المخدوعون لأحمد المديني

توظيف لشذرات بيوغرافية وغيرية

السبت 04 فبراير 2006 - 15:07
أحمد المديني

هل حان الوقت للحديث عن مرحلة روائية جديدة بالمغرب، هي امتداد وتطوير للمسار الروائي الحافل بجمالياته وتجاربه الجريئة ؟ إنها ملامح تتبدى في تشكل رؤية جمالية، مع نهايات القرن الماضي وبداياته المؤكدة، تؤسس لبلاغة متخيل اجتماعي وسياسي وذاتي، يقف على أشكال قاسي


وقد شكلت نصوص محمد برادة امرأة النسيان وأناقة الميلودي شغموم والمخدوعون لأحمد المديني بالإضافة إلى تجربة عز الدين التازي علامة هذا التحول وعنوان وملامحه الأولى والذي يمكن استشرافة من زوايا وبمقاربات أخرى في ما يتراكم وما يتشكل في رصيد المتخيل المغربي.

يحقق أحمد المديني في ثلاث روايات سابقةمدينة براقش 1998، العجب العجاب 1999، الهباء المنثور 2001 ما يشبه تشكل متخيل يقرأ بأكثر من صيغة ليعبر عن رؤية فصيحة في الرواية الأخيرة المخدوعون التي يحق عليها القول ما جاء على لسان إحدى شخصياته وهو يصف نفسه : ولدت في نطاق الخيال وكبرت في محيط الذكرى ص 194، وهي أيضا امتداد في شكلين ومرحلتين : امتداد لنسيج المتخيل العنيف والانتقادي الذي اختطه أحمد المديني لنفسه عبر رصده للوعي الجمعي والذاتي وإعادة تشكيلهما ضمن سياقات مفترضة تهفو إلى الحقيقة، وسياقات حقيقية تتطلع إلى الاحتمال
وامتداد أيضا لتجربته الروائية برصيدها المعرفي والفني وفي بحثه عن التجريب والمغامرة.

ورواية المخدوعون تحقق لنفسها سمة النسب إلى مرايا المتخيل المغربي والعربي من جهة، وإلى بروق أحمد المديني من جهة ثانية، مرايا مساحاتها تضيئ ولا تعكس، تتخيل ولا تقررممتدة في أمكنة من أولاد حريز القبيلة المجاورة بالضرورة لقبائل المزامزة المقدسة والدارالبيضاء وفاس إلى باريس ونقط أخرى هنا وهناك إنها مرايا تتخلق ملمح التجديد في الرؤية، وتبحث عن المخدوعين الذين يتركون في الرواية صدى البحث عن الخداع.

ومنذ البداية تتأطر الرواية بتيماتها في باريس عبر ?"البحث المتولع عن مرتكز للذات، وعن أفق للكرامة الإنسانية، تقوده شخصيات تتقلب فوق جمر الهوى والنضال والغربة وخداع الحياة?".

يفتتح الروائي السرد بنشيد ثلاثي يلمح إلى الوجدان المضطرب ص 9 إنه موسيقي الجنيريك التي ستؤطر التذكر داخل أمشاج الوسواس في طريق الوصول على موعد غرائبي، وحوارات مشدودة إلى كلام يقف بين وضعين تأويليين، والراوي هنا ومنذ الفصل الأول، يفتح نافذة أساسية على المتلقي حول الكتابة وخداعها : ?"هل يتعذر علي إلى هذا الحد أن أعثر على البداية الضرورية لما أريد أو يخيل إلي أني أعرف، هكذا نحن جميعا نحسب أننا نقبض على الحقيقة، نملك أنفسنا أو نملك زمام العالم في قبضة اليد، أحيانا نزهو وبعنجهية وبإفراط في التفاؤل?"، ص 13.

ويتذكر في جملة بؤرية يفتتح بها الفصل الرابع ما يفسر علاقته بالكتابة والتلقي حينما يقول : ?"أحس مؤقتا بأني حر في ما أروي، لا قاهر لي، دليلي ذاكرتي وما استبقيت من معايشاتي?"، ص 149 ليصل في الصفحات الأخيرة من الرواية إلى فك رموز تلك العلاقة التي تكشف أن الكتابة هي وحدها وربما من بين وسائل نادرة القادرة على فضح الخداع والأوهام وتحقيق شكل جديد من المعرفة بالذات وبالآخرين وبالحياة، فالحقيقة في الرواية هي المتخيل، والمخدوعون شخصيات في مرايا هذا التخييل الذي كان أوله نطفة من طين وطن أحمد المديني، والذي يعترف : ?"أنا لا أفهم كيف يتكلف شخص يلقبونه السارد وأنا شخص حقيقي، لا متوهم، ولا كائن من ورق، برواية قصة كاملة عن أفراد عاش معهم وتداخلت حياته بحياتهم ص 239 .

وقد تمكن أحمد المديني بأصواته وتمظهراتها داخل التخييل من إدخال المتلقي المفترض في لعبة السرد والقلق والبحث والتناوب في الحكي، وذلك للوصول إلى دائرة تتوسع باستمرار، بدخلها رواة وثوار تعصف بهم رياح ويعصفون بالأفكار والقيم .

من خدع أحمد المديني؟

حركة أخرى تخوضها الرواية ابتداء من الفصل الثاني حيث تترسم المرآة التي ستعكس حركات المخدوعين، فالسارد يعطي الكلم في تناوب واضح للشخصية هاء، الطالبة اللبنانية لتروي بدورها فصولا مهمة وأساسية من المتاهة والورطة، ومحنتها بنفس مضطربة، والناتجة عما جرى لغانم المغربي مع البوليس السياسي أولا ثم تخليه عنها باعتبارها جزءا من ماض سيتنكر له بفداحة، وما سببه لها من وسواس ومرض نفسي وورطة قادتها لاستئناف اللعبة من جديد في مرآة الخدعة ص 5 ويصبح الحكي في سرود هاء فرصة للتخفيف من ضغوط الورطة، وأداة تطهيرية لشيء خلف آثارا لا تمحي.

