قبل ثلاث سنوات، كتب محمد نايد علي روايته الأولى وحملت عنوان "قطع مختارة، غراميات صبي جزار" فلفتت نحوه الأنظار، بالرغم من أنه يقيم في مدينة هامشية، هي "تحناوت" التي تبدو فضاء قروسطيا إلى جانب مراكش الغارقة في الحداثة المتعددة الأوجه.
قد تصنف تلك الرواية ضمن ما يمكن أن يسمى السيرة العاطفية والجنسية، لأنها تتناول التجربة العارية التي واجهها الشاب الجزار في أدغال مراكش، بمفرده، من دون أن يكون قد أخذ مبادئ عنها في مدرسة أو بيت والديه.
وقد حصلت هذه الرواية على جائزتين، جائزة "الأطلس الكبير"، وقد ترأس لجنة الجائزة الكاتب الشهير لوكليزيو، الذي أطرى على نايد علي، وجائزة تلاميذ الثانويات.
الرواية الثانية للكاتب، "شكرا لجان دو لافونتين"، تتخذ لها دعائم من سيرة صاحبها
تبتدئ الروايةالسيرة الذاتية، من يوم توقيع صاحبها محضر الالتحاق بالعمل، بقرية مدينة "تنغير" وتنتهي حين نجاحه في مباراة السلك الخاص، حيث سيتقرر التحاقه بمدينة نانسي، الفرنسية، للدراسة هناك وهو نجاح خلص الكاتب من منفى سحيق، كاد يؤدي بروحه الرقيقة، التي تؤثثها البساطة والشاعرية حتى النخاع.
يفتتح الكاتب السارد نصه بهذه الجمل المحملة سخرية وطرافة "وصلت إلى تنغير يوم السادس عشر من شهر شتنبر 1985 حوالي منتصف فترة ما بعد الظهر لم يكن معي من متاع إلا حقيبة سفر صغيرة الحجم، وثلاثة وعشرين ربيعا، وبعض مبادئ نحو اللغة الفرنسية، والقدر ذاته من الشكوك والأمل الوطيد بتخليص أهلي من عوز مادي لا يطاق"
أنهت الحافلة، داف القديمة والمفككة والمصابة بالربو، رحلتها بعد توقف سببه المبراد، وانشقاق عجلتين وخمس توقيفات من لدن رجال الدرك سببها ابتزاز المال".
السفر ذاته كان تجربة طويلة ومضنية بالنسبة للمسافرين، محنة شديدة بالنسبة للبعض : حمى، صداع، دوار، قيء، أشكال مختلفة من الضيق واضطراب المزاج
"حصتي من الضيق والبؤس انحصرت، لحسن الحظ، في صداع خفيف وبعض اضطرابات الأمعاء لا تؤدي إلى العجز" ص : 7 .
وهي بداية تعكس مناخ الجحيم الذي سيصلى بناره الكاتب السارد خلال السنوات التي قضاها مدرسا بتنغير.
ينتهي النص بسرد تفاصيل من نضال الكاتب السارد لانتزاع نجاحه بمباراة "السلك الخاص"، الكفيل وحده بتخليصه من جحيم تنغير وأهلها، من مدير الثانوية ومفتشها.
وقبل ذلك سرد تفاصيل التكوين بالمدرسة العليا بمكناس ومعاناتها، ومعاناة الأستاذات الطالبات من تحرش الأساتذة بهن,فإما تلبية الطلب أو التعرض لعقوبات النقطة، والرسوب.
وقد صور الكاتب السارد لحظات من ذلك بسخرية لافتة للانتباه فقد طُلِب منه، نهاية السنة الثانية من التكوين، أن يلقي كلمة باسم الطلبة الأساتذة والأستاذات، وتملص من المهمة لكنه اضطر في الأخير إلى القبول.
ومما جاء في كلمته : "باسم زملائي من شعبة اللغة الفرنسية أعبر عن فرحي بانتهاء هاتين السنتين من التكوين التربوي خلال هاتين السنتين، بهاته المؤسسة المباركة، عانت أولا الشقيات من العذاب.
