنضوي تحت لوائها أو أستجيب لشروطها بهذه المناسبة، جرى مؤخرا في القاهرة، في ديسمبر الماضي، لقاء جمعها بنجيب محفوظ، كون الجائزة التي حصلت عليها في العام 2000 حملت اسمه.

ردت بقولها: فعلا حدث لقاء لطيف جدا، وأسعدني لكوني بشكل عام أتردد في الاقتراب منه بشكل شخصي، خشية إزعاجه، لكن كنت سعيدة حقا برؤيته، وأدهشني ذكاؤه، بالذات عندما كانوا يلمحون له عن هوية هذه الكاتبة، أي أنا، التي حصلت على الجائزة باسمه، وأظهرت ردود فعله أنه يعرف جيدا من أكون، وإن كنت أستغرب أن يتذكرني، وهو في سنّه، أطال الله في عمره، بكل الأحوال، لم يكن المطلوب أكثر من هذه اللحظات الودودة التي منحني إياها، فالمعروف أن لقاءه بالناس قد يرهق صحته، وكنا مجموعة من الكتاب والصحفيين، وطبعا لا أنسى كم كنت سعيدة أيضا يوم منحي الجائزة، لارتباط اسمي باسمه، وهو كما سبق وذكرت في كلمتي يوم استلام الجائزة، أنني كنت وأمي نقرأ له معا، في لحظات حميمية، وأن هذه المرأة التي هي أمي، والتي كانت تستغرب سعة خيالي، لم تكن تتصور يوما ما، أنني سأقدم لها مثل هذه الهدية، وأذكر فرحها بالجائزة وبالصور التي تم التقاطها آنذاك.

بعيدا عن الجوائز، كيف يكون انتظارها لردود فعل الآخرين، من نقاد أو قراء على صدور أحد أعمالها أجابت : اليوم أنتظر بقلق أقل مما كنت عليه في الماضي، ففي البداية يكون شكل الاعتراف بدخول كاتب جديد أو روائي جديد إلى الساحة محاطا بقلق كبير لأن الكتابة مغامرة كبيرة، وخاصة النشر، ثم تدريجيا، بعد أن ظهر اهتمام كبير بما قدمت في البداية، وحتى في الأعمال التي تلت، أصبح التوتر أخف من السابق، خاصة وأنه في بعض الأحيان يُقرأ الكتاب على خطأ، لذا تجدين الكاتب يأخذ مسافة من الأمور

هل تضعين في اعتبارك، عندما تكتبين، بعض المقربين إليك من عائلتك أو محيطك، بهدف الحفاظ على مشاعرهم، وهو نوع آخر من الرقابة الذاتية؟ قالت : الواقع أني لست مضطرة لممارسة أي نوع من الرقابة الذاتية، لأني لا أكتب من الذاكرة، ولا انطلاقا من سيرة شخصية، ولا حتى من ذكريات، فحتى الآن، كل ما كتبت يقع في خانة التأليف الكامل، فلا الشخصيات موجودة، ولا الأحداث وقعت، أكتب فعلا بحرية خيال كبيرة، إلا أنه، بعد صدور الكتاب، أكثر من أخاف نقدهم، هم أولادي، أولا لأنهم جيل جديد، ثانيا لأنهم واسعي الاطلاع ومتعددي الثقافة المفتوحة على العالم. ثالثا لأنهم صريحين معي، بحيث يقولون ما لديهم دون أدنى حرج، وهم يحفزوني على أن أكون منتمية لعصري، منفتحة على الحاضر المعاصر العابر للقارات كما هو حال اليوم.

وعن رأي أولادها برواية "سيدي وحبيبي"، ردت بقولها : الحقيقة أنهم لم يقرأوها فالكتاب لم يترجم للفرنسية، لأن أبنائي، بكل أسف لم يعودوا يقرأون باللغة العربية
ذكرت أن كل رواياتك تأليف محض، هل كنت تؤلفين حكايات في طفولتك؟ ضحكت وقالت : نعم، كنت أؤلف القصص وأنا طفلة، كما كنت شديدة الإعجاب بالأشخاص الذين كان أهلي يعتبرونهم من "الكاذبين"، أو من أولئك الذين يبالغون في وصف الحقائق، هؤلاء كنت أستمتع بسماعهم كثيرا.

وكانت خصوبة خيالي تثير مخاوف أهلي، فعلا لم أكن أهتم بالبحث عن حقيقة الأشياء، سواء بالرواية، أو خارج الرواية، منذ طفولتي، وعن ما هي الثوابت في حياتها، وما هي القناعات التي تغيرت؟ أجابت: هذا السؤال من أصعب الأسئلة.

في محاولة الإجابة عنه، أستطيع القول إني لا أحب التشبث بالآراء، وأنا من أكثر الناس فتحا لنوافذي بحيث تظل مشرعة أمام ما يجري في العالم، هنالك أيضا ركائز أستشفها في أعمالي، أولا اعتبار الصغار، أي أبناء الجيل الجيد، موئلا لكل نشاط ذهني، وكما أجدني أركز في أعمالي على جانب محاولة فهم سر ما يحدث في العالم من تعميم الفساد والإفساد، لكن أمام التغيير السريع الذي أراه في العالم من حولي، فإني لست على استعداد للتمسك بقناعات عقلية في عناد لا مبرر له.

عنوان الرواية الأخيرة "سيدي وحبيبي"، ملفت للنظر، وقد يذهب خيال القراء بعيدا في توقعهم لرواية عاطفية مثلا، قبل أن يكتشفوا أن الموضوع مختلف تماما، قالت باسمة: صحيح، وقد تعمدت هذا الالتباس، لأن "سيدي وحبيبي" تتناول، في مقاربة، جديدة نوعا ما، كيف تكون علاقة العبد بالسيد المتحكم بمصدر رزقه، أو فلنقل العلاقة بالسلطة، من جهة من لا يملك شيئا، وقد بدا لي ربما أن قراءة الرواية بهذا الاتجاه لم يكن أمرا سهلا على القراء، إذ ظن البعض أنها تتحدث عن علاقة فيها شيء من الشذوذ الجنسي، رغم أن البطل أوضح منذ السطور الأولى أنه لا توجد مثل هذه العلاقة.

أعترف أن اختياري لهذا العنوان كان فيه شيء من المجازفة، هدى بركات أخبرت خارج هذا التسجيل الذي تم مع cnnبالعربية أنها مازالت في مرحلة "مابين الروايتين" التي تحدثت عنها في البداية، لكنها أنجزت مسرحية "مونودراما"، ولم تشأ أن تفصح عمن سيقوم بأداء دورها الواحد والرئيسي، غير أن الفنانة المسرحية الكبيرة نضال الأشقر، كانت قد أسرّت في لقاء سابق، أنها تعتزم أداء هذا النص لهدى بركات.





تابعونا على فيسبوك