ولكن السارد، الذي يتخفى وراء كل شيء مثل لاعب متمرس، يتدخل بتعقيبات تعيد ترميم ما يلمع خادعا، بل يعيد تأويل الأحداث بتفصيلات متدثرة بالتأملات والغمزات التي تعري عن الخداع ستاراته وأحابيله المحمولة في سلوكيات جديدة : ?"ثم إن الصدفة أكبر منا، فلا أحد منا يتحكم فيها، تعقد وتحل وحدها، ونحن في تمام يقظتنا أمامها، نظن أننا نقبض على زمام الأمور، ونسير كما نشاء مصيرنا من أول الحبل والخيط إلى نهايته، وحيث نتبين بأن الزمام فلت ننتفض مستغربين كيف سهونا، ولا ننتبه أن مصيرا آخر ما نمشي فيه، كالعميان نمشي ولا نتراجع?" ص 45.

مراوغات روائية كانت تمهيدا روائيا لتشكيل تيمة الخداع التي سيعلنها الراوي حينما يصف بعض المفكرين بالمتسلطين وبعض السياسيين بالوثنيين وما يستتبع ذلك من تذكرات ضمن مفاصل حكائية مكثفة، عامرة بالوجع، تتصادى بداخلها لغة سردية مثوتبة بإحالات انتقادية في سياق جمالي يخلق الإحساس بالروائية من خلال عناصر تحضر في مجرى النص كله حضورا لافتا متوترا : - تأثيث النص بالمعرفة من خلال حضور الفكر والمفكرين وآرائهم ومحاضراتهم فتتحول عدة صفحات إلى قراءات نقدية لأفكار وتصورات كانت تعج بها باريس.

وسيقدم الروائي على ربط استحضاره للفكر والأدب بمصائر شخصياته، كما فعل في قصيدة ?"زمن الكرز?" لجان بابتيست كليمون التي أوردها وعلق عليها وعلى حياة صاحبها حتى يصل إلى ربط كل ذلك بحيوات عبد الرحيم المزابي ويوسف الذهبي ص 155 . - خاصية معرفية أخرى طريفة وهي بناء الرواية فوق خريطة دقيقة النسيج، حية متفاعلة فكل الشخصيات مرتبطة بهذا النوع من الأمكنة من مرور بشارع أو زنقة أو هبوط إلى المترو أو جلوس بالمقهى أو وصف وقد جاء بناء هذه الخريطة فنيا ومتلاحقا ولن يخفت إلا في الفصل الأخير.

- دينامية الشخصيات وتحولاتها في مرايا الزمن المغربي والمنفي الاختياري ثم الاختيارات الأخيرة، كما لو أنها شخصيات مدربة على التفاوض مع الحياة، تغامر بماضيها من أجل فترة زمنية أخرى ستصبح جزءا من الماضي أيضا، بدءا من غانم وهاء هناءهادية والجيلالي المعتوق المخنوق ص 143 وعبد الغني ثم شخصية عبد الرحيم المزابي الذي سيعوض حضوره في الرواية ابتداء من الصفحة 130 غياب غانم، وسيلعب دورا أساسيا في تفاعلات الأحداث الموالية وحكاية فراره من أحداث مولاي بوعزة، كما يرويها عبد الغني الحكاء الأثير في الرواية.

شخصيات أخرى ترمم الملامح العامة للمخدوعين مثل المخبراسكي بمفكرته الضائعة والتي شكلت رواية أخرى، ومفصل حياة يوسف الذهبي ومجالاته الطويلة ثم انتحاره الفانتازي.

هل يكتب أحمد المديني الرواية منذ عقود للبحث عن المحتمل في الحياة وفي القول الإبداعي الذي يفضح الوهم؟ إن رواية المخدوعون بالجمع المتعين وغير المتعين، تقف عند نقط حاضنة عبر تدرج سردي يصل بهاءه حين يتحقق التناوب السردي المنسجم لحكي الدواخل المشتتة بين المنفى وباريس ويعبر عن التقلص المستمر لأحلام الشهداء والمناضلين في لحظة دخول غانم إلى مركز القرار تناوبا، بعد مفاوضات وتنازلات قدمها بخصوص تاريخه وحبيبته ورفاقه القدامى وعلى رأسهم عبد الغني.

تتحول الرواية سرديا إلى مسرح عاج، بستار شفاف يحقق مسرى حكائيا يحتفظ برواء النص ودفقاته الشاعرية حينا والعنيفة حينا آخر في انتقاد للأقنعة التي تحجب وتدمر القيم وتستبدلها بأخرى انتهازية لذلك كان موت الباهي وعودة عبد الغني أستاذا جامعيا يحمل رسالة من هاء واكتشاف المصير الخادع لغانم.


مرآة أخرى

وتكشف الصفحات الثلاث الأخيرة فداحة الخسارة والمحنة والخداع في حوار تختزل الخيبة، أثناء هبوطهما المفترض إلى النفق حيث يتلو عليهما متشرد عابر حديث العشاء الأخير للسيد المسيح وهو يعلن النعي.

الرواية بهذا تحفر جرحا سريا في التلقي الواعي وتحضر فيها الشخصيات مثل غيوم تمطر ثم تمضي وقد حقق أحمد المديني بهذه المجازفة العاشرةالرواية العاشرة في مسيرته الإبداعية حلما آخر يرى من خلاله الماضي والراهن موظفا بذلك شذرات بيوغرافية وغيرية.




تابعونا على فيسبوك