أكد الباحث المغربي محمد ياسين أستاذ الفلسفة بالمدرسة العليا للأساتذة بمكناس، أنه لا يمكن استنساخ تجارب دول أجنبية وتكريرها لتنمية المجتمع المدني في المغرب، بل يتعين "الانطلاق من مشاكلنا الخاصة".
واعتبر الاستاذ محمد ياسين في عرض ألقاه في مكناس بعنوان "المجتمع المدني في المغرب، الأسئلة والآفاق"، أن جهود المجتمع المدني في المغرب يمكن أن تصب في الحال والاستقبال في أربعة حقول أساسية ورئيسية هي البيداغوجيا والمواطنة ومجتمع المؤسسات والمرفق العمومي.
وأوضح أن حقل البيداغوجيا يقوم على تربية أذواق الناس والحس المجتمعي وتطوير الطاقات الإبداعية، وأن حقل المواطنة من مسؤولية الأسرة والمدرسة في المقام الأول، فيما لا يوجد معنى للديموقراطية والحداثة دون مؤسسات حقيقية يجد فيها كل فرد جوهره، كما أنه من الضروري تعزيز المرفق العمومي.
وأكد في هذا العرض، الذي ألقاه في إطار الدورة الثانية للجامعة الشعبية التي تنظمها كتابة الدولة المكلفة بالشباب، أن المجتمع المدني كمفهوم وكواقع ضرورة لا غنى عنها استنادا إلى أربعة مؤشرات هي ضرورته باعتباره طاقة معبرة ومنظمة ومساهمة في التطور والنمو.
وأضاف أنه أصبح أيضا حاجة بالنسبة للدول والأنظمة السياسية التي تنبني على الخيار الديموقراطي، فضلا عن كونه أضحى مطلبا يتم من خلاله تدعيم الحقوق الأساسية وكذا ملء المساحات التي يتغاضى عنها العمل السياسي لأسباب ما، ودور المجتمع المدني في توسيع مجال القيم النبيلة من قبيل قيم الاختلاف والتعدد والتضامن والمبادرة
وتساءل الباحث عن الحدود التي تسمح بالحديث عن مجتمع مدني بالمغرب، وعن المساحات التنظيمية والفكرية التي تجسد وجوده وتطوره، وعن مدى استقلاليته، والرهانات والتحديات المطروحة عليه قبل أن يقف عند ثلاثة إشكالات أساسية تتمثل في التأسيس والعمل المدني وعوائقه والاستمرارية والتطور.
وفي معرض الإجابة على هذه الأسئلة، انطلق المحاضر من نموذج الحركة الجمعوية 35 ألف جمعية التي و"إن كانت لا تختزل المجتمع المدني كله فهي تمثله بامتياز لقدرتها على التنظيم والحركة والمبادرة والتعبئة والاستشراف وبناء الأفق المستقبلي"، مشيرا إلى أنها تغطي أغلب التراب الوطني وتؤطر قرابة مليون منخرط وتلامس أزيد من ثلث ساكنة البلاد بطريقة غير مباشرة.
وقال إنه سيقرأ الإشكاليات الثلاث في ضوء مؤشرين هما العلاقة مع الدولة من خلال الحركة الجمعوية وباقي مكونات المجتمع السياسي، وتمثل الحركة الجمعوية للعمل المدني أسسه وقضاياه وآفاقه، مستعرضا تاريخ العمل المدني منذ عهد الحماية إلى الآن حيث بدأ الاستقلال النسبي للحركة الجمعوية عن المكونات الحزبية وغيرها وتمظهر حقوقيا وتربويا وثقافي وأكد محمد ياسين أن حركة المجتمع المدني بالمغرب "تصلب عودها وحققت مناعتها" خاصة أنها أضحت على العموم قادرة على تأطير المجتمع وتكوينه وتسهم بقوة في بزوغ نخبة جديدة، مشيرا إلى أن العمل المدني قادر على أن يصبح قوة اقتراحية في تأطير المجال وتطوير العمل التربوي وغيره، خاصة وأن الدولة أضحت اليوم تعتمد على هذا النسيج الجمعوي أجرأة بنود المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مثلا.
واعتبر أن الحركة الجمعوية تعرف بالرغم من ذلك صعوبات وعوائق تتعلق بإكراهات موضوعية لا سبيل لتجاوزها وبقضايا ثقافية أو مؤسساتية ومشكلات ذاتية تفرزها حركية المجتمع المدني منها اصطدامها بالصراعات ذات الطابع الحزبي، وتفاوت اهتمام العمل المدني بمختلف القطاعات، وعدم الانتظام والموسمية التي تعبر عن الهشاشة وضبابية الأولويات، والنقص في الأفق التكويني لنخب المجتمع المدني، والانطواء والانغلاق في حقل اشتغال دون آخر وكذا صعوبة تدبير الاختلاف والصراع مما يؤدي إلى السقوط في معادلة الإقصاء والإقصاء المضاد.
كما اعتبر المحاضر أنه في ضوء هذه العوائق تتأسس إشكالية الاستمرارية والتطور إذ "أننا في حاجة إلى يقظة المجتمع المدني ونخبه وإن لم تكن بديلا عن المجتمع السياسي والأحزاب"، مشيرا إلى الوعي المتزايد بأهمية الممارسة المدنية في طابعها الجمعوي باعتباره أرقى أشكال الممارسة لأنه قادر على تحقيق انتظام عقلاني للمجتمع وقادر على إبراز مسافات عريضة للاقتراح والمشاركة والفاعلية وعلى ضمان السلم المدني.
ولاحظ أنه لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال مجهودات الدولة التي تتمثل في الجانب القانوني (تطوير القوانين) والسياسي (ضمان مختلف أشكال الحريات) واللوجيستيكي (تدعيم العمل الجمهوي ماديا)، ومجهودات منظمات المجتمع المدني التي تتمثل في مفاهيم التدبير، والاستقلالية، والعقلانية (مأسسة العمل المدني ومراعاة القواعد الأخلاقية والحرص على تحقيق التراكم وإيجاد القيادة النيرة وتنظيم العمل على قاعدة استراتيجية)، والتكامل (انفتاح مكونات العمل المدني على بعضها البعض لإغناء رصيدها، وإثراء أخلاقيات التطوع، وضرورة معرفة المجال بدقة، والتشبث بآليات البحث العلمي)
وكان الباحث قد اعتبر في محور تقديمي أن مفهوم المجتمع المدني متشعب باعتباره يؤسس لتاريخ عدة مجتمعات وملتبس لكونه مرتبطا بعدة مجالات معرفية وخاضع لرهانات إيديولوجية وسياسية منذ تشكيل الإنسان لنمط حضاري (كتابات أرسطو) والأدبيات الفلسفية والسياسية في العصر الوسيط (الفارابي وطوماس الأكويني) وعند المفكرين والفلاسفة (هوبس وسبينوزا وجان جاك روسو).
وأضاف أن الهواجس التي شغلت هؤلاء المفكرين عموما إلى حدود نهاية القرن 17 وبداية القرن 18 تمحورت في أن يكون التجمع البشري فوق حدود التجمع الطبيعي، والتنظيم المجتمعي والتراتب وفق القدرات العقلية وليس القدرات الجسدية، وضرورة تبعية المجتمع للدولة ولإرادة الحاكمين فيما لم يتم إلا بعد الثورة الفرنسية وعصر الأنوار اعتبار المجتمع المدني منظومة منفصلة عن الدولة ويعبر عن ثقافة مقترنة بمفاهيم جديدة في بعدها المضموني.