رسوم كاركاتورية

قنبلة الإساءة للنبي ونبوءة صدام الحضارات

السبت 04 فبراير 2006 - 16:28
مظاهرات في الخرطوم (ا ف ب)

تعيد الأزمة المترتبة عن الرسومات الكاريكاتورية للنبي في الصحافة الأوروبية إلى الأذهان نظرية المفكر الأميركي صمويل هنتنغتون حول صدام الحضارات، وتحديدا الصدام بين الحضارة الغربية ذات الجذور المسيحية اليهودية والحضارة الإسلامية .

بلور هنتنغتون نظريته في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، غداة سقوط الاتحاد السوفياتي، فرأى الباحث الأميركي أن الغرب الرأسمالي فقد خصمه الرئيسي، وبما أن التاريخ لم ينته، على عكس ما ذهب إليه الأميركي الآخر فرانسيس فوكوياما، فإن الصدام في المستقبل سيجري بين الحضارة الغربية وثلاث حضارات أخرى رئيسية، أبرزها الحضارة الإسلامية، إلى جانب الحضارة الصينية والفارسية .

في قضية الرسوم الكاريكاتورية لنبي الإسلام تسعى البلدان الغربية، من حكومات وصحافة ورأي عام، إلى الدفع بمبدأ حرية التعبير، كقيمة من ركائز الديموقراطية وحقوق الإنسان، بما يصطدم مع مشاعر أزيد من مليار مسلم في العالم يرون المسألة من زاوية الاعتداء على معتقداتهم ومقدساتهم، في ما يتعارض مع المرجعية الحقوقية نفسها
قنبلة الأزمة أطلقتها في الأصل صحيفة »يلاندس بوستن« اليومية المحافظة في الدنمارك، منذ 30 سبتمبر الماضي، عندما نشرت 12 صيغة مختلفة عن تصور رسامي الكاريكاتور لشكل النبي محمد (ص).

ثم أعادت صحيفة نرويجية نشر الرسومات في أكتوبر الماضي، لكن العاصفة انطلقت فقط قبل أسبوع، مع بداية مقاطعة المنتوجات الدنماركية في عدد من بلدان الخليج العربية
وكتب رئيس التحرير المركزي لصحيفة »يلاندس بوستن" كارستن يوست أخيرا موضحا أن »هذه المبادرة اتخذت في إطار جدل مستمر حول حرية التعبير التي نعتز بها في الدنمارك".

في هذا السياق يطرح التساؤل حول ما إذا كانت حرية الصحافة والتعبير لدى دول محددة تبرر الإساءة إلى العقائد الدينية لدى الآخرين .

وعلى خلفية هذا التعارض لم تتمكن التبريرات التي أعطتها بعض الحكومات الغربية من تطويق الأزمة وتخفيف حدة الجدل الذي أثاره نشر صور كاريكاتورية للنبي محمد في كل من الدنمارك والنرويج وفرنسا وإسبانيا، ووصل الأمر إلى حد تهديد علاقات هذه الدول بالبلدان العربية والإسلامية .

وشكلت هذه القضية نقطة مفصلية في علاقات العالمين الغربي والعربي الإسلامي وأعادت تأجيج نظريات الاختلاف بين ثقافتين وحضارتين بنيتا أساسا على قيم إلاهية فيها الكثير من التقارب، ولكن تطورهما المختلف عبر العصور سار على خطين متوازيين قد يلتقيان في أمور ويفترقان في أخرى، تكون أحيانا جوهرية وفاصلة على المستويات السياسية والفكرية .

فبينما حقق الغرب منذ القرن التاسع عشر مبدأ الفصل بين الدين والدولة، بإخراج كل ما يتعلق بأمر السياسة والسلطة من الحقل الديني لا يزال هذا الأمر موضع جدل محتشم في العالم العربي والإسلامي.

حرية الصحافة وحرمة المعتقد

من هذا المنطلق يمكن فهم الاستغراب العام الذي أبداه السياسيون والرأي العام الغربي حيال موجة الاستهجان والاستنكار التي عمت العالمين العربي والإسلامي بعد نشر تلك الصور، ومن المنطلق نفسه يفهم غضب المسلمين إزاء نشر الرسومات الكاريكاتورية.

ومنع كل من المغرب وتونس دخول وتوزيع صحيفة "فرانس سوار" التي أعادت نشر رسوم ساخرة من النبي محمد، بينما نشرت صحيفة »شيحان« الأردنية المستقلة بعض الرسوم لكن الشركة المالكة للأسبوعية بادرت إلى سحب أعداد الصحيفة من السوق، فيما عمت مظاهرات الاحتجاج والغضب العديد من البلدان العربية والإسلامية .

