اسبانيا

مغاربة يجتازون جسر الهوية والاغتراب بحذر

الخميس 02 فبراير 2006 - 17:20

يتولد عن توليف قضيتي الهوية والاغتراب مجموعة من الأسئلة التي تعتمل في أذهان الأفراد أو الجماعات الممارسة لوجودها خارج الفضاء الثقافي والاجتماعي واللغوي والجغرافي الأصلي .

وتنطبق هذه الحالة على المهاجرين الذين غادروا أوطانهم بحثا عن فضاء جديد يحقق لهم أحلامهم "الصحراء المغربية" وفي محاولة منها للتوصل إلى تجليات أسئلة الهوية، لدى المغتربين المغاربة في إسبانيا، نقلت جملة من الأسئلة إلى هذه الشريحة الاجتماعية، من قبيل كيف يستقيم مفهوم الهوية تصورا وشعورا وإحساسا وتداولا لديكم كجالية مغربية تقيم في إسبانيا؟ ما مساحة الانشغال التي يحتلها سؤال الهوية في تفكيركم؟ ماهي الإشكالات المتولدة عن ممارسة الهوية سلوكا وتفكيرا في حياتكم الاغترابية اليومية؟ من أين تبدأ الهوية وأين تنتهي؟ ما دور الاغتراب في تعميق إحساسكم ووعيكم بإشكال الهوية؟ دور المؤسسات الإسبانية وقوانينها وبرامجها في استنفار سؤال الهوية لديكم؟ كيف يسوق الإعلام الإسباني هويتكم؟ ما الذي يترتب لديكم من شعور عن تلك الصورة المستهلكة إعلاميا عن هويتكم؟ متى تتحول هويتكم إلى عائق في حياتكم الاغترابية؟ كيف تتمثلون أنتم مطلب الاندماج الذي ينادي به المجتمع الذي يحتضنكم؟ ما مدى حضور أو غياب تجليات الهوية في تواصلكم اليومي مع غيركم من المجتمع الذي يستقبلكم؟.

فكان الجواب يتضمن أحيانا سؤالا يزيد من تعميق القلق المرتبط بالهوية تعاطى جميع أبناء الجالية المغربية المقيمين بإسبانيا مع الأسئلة التي طرحتها عليهم "الصحراء المغربية" حول الهوية والاغتراب بتلقائية توحي بمدى اصطدام تفكيرهم كل يوم بهذه الإشكالية .

فحياة، مهاجرة مغربية مقيمة بمدريد منذ أكثر من عشر سنوات، أكدت أن مسألة الهوية تشغل بالها منذ أن قررت الرحيل للدراسة في إسبانيا، وبالضبط عندما بدأت في تخيل العالم الجديد المختلف الذي ستحل به، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن "الاغتراب هو مواجهة ثقافية واجتماعية ولغوية مختلفة".

وتحكي المهاجرة المغربية، التي هاجرت لطلب العلم ثم استقرت هناك بعد تسوية وضعيتها القانونية وحصولها على عمل، أن"الاعتبار الثقافي والسلوكي واللغوي كان حاسما في تحديد موقعي بالنسبة للفرد الإسباني الذي التقيت به في الجامعة أو بالنسبة إلى المجتمع الذي احتضنني، أو الإعلام الذي تناولني".

وزادت موضحة "أحسست أني مختلفة بالفعل بموجب تلك الاعتبارات وأن ما أختلف به عنهم هو ما يشكل هويتي".

وكان أول اختبار حقيقي لهوية حياة في مدرجات الجامعة، إذ أنها عاشت لفترة طويلة "معزولة" عن الطلاب، لأنها لم تكن تجيد اللغة الإسبانية وبالتالي تنعدم لديها وسيلة التواصل، كما أنها ظلت تشكو لسنوات شعور "الأخرى" الذي كبر حتى تحول إلى إحساس مقلق، على حد تعبيرها .

التجربة التي عاشتها هذه المهاجرة المغربية في الجامعة تكررت معها في المحيط الاجتماعي، حيث يحمل مجموعة من الإسبانيين أفكارا جاهزة عن المهاجرين، تقول حياة »هنا يحملون أفكارا جاهزة عنا، يصعب اقتلاعها من أذهانهم، كما أن وسائل الإعلام ترسخها بشكل فاعل".

وأضافت مفسرة"خلاصة القول كمغربية ينظر لي هنا بانتقاص هذه حقيقة".

