"الهوية : الشاعر"كتيب صادر في حجم "كتاب الجيب"، هو بمثابة سيرة ذاتية لعبد اللطيف اللعبي من خلال حوارين مطولين مع الشاعر، الأول أجراه معه "ليونيل بور"صدر تحت عنوان : "الهوية شاعر"الذي حمله عنوان الكتيب نفسه، والذي صدر نصه الأصلي تحت عنوان Un continent hu
والحوار المطول الثاني مع الشاعر صدر تحت عنوان "اليد المبسوطة"أجرته معه "مونيك فيشير"صدر هو الآخر تحت العنوان السابق أعلاه، تولى نقل الحوارين إلى اللغة العربية عبد القادر هجام ونشر الكتاب بدعم من وزارة الشؤون الثقافية عن دار "نشر الفنك".
في هذا الكتاب ـ السيرة ـ يكشف لنا من خلال الأسئلة والأجوبة التي دارت بين عبد اللطيف اللعبي ومحاوريه عن ذلك العالم الداخلي الذي يسكن هذا المبدع وتلك الصرامة التي تحوف بعملية الإبداع عنده، والتي يظل مدينا لها بكل شيء، فهو منذ البدء يحدد موقفه وموضعه بحكم هذه الصرامة تجاه نفسه والتي تضعه خارج المنظومة القائمة بالرغم من إلحاح أشخاص ذوي نيات حسنة ـ بل أفراد حميمين ـ بدعوته إلى ضرورة اعتماد منطق المنظومة القائمة، والخضوع لوسائلها، من أجل إسماع صوته، والوصول بالتالي إلى جمهور القراء الواسع الذي يستحقه، في نظرهم، لأنه أولا شاعر.
ومن الواضح أن بطاقة تعريف أدبية كهذه لم تعد مربحة، بالإضافة إلى أنه يعتبر نفسه كاتبا يشتغل حسب إيقاعه الطبيعي، وليس وفق معايير إنتاجية، وهو يوجه امتنانه للشعر، بالرغم من أنه يدرك أن مهنة الشاعر مهنة شاقة، بالنظر إلى الصعوبات التي تكتنفها، وأنها، أحيانا، مهنة تدعو إلى اليأس والإحباط، بالمعنى الحرفي للكلمة، فهو يرى أن نسبة الانتحارات من أعلى النسب بين أفراد هيئتها، كما أنها مهنة لا تطعم من يجوع، مع أنها تلتهم أغلب طاقات الشاعر، وتجعله يكد آناء الليل والنهار، وفي عز النوم أيضا، دون أن يعتبر هذا عملا "حقيقيا".
إلا أن الجانب المشع فيها والجانب الخلاق أنها مهنة تهدف إلى جمع الشمل، وفتح المجال للمشاركة والتقاسم إنها مهنة تفتح الآفاق على الرغم من أن بعض أصحابها يعيشون على الهامش، كما أنها تعطي الحرية للمتمردين على أنظمة النهب والظلم.
وهنا يلتقي الشاعر المبدع الخلاق مع القارئ الجيد وليس ذلك المستعجل الذي لا يهمه في شيء فهل هذا القارئ موجود؟ يجيب اللعبي إنه بالفعل موجود، وقد التقاه مرارا، إذ ليس الكتاب وحدهم من ينشد المعنى والجمال والاخوة الخ.
كثرهم الناس "العاديون"من لم يفلح النظام السائد في استمالتهم واستلابهم، والذين، بفعل مقاومة خارقة، يذودون عما يسكنهم من نزوع إبداعي ومن حلم.
إنه هنا، يتحدث عن زمن جميل رحل كانت فيه الأشياء بسيطة، والمهام واضحة، والطموحات بهية، وشاسعة الأحلام، ما كان يحفز المثقف الملتزم أكثر من أي شيء آخر، خلال تلك المرحلة، هو شعوره، من خلال اعتناقه لهذه القضية أو تلك، هو قدرته على الفعل فالدفع بعجلة النضال في اتجاه مطالبه الخاصة، فالمرمى لم يكن سياسيا فقط، بل إن العالم القديم هو ما كان يتمنى انهياره، ولم تكن حريته في التعبير محدودة، ولم يكن يتوانى عن التصدي لبعض المحرمات، ونهج سبل متاخمة للإبداع، منتهزا تلك المصداقية التي كانت تخولها له وضعيته كمحارب ينتصب قاضيا بلا توكيل، ذلك أن الهالة التي كانت تحف به كانت تسمح له بإضفاء بعد كوني على المهام السياسية، بل إن تلك المهام كانت تتخذ لديه طابعا رسوليا.
لكن ماذا الآن عن هذه المسؤولية التي كانت تناط بالشاعر في السابق يجيب عبد اللطيف اللعبي من منطلق المجرب والعارف، في أنها أصبحت اليوم برانية المسار، لقد طرق الشاعر ـ بوصفه رمزا للمثقف ـ من المدينة فهو يجد نفسه اليوم معزولا عن القافلة، لقد تلاشى ما كان يجمعه بقبيلته الأخوية ـ أي شعبه ـ من روابط.
وها هو يكتشف، مشدوها، أن الجماهير التي كانت تتأهب للانطلاقة الكبرى، كي تبعث العالم والإنسان، قد استسلمت لنشيد القوى الظلامية، التي تعدها بإنصاف عاجل، وبجنات أكثر نمطية وأمنا، لقد تقلص ميدان الفكر بشكل ملحوظ، لصالح تجارة جديدة، هي ترويج الأفكار الجاهزة.
فاليوم، يرى الشاعر أن العالم يعيش مرحلة تالفة المعالم، تبدو فيه الحركات الاجتماعية الكبرى وكأنها تنتمي إلى حقبة مخابرة، وأغلب الذين لازالوا يذكرونها من الجيل السابق ومن جيل الشاعر نفسه يجدون أنفسهم في حيرة من أمرهم، ذلك أقل ما يمكن أن يقال عن إيمانهم بإنسانية عريقة، ومالكة لزمام تاريخها، هو أنه قيد الارتجاج، نظرا لتشظي الصرح الفلسفي والإيديولوجي الذي كان يرتكز عليه، هذا بالإضافة إلى تعذر انبثاق وعي جديد قادر على استيعاب هذه الاضطرابات واقتراح سبل لإعادة صياغة المعنى، ناهيك عما ينبغي استعادته من مبادرات للهجوم المضاد، فقد كانت صدمة الانهيارات من القوة بمكان، ولازال صداها مصما للآذان ـ يواصل الشاعر عبد اللطيف اللعبي في جرده لعالم اليوم.
ومن هنا يرى كيف تكمن مأساة الشاعر، فميله إلى تأنيب التاريخ لا يمنع هذا الأخير من أن يلحق به، ويجعله يؤدي ثمن "تجاوزاته"، ذلك أن غاية شغفه التضامني تحجب عنه شجرة عزلته، بحيث إذا كان حرا في ما يفكر فيه، وفي ما يكتبه، فلا سلطة له على ما ستؤول إليه أفكاره ورؤاه على مستوى التطبيق، ومهما فعل، فسوف يصبح وضعه، عاجلا أم آجلا، بمثابة نغمة نشاز .
ويضيف اللعبي أن الشاعر لم يكن دائم التبصر إزاء مكائد التاريخ فهو، كإنسان بذل وسخاء، مشهور بخموله في مادة الحساب، ومن ثم مآزقه، ولجؤوه، أحيانا، إلى الانتحار، كحل أقصى، مثلما كان الأمر في حالة ماياكوفسكي، أو هو يضطر إلى المنفى اختياريا كان أم قسريا داخل الوطن أم خارجه وهو ما حل بالشاعر اللعبي نفسه الذي بعد أطلق سراحه من الأسر، وبعد أن عاش كمهاجر "منعدم الملامح"أي كمهاجر خفي دخل في تجربة أليمة أخرى وهي سفره من فرنسا إلى المغرب ثم عودته المفاجئة إلى فرنسا بعد أقل من عام بعد أن اكتشف أن الواقع ظل مثقلا بالمآزق المرتبطة بطبيعة النظام، وبأخطار جديدة المد الأصولي أو أن ما سمحت به السلطة نفسها من انفراجات لم يكن سوى ما سنته نفسها من قواعد اللعبة الدائرة، وأن ما كان مفروضا من محرمات كان وغيره عمل على خرقها خلال الستينات، قد صار أكثر توطدا وأشد سطوة مما قبل، كما أن الأصولية أفلحت في أن تفرض الدين مجددا كمحور أساسي، بل كمحور وحيد، للحوار الفكري، وبهذا المعنى تكون قد ربحت الجولة، لأنها أقصت مبدأ العلمانية من الحقل الفكري.
فخلال عودته هذه، اكتشف الشاعر، مرتعبا، مدى التجديب الذي خضعت له الأرض المغربية الطيبة من قبل خواتل السلطة، لقد كانت عشر سنوات كافية لوقوع ما كان قد توجس منه وحاربه، من قبل، لمدة عشرين سنة، ذلك أنه بالرغم من "حداثة"خادعة يمكن الاسهاب في تناول خوائها وفسادها يضيف الشاعر، فإن البلاد قد أصيبت في صميم اقتصادها وتوازنها البيئي، ورزئت في ما كانت تبطه قيمها الموروثة من انفتاح وإنسانية، حيث أن تراكم الحرمان وخيبات الأمل، وتفاقم البؤس، وتهاوي مفهوم المستقبل لدى غالبية الشباب وغيرهم، وعجرفة بورجوازية حديثة النعمة، تعيش، على وجه التقريب، خارج الوطن، داخل فيلاتها الهوليودية، كل هذه العوامل، وما إليها، انتهى بها الأمر إلى إفراز اليأس والإحباط إلى الاعتناقات السهلة، ومنها الالتفاف حول الظلامية، وما يصاحبها من عنف متستر .
هذا ما جعل الشاعر يشعر بغربة ومنفى داخل وطنه وقدها له ما رأى وما شاهد، فاستوت لديه غربة الخارج مع منفى الداخل وهو ما دفعه إلى مغادرة المغرب وهو يصرخ "لقد شرقت مني بلادي"والحالة هذه بعد أن وجد عبد اللطيف اللعبي نفسه أمام غربتين بين العيش في المغرب أو فرنسا كان عليه أن يختار، فاختار ذلك الذي يبلو ولا يسر، ذلك الذي يحفظ للحلم كرامته ليحمل في نهاية المطاف بطاقة تعريف أدبية واحدة : شاعر .