وكان بيان رئيس منظمة »مراسلون بلا حدود« برنار مينار خير انعكاس للتباين القائم في النظرة إلى علاقة الدين بالدولة بين الدول العلمانية الغربية وتلك المتمسكة بشؤون الدين في العالم العربي والإسلامي ، إذ اعتبر مينار أن ردود فعل الأنظمة العربية يعتبر »دليلا على جهلها لما تعنيه حرية الصحافة، وأن احتدام الجدل حول الصور الكاريكاتورية يمكن أن يسهم في تفاقم الصراع بين الحضارات والأديان، بما يحيل أيضا على نظرية"صدام الحضارات" لصمويل هنتنغتون .

ويرى أنريه مهاوج، من موقع (إيلاف أن كلام مينار يطرح مسألة تطور الأنظمة ونظريتها إلى الديموقراطية، ويعيد بشكل أو بآخر الإحالة إلى مشروع إدارة الرئيس الأميركي جروج بوش حول إقامة الشرق الأوسط الكبير ودعواته المتكررة لدول المنطقة لاعتماد الديموقراطية، وتضمن خطابه حول حالة الاتحاد هذا الأسبوع دعوات جديدة من هذا النوع .

ويضيف مهاوج "أن الكلام الصادر عن بعض المسؤولين الفرنسيين بعد انتقال هذه الأزمة إلى فرنسا مع نشر "فرانس سوار" الصور المذكورة إلا تكرار لدعوات بوش، مستشهدا بوزير الخارجية الفرنسي فيليب دوستي ـ بلازي الذي صرح من تركيا، البلد الذي أعاد الناخبون فيه حزبا إسلاميا إلى السلطة، بأن بلاده متمسكة بحرية الإعلام في إطار احترام القوانين والقيم، وهو كلام أوضحه الناطق باسم الخارجية من باريس بقوله إن فرنسا »بلد احترام وتسامح ويتمسك بحرية التعبير التي أرستها ولا يمكن إعادة النظر بحرية التعبير الذي تدافع عنها فرنسا في كل انحاء العالم وهي تدين كل ما يسيء إلى الأفراد في إيمانهم أو معتقداتهم ولكنها تضع نفسها في منأى عن إقدام الصحيفة المذكورة على نشر تلك الرسوم التي لا تلزم إلا الصحيفة التي نشرتها".

كما أن خطوة الصحف الفرنسية في تبرير نشرها للرسومات استنادا إلى مبدأ حرية التعبير، لن تقلص الشرخ الذي أضافته هذه القضية إلى التوازن الهش القائم بين أبناء مجتمعات الدول الغربية التي أصبح الإسلام في بعضها الديانة الثانية .

ونشرت صحيفة "فرانس سوار" الفرنسية في صدر صفحتها الأولى، يوم الخميس عنوانا "النجدة يا فولتير دقت ساعة الدفاع عن العلمانية" (فولتير هو الكاتب الفرنسي الشهير رمز الدفاع عن قيم التسامح وخصصت الصحيفة افتتاحيتها لتبرير خطوتها من خلال الإجابة عن مئات الأسئلة التي قال كاتب المقال إنها وردت إلى الصحيفة تسأل عن دوافع إقدامها على هذه الخطوة.

فسأل بدوره لماذا قررت الصحيفة نشر الصور؟ ويقول إن »السؤال مطروح كثيرا وعلى وجه حق وإذا كان الكثيرون فهموا السبب، فإن التساؤلات تراود البعض .

وإذ كان الإسلام يمنع معتنقيه من رسم النبي أو تصويره، وهذا ما يفسر الصدمة لديهم، فان السؤال المطروح هو هل يلزم ذلك كل من هو غير مسلم؟ وهل يفرض على كل من لا ينتمي إلى ديانة ما أن يلتزم بالتعاليم الدينية ؟ وماذا سيكون شكل مجتمع تجتمع فيه كل الممنوعات الدينية من كل الديانات؟ وماذا سيبقى في هذه الحالة من حرية الرأي والتعبير والتفكير؟"-.

إن موقف الدول الغربية يستند إلى مبدأ العلمانية الذي يشكل الركن الأساسي لأنظمتها، والموقف الفرنسي تحديدا يستند إلى المبادئ المستمدة من ثورة 1789 ومن قانون عام 1905 القاضي بفصل الدين عن الدولة، بينما لا تزال العقائد الدينية تشكل الركن الأساسي للمجتمعات العربية ولبعض أنظمتها .




تابعونا على فيسبوك