ولم تكتف حياة بتقريبنا من الشعور الذي تحسه كلما تذكرت هذه النظرة التي تنخر تفكيرها كل يوم، إذ ما إن شارفت على إنهاء جملتها حتى انتفضت قائلة "إنها عنصرية".

عدم تردد المهاجرة المغربية في الإفصاح عن هويتها مرده ذلك الضغط الكبير الذي يطبق على أنفاسها كلما صادفت عينها تلك "النظرة الناقصة" تؤكد حياة "أحيانا أتمنى لوكانت هويتي أخرى" ثم تستدرك موقفها هذا بالقول "لكن سرعان ما أ طرد هذه الفكرة حينما أتذكر أن هناك مشاعر تربطني بأهلي وعائلتي وأصدقائي هناك، بل بوطني كله".

هذه الصورة التي يستهلك بها المهاجر المغربي في وسائل الإعلام الإسبانية دفعت حياة "إلى خوض تحدي كبير ألا وهو تغيير نظرة الغرب إلينا بالحديث إليهم والانخراط بحماس أكبر في منتدياتهم والمشاركة في ملتقياتهم من أجل نقل الصورة الحقيقية التي تتشكل فيها هويتي وانتمائي".

أما سعيد الهادي، مهاجر مغربي مقيم بمالقا، فيرى أن الهوية، كانشغال بالنسبة إليه في مسار تجربة الهجرة، أثيرت بتراتب وتدرج، فبينما كانت في البدء، "تتجلى بشكل سطحي كإفراز طبيعي لتنقل الذات من بيئة ثقافية واجتماعية وسلوكية إلى أخرى مختلفة، وبالتالي فإنه يشغلك أمر التواصل مع الآخر، وتعتقد في لحظة ما أن امتلاك اللغة قد يذيب الإحساس بالاغتراب، وتخشى على نفسك من أن تذوب تماما في إغراءات سلوكية واجتماعية منبعثة من المجتمع الجديد".

غير أن مالم يكن يتوقعه سعيد هو "أن تعمق القلق المرتبط بالهوية يزداد مع مرور تجربة الاغتراب والهجرة، وبالضبط حينما تقرر البقاء والإقامة لظروف اقتصادية بالدرجة الأولى، فتكبر أسئلة من قبيل ما مدى القدرة على مقاومة الاستنزاف الثقافي والهوياتي الذي سيواجهك بالتأكيد أثناء مراحل حياتك هنا؟، هل تغيير الوطن جغرافيا يعني بالضرورة التخلي عن القيم الرمزية الذاتية المترتبة عن انتسابك إلى الوطن الأصلي؟".

ويسوغ سعيد، الذي أقام لمدة سنوات في عدد من المدن الإسبانية، هذه الأسئلة التي تراوده "بكون أن المصالح في حياتك تتشابك، وستكون مجبرا على معايشة تقاليد جديدة وإكراهات جديدة كضريبة لمحاولة الاندماج بالصورة التي يرغبون فيها هم".

وأضاف" عليك أن تجتهد في استئصال الرؤى المشبعة بالجاهزية والإسقاطية لدى المجموعة التي ستحيى إلى جانبها، لتضمن في المحيط الذي ستعيش فيه استقرارا ذاتيا ونفسيا لأبنائك الذين سيكبرون، ويكون قدرهم أن يفكروا ومنذ بداية الحياة في أسئلة لا تشغل أترابهم من الأطفال الذين ينتسبون إلى هذا المحيط"، مبرزا أن »هذا قلق آخر نفكر فيه كذلك نتيجة الانتساب إلى هوية مغايرة، وليس مغايرة فحسب ولكن ينظر إليها كذلك ببعض الاشتباه خاصة بعد السياق الدولي الجديد، الذي وضع فيه المسلمون تحت المجهر بذريعة محاربة الإرهاب".

وقال المهاجر المغربي إن "هذه ضريبة تفرض على كل مغترب، وتزداد قيمة الضريبة حينما تكون من الجنوب بالنسبة إلى غيرك، وبشكل أخص عربيا ومسلما، هذا قدر المهاجر والمغترب هويته دائما مجابهة باقتضاءات الهوية الأخرى للمجتمع الذي يستقبله«
لكن الأمر الأخطر، الذي يصفه سعيد 27 سنة" بالاستفزاز الهوياتي"، يتجلى بشكل أكبر في الممارسات المؤسساتية والقانونية التي من المفروض أن تكون مراعية للاختلاف ومدركة لرمزيته كقيمة إيجابية، إذ اعتبر بأنها »تمعن في ترسيخ الإحساس بالمغايرة السلبية، أي حينما تتحول المغايرة إلى عبء، وتكون مرفوضة من غيرك".

ترسانة القوانين الإجرائية التي تواجهها في تفاصيل حياتك هنا، يوضح سعيد، " تذكرك دائما بأنك آخر وأنك مغربي وبأنك مسلم"، و"إذا ما عدت إلى بيتك لتهنأ من تعب عمل اليوم، يواجهك التلفزيون نفسه بوابل من الكليشيهات تجعلك تعيش أزمة الهوية كمرجعية شخصية، وتصادر حقك بالهناء بها".

سعيد لاينكر أن ثمة جهودا حكومية من السلطات الإسبانية تهدف إلى التعامل مع ما يسميه بـ »ظاهرة الاستفزاز الهوياتي" ببسط برامج لتيسير الاندماج و»تعديل صورتنا لدى المجتمع، وإطلاق خطابات سياسية تعد بترسيخ ثقافة التعايش".

كما أن هذا المهاجر المغربي لا ينكر بأن المجتمع الإسباني "لا يخلو من أناس يحملون أفكارا مختلفة وإيجابية عنا، وتوجد ديموقراطية إلى حد ما، وهناك أناس أبرياء كذلك سرعان ما يتعاطفون معك ويغيرون أفكارهم بمجرد الاحتكاك بهم لأنك منحتهم صورة مغايرة وكسبت ثقتهم".

لكن كل هذا، يضيف سعيد، "لايستطيع أن يصمد أمام سلطتين أساسيتين تتجهان نحو الوجهة المعاكسة وهي سلطة القوانين، وخاصة ما ارتبط منها بقانون الأجانب، وسلطة الخطابات الإعلامية الملغومة التي تتاجر في موضوعات مثل هاته لإشباع نهم مشاهديها أو مستمعيها".


هذا الواقع، يشرح الهادي، »لا يجب أن يهزم المرء، ويجعله يستشعر أزمة حادة توقع بينه وبين هويته فأنا متفق أحيانا أن نقدم انتقادا لبعض التصورات التي أفرزتها بعض سلوكاتنا ونتمسك بها، بمعنى انتقادا ذاتيا لبعض مظاهرنا السلوكية والاجتماعية التي حملناها معنا واكتسبناها أيضا نتيجة نمط تفكير خاطئ متولد عن تقالينا في مجتمعاتنا الأصلية التي نشأنا بها، لكن من دون التنازل عن الجوهر".

ويأسف سعيد لـ "كون فئة من بني هويتنا المغربية يهزمون في هويتهم ويحصدهم الاستلاب، ويتحولون إلى بابا أكثر من البابا ذاته، تراهم يغيرون أسماءهم، ويتحدثون بغير لغتهم الأم في اجتماعهم ببني جلدتهم، واجتهادهم في إظهار مزيد من الانفصال عن مرجعيتهم الثقافية والجغرافبة، وذلك نتيجة فقدان الثقة الثقافية في الذات الكبرى المرجعية الثقافية، أو نتيجة تمثلهم تمثلا خاطئا لمفهوم التمدن أو التحضر، بالإضافة إلى أنهم يفتقدون إلى مناعة نفسية وثقافية توقظ وعيهم أو لأنهم بكل بساطة يراهنون على مصالح اقتصادية ونفعية"

وبالنسبة لهؤلاء، يضيف الهادي "فإنني أقول أنا مغربي وماذا بعد؟ وأنا مسلم وماذا بعد؟".

القلق المرتبط بتجليات الهوية من خلال أسئلة منتصبة يوميا في تفاصيل التجربة الاغترابية، يحضر كذلك عند المهاجر المغربي عبد الحافظ العشاب (37 سنة), الذي اختار سياقا خاصا له في البدء في الحديث عن حجم انشغاله بأسئلة الهوية .

فبعد أن ربط بين الهجرة والاغتراب ربطا سببيا، أكد، العشاب وهو مهاجر مقيم في برشلونة مايقارب عشر سنوات وحاصل على شهادة جامعية، أن الاغتراب هو الحقل الذي تنبت فيه أسئلة الهوية، كما أنه يصل إلى التركيز على الاختلاف المتباين بين جغرافيتين بمرجعيتهما الثقافية والحضارية المختلفتين من خلال الحديث عن العالم العربي والإسلامي وعن العالم الغربي، أو بلغته هو "الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية«، باعتبارهما طرفي معادلة تختزل صراعات بينها".

ولم يفته التذكير بـ "الصراعات بين الأديان"، إذ اعتبر بأنها "ضرب واستهداف للفكر الإسلامي", وقال "إننا نعيش هنا في برشلونة وفي إسبانيا عموما تضايقا فكريا وسياسيا من المجتمع الإسباني، ونجابه ديموقراطية إعلامية هشة، تحد من تنفس الحرية الثقافية لأنها تلزمك بالانخراط في شروطها الثقافية، وإلا فأنت غير مرغوب فيك".

وأشار عبد الحافظ إلى أن "هذا الاستهداف، الذي هو إفراز لتصور يحمله المجتمع الغربي عنا، في تعطيل مسار الاندماج الثقافي بوضع جسر من الشروط الثقافية والرمزية، وإلزامك بتبني تقاليد مغايرة لتقاليدنا، ومعاقبتك بعتاد من الأحكام الجاهزة، بالإضافة إلى تصنيفك في خانات بعينها".

وذكر العشاب أن "مفهوم الاندماج الذي يطالبون به يوقعك في النهاية في قدر كبير من الاستلاب، وأود أن أحدد الاندماج بالصورة الصحيحة التي أعتقدها، فأقول بأنها انفتاح ورغبة في التواصل والنظر إلى الاختلاف من الطرفين كميزة ايجابية، وتجاوز الخوف من الآخر لمجرد أنه مختلف، والتخلي عن الأفكار الجاهزة".

وفي سياق مقارنته بين الجانبين الديني الثقافي، بمعنى أيهما أثقل حملا وأكبر عبئا في المعايشة اليومية لتجربة الاغتراب، يبرز عبد الحافظ أن الجانب الديني هو الأكثر عبئا خاصة بعد الترسبات الناجمة عن "الأحد عشرين"، ويقصد هنا اعتداءات 11 سبتمبر و11مارس .

الانشغال بالهوية لا يحتدم فقط وسط أبناء الجالية المغربية، الذين نشأوا في أوطانهم ثم اغتربوا في بلدان المهجر، بل كذلك وسط فئة أخرى، خاصة الأطفال الذين ولدوا من أبوين لهما مرجعيات ثقافية وهوياتية مختلفة .

وللإحاطة بجوانب هذا التعايش التقت "الصحراء المغربية" بأم إسبانية، تزوجت من مهاجر مغربي وأنجبت منه طفلا يبلغ عمره حاليا 9 سنوات وطفلة 7 سنوات، فقالت إن "المعايشة اليومية مع هذا التعدد هي التي تتحكم في إديولوجية أنشطتي الثقافية".

وبخصوص تجليات الانشغال بسؤال الهوية لدى ولديها اللذين يحملان إسمين عربين ويدينان بدين الإسلام، ذكرت إيما كالديرون، صاحبة مكتبة وتقيم بإشبيلية كما أنها تمارس الكتابة وتساهم في العديد من الأنشطة الثقافية المعنية بترسيخ ثقافة الحوار الثقافي، أن "إبنيها مازالا صغيرين لينشغلا بسؤال الهوية بشكل جاد، لكن هناك لحظات في حياتهما اليومية وبطريقة غير واعية يتساءلان فيها حول هذا الأمر".

فمثلا إبني البكر سمير، توضح إيما، "عندما بدأ يتحدث استعمل اللغتين العربية والإسبانية، وكان يعتقد أن الآباء يتحدثون بلغة والأمهات يتحدثن بلغة، ولم يكن ذلك يخلف لديه أدنى مشكلة، ولكن عندما توجه إلى المدرسة ألفى الجميع من أترابه يتحدثون الإسبانية فقط، فتخلى عن استعمال لغة الأب في ذلك الفضاء على الأقل".

القرار الذي اتخذه سمير ليس له إلا تفسير واحد يتجلى في كونه لا يرغب في "التمييز والشعور بالاختلاف" كما هو شأن الأطفال جميعا، ففي فترة سابقة كان الإبن البكر يشعر بالفخر لأن والده ينحدر من أصول عربية ويقولها ويرددها للجميع باعتزاز، لكن مع مرور الوقت بدأ يتراجع عن ذلك، ويخفيه بشكل تدريجي بعد أن سمع الجميع يتحدث عن »الإرهاب الإسلامي وأشياء مماثلة".

وتعلق إيما كالديرون على هذا التغيير قائلة "الجميع ينظر لسمير وسلوى نظرة أخرى لأنهما يحملان اسمين عربيين«، مضيفة »إنهما، كما جميع الأطفال، يعيشان انتماءهما الغني بتلقائية وبراءة ويعكسان هذا التعدد في سلوكهما بالمدرسة".

تفوقهم في الدراسة جعلهما ينظران إلى وضعهما، كطفلين بمرجعية ثقافية متنوعة، بإيجابية أكبر، فأحيانا يطلب منهما زملاؤهما في الدراسة بفضول بائن أن يحكيا أشياء عن وطن أبيهما وعن تقاليده وأعرافه والأفراح التي تحيى فيه وغير ذلك، فيمنحهما ذلك فرصة الإحساس بالانتشاء لتميزهما بكونهما يعرفان أشياء أخرى عن ثقافة أخرى بفضل انتماء أبيهما إليها ومعايشة مظاهر كثيرة منها في البيت وأثناء زيارة عائلتهما المغربية أو أثناء زيارة المغرب في كل صيف".

وتختم إيما حديثها إلى "الصحراء المغربية"قائلة "أريد أن أفيد شيئا مهما وهو أنه عندما يكون أحد الآباء إسبانيا، وفي حالتي أنا، الأم هي الإسبانية، يكون قلق الهوية بصورة أخف من أبناء أباؤهم وأمهاتهم أجانب".

مواطنة إسبانية أخرى استمعت إلى الحديث الذي أجريناه مع إيما، فتدخلت لتسرد لنا حكاية تجربة اعتبرتها مخلة بالقيم والأخلاق الإنسانية والحضارية لأنها تنم عن سوء تقدير للاختلاف الثقافي والتعدد الحضاري .

بدأت هذه المواطنة الإسبانية، التي قدمت نفسها على أن ابنها صديق لعدد من المغاربة، حكايتها بالقول "هناك أناس طيبون وأشرار في كل مكان، ولا يقتصرون على بلد من دون غيره«، ثم انتقلت بعد ذلك لسرد تجربتها بالتأكيد على أنها »تعرف حالات مؤلمة تعكس النظرة السيئة للآخر داخل مؤسسة تربوية في مدرسة بالحي الذي أقطن به، فصديقتي لها إبن يدرس في المدرسة الابتدائية في الحي الذي أشرت إليه، وله صديق مغربي يدعى بلال، وآخر سينغالي يدعى بامبا، وقام مدير المدرسة بفصلهم عن بعضهم في فصول دراسية هي عبارة عن (غيتو ".

وجاءت هذه العملية على حساب الأجانب، تحكي المواطنة الإسبانية، إذ "جعلهم يتكدسون في قاعة لوحدهم، في حين أن التلاميذ الإسبان يتلقون دروسهم في فصول لوحدهم«، مشيرة إلى أن »قرار الفصل تضمن حتى بعض الأبناء الإسبانيين من أب كوبي مثلا، لكن لون التلميذ كان يميل إلى السواد وعندما احتج الناس على المدير، تبنى هذا الأخير ذرائع واهية من قبيل أن هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى دروس خاصة وأن هناك خصاص في المربين".

هذه الحجج كانت كلها "مفبركة"، حسب المصدر نفسه، "لأن الأطفال كانوا جميعاـ سواء الأجانب أو الأصليين، يدرسون معا منذ ثلاث سنوات ولهم المستوى اللغوي نفسه"
وتعلق المواطنة الإسبانية على هذا الحادث قائلة »إن الأمر يتعلق فقط بذهنية عنصرية ومنغلقة للمدير، وزادت شارحة "لا تستطيع أن تتصور معاناة الأطفال واستياءهم من ذلك، حتى أن ابن صديقتي كما ذكرت أمه بكى لفراق بلال وبامبا اللذين كانا بالنسبة إليه صديقين عزيزين , لذا فإنني أطلب أن يتركوا الأطفال وشأنهم ولا يسقطوهم في فداحات الكبار"




تابعونا على فيسبوك