فقد كن مرغمات على فتح ما بين أفخاذهن للأساتذة، حتى لا يجذبن لأنفسهن صواعق الأساتذة الأعزاء الحاضرين بيننا، مضحيات بالثروة الوحيدة التي تحرص عليها كل امرأة عربية في هذا الدنيا : البكارة"ص : 92/93). وقبل ذلك ص : 8990 أشار إلى ألوان من هذه المعاناة، حيث كان هناك، من الأساتذة، من يطلب لذة من الإست، أو كالتي حصل عليها بيل كلينتون من مونيكا لوينسكي، وذلك في وقت كان فيه كلينتون ما يزال واليا بولاية الأركنساس، وقبل أن تشتهر تلك الطريقة عبر وسائل الإعلام.
لعل اختيار العنوان، الذي هو عنوان أحد فصول الروايةالسيرة، يتطلب إشارة ولو عابرة
يستقي العنوان، "شكرا لجان دو لافونتين"، مشروعيته من قيمة ومكانة الكاتب، جان دو لافونتين، في حقل الأدب الفرنسي، من جهة، وحضوره في النص من خلال حب المفتش، الذي زار الكاتب السارد لنصوص هذا الكاتب، واختيار هذا الأخير نصا للكاتب نفسه خلال زيارة المفتش له ضمن حصة أنشطة القراءة من جهة ثانية .
وهو اختيار خفف من حدة طبع المفتش أو المراقب التربوي، وغزا عيناه بريق مفاجئ
وقد أشار الكاتب السارد إلى العنوان، في ثنايا النص، مرارا من ذلك قوله : "شكرت مليكة التازي، زميلة له، وهي التي أخبرته أن المفتش يحب حكايات لافونتين، ويردد باستمرار عبرها الشهيرة،ص : 144 .
وجان دو لافونتين لأنهما أنقذا مجرى حياتي من انقلاب مخطط له وأكيد في الحقيقة، لم أكن أنتظر النجاح " ص : 156 .
كما يعود اختيار العنوان إلى العبر التي تقدمها نصوص قصص لافونتين، الواردة على لسان الحيوان، بينما يريد الكاتب السارد تناول الأمر من زاوية مغايرة وهي تقديم شخصيات آدمية لا تختلف طبيعة سلوكها عن بعض الحيوانات.
في الغالب الأعم، يكتب الكتاب سيرهم الذاتية في مرحلة متأخرة من أعمارهم ليتناولوا فيها عصارة تجربتهم في الحياة والكتابة.
في المغرب، تتخذ كثير من الروايات صورة السيرة الذاتية لأسباب عدة، وقد التفت النقد المغربي لبعضها.
لكن الحرص على تسويد فصول من السيرة الذاتية، بالنسبة لمحمد نايد علي قد يعود إلى أسباب عدة منها : - الرغبة في التحرر من هذه القطعة من حياته، المنفى بتنغير، والتي كانت قد هيمنت على النص الذي يرصد فصولا من الجحيم التنغيري، ففكر صاحبه في عنونته "سنوات الجحيم"، لولا شعوره، في الأخير، "أن هذا العنوان استعمل كثيرا من لدن كتاب كثر، مما أفقده بعض رونقه".
- الرغبة في تخليد تجربة مغايرة عن تجربة روايته الأولى، تجربة خاصة لما تتمتع به من الحميمية تجعل صاحبها يكتبها من دون وجع الغوص في التخييل، لأنه يغرف من الذاكرة وبئر المشاعر، من دون أن يعدم لآلئ التخييل الذي يضفي رونقه على النص.
- الرغبة في عرض تجربة الذات لما لذلك من بعد إكلنيكي، تطهيري ولما له من رغبة في عرض الذات الأنا على الآخر في ضرب من الفخر بها الذات الأنا محمد نايد علي، يعلم أن الأدب متعة، وأن الحكاية روح الأدب، وأن السخرية والفكاهة والدعابة السوداء ملح السرد.
فهو يرى أن الكاتب يربطه ميثاق بالقارئ، ويجب أن لا يخدع الكاتب القارئ، بل يجب أن يخلص له، ويقدم له قصة لا تخطئ المتعة والتشويق وتشجيع القارئ على القراءة
أليس خلو الرواية والقصة القصيرة من الحكاية يبعد القارئ عن القراءة؟ أليست متعة القصة هي ما يوحد بين الكبار والصغار في الإقبال على القراءة أو مشاهدة الأفلام؟.