أن تكون عربيا لفاروق مردم بيه وإلياس صنبر

تحديات السؤال الوجودي

الجمعة 03 فبراير 2006 - 11:05
غلاف الكتاب

يحوي كتاب "أن تكون عربياً" حصيلة أسئلة وأجوبة طرحها الصحافي الفرنسي كريستوف كنتشف على الكاتبين السوري فاروق مردم بيه والفلسطيني الياس صنبر، وتغطي مرحلة تاريخية امتدت من النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى زمننا الراهن.

يسجل الكاتبان تأريخاً لمحطات مهمة من الفترة الواقعة بين صيرورة الإمبراطورية العثمانية "الرجل المريض" والحرب العالمية الأولى، وقد شكل التدخل الأوروبي المباشر في المنطقة أهم الحوادث آنذاك. ذلك أن أوروبا سعت عبر تدخلها، إلى اقتسام الامبراطورية العثمانية، وإلى ربط الاقتصاد العثماني بالسوق الرأسمالية وتحويل المقاطعات العثمانية سوقاً للإنتاج الأوروبي.

وجمعت بين استخدام الآلة العسكرية واجبار الدولة العثمانية على ادخال اصلاحات عرفت بـ "التنظيمات"، وقد ركزت الإصلاحات على إعطاء الأقليات حقوقها في المساواة وتكريس هذه الحقوق في تشريعات، وكانت تلك الإصلاحات احد المداخل للتعاطي الأوروبي مع طوائف المنطقة واختيار كل دولة طائفة تضعها تحت جناحيها.

في مقابل ذلك، شهدت تلك المرحلة بواكير النهضة العربية عبر بعض روادها مثل الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده والكواكبي، دعا الطهطاوي إلى إدخال التحديث إلى العالم العربي، وشدد على وجوب التوجه إلى الغرب، وطالب بأن لا يقتصر التوجه على أخذ تقنية الغرب، بل الإفادة من الأفكار الأوروبية كمادة اقتصادية سياسية اجتماعية
أما محمد عبده، فتميز بدعوته إلى تأويل النصوص الدينية بما يتلاءم مع موجبات العصر
يصعب القول بتبلور شعور وطني عربي، خلال تلك الفترة، بالمعنى الذي يتأسس حول الدولة الأمة، كان الدين ممثلاً للهوية، وكان العرب يتحددون بالنسبة إلى لغتهم
لكن يمكن القول إن إرهاصات القومية العربية كانت قد بدأت بالتبلور لتصل الى اوجها لاحقاً في مواجهة المشروع الاستعماري والصهيوني تجاه المنطقة.

في تناولهما لأحداث القرن العشرين، يرى الكاتبان ان العالم العربي انحكم بمشاريع سياسية ما تزال محور التطورات فيه حتى اليوم، تمثلت هذه المشاريع في الاستعمار البريطاني الفرنسي ولاحقاً الاميركي، وفي المشروع الصهيوني في فلسطين، وولادة المشروع القومي العربي رداً، في حيز اساسي منه، على المشاريع السابقة.

مثلت اتفاقات سايكس بيكو خلال الحرب العالمية الاولى محطة اساسية، فتقاسمت فرنسا وبريطانيا المنطقة العربية، وأعطت تلك الاتفاقات اليهود دولة في فلسطين من خلال وعد بلفور، مما أدى إلى ضرب المشروع الوحدوي العربي الذي نهض مع ثورة الشريف حسين ضد تركيا، وهي الثورة التي وعد البريطانيون بدعمها.

نجم عن فشل الثورة العربية، تشكّل كيانات عربية ركّبها الاستعمار على بنيات سياسية تستند إلى أقليات وطوائف وعشائر، بما يمكنه من التلاعب بها والسيطرة عليها
مع الإشارة إلى أن العالم العربي لم يكن موحداً آنذاك فجزّأه الاستعمار، بل بنى الاستعمار على تجزئة موروثة وركّب عليها كياناته.

طوال النصف الاول من القرن العشرين، خاضت هذه الكيانات معارك استقلالها وتحررها من المستعمر، وخلالها تبلور الشعور القومي الوحدوي الذي وجد تعبيراته الفكرية في كتابات ساطع الحصري والقوميين العرب وحزب البعث.

تجلى الحدث الأكبر في تلك المرحلة في تحول القضية الفلسطينية إلى قضية العرب المركزية، منذ حصولها على وعد بلفور عام 1917، عمدت الحركة الصهيونية إلى الإسراع في بناء مقومات دولة إسرائيل، قامت ايديولوجيا الحركة الصهيونية على مقولة "أن فلسطين أرض بلا شعب تعود الى شعب بلا أرض"، اي اليهود.

تحددت فلسطين بأنها أرض الميعاد التي وعد الله اليهود بإعادتهم اليها فاقترنت توجهات عودة اليهود بتهجير الشعب الفلسطيني تباعاً، وهو الموجود فعلاً بسكانه ومؤسساته واحزابه وصحفه.

استندت الحركة الصهيونية إلى الدعم البريطاني في تسهيل الهجرة وتسليح التنظيمات اليهودية، لاحقاً، ارتبطت المصالح الاميركية العسكرية والسياسية والاقتصادية بالمصالح الصهيونية، فشبهت الولايات المتحدة ولادة دولة اسرائيل بولادة الولايات المتحدة، واختتمت تلك المرحلة بانتصار المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل 1948، بعد هزيمة الجيوش العربية التي دخلت فلسطين لمنع إسرائيل من الوجود.

طرحت نكبة 1948 على العالم العربي أسئلة وجودية تتعلق بمفاصل تكوينه السياسي والعسكري والفكري، فقد ضاعت فلسطين وجرى تثبيت المشروع الصهيوني في قلب المنطقة العربية مدعوماً من اميركا واوروبا.

وأفرزت النكبة تحولات عميقة في المنطقة، كان ابرزها انقلاب الضباط الأحرار في مصر في يوليوز 1952، الذي سيجعل مصر لسنوات لاحقة محور الصراع مع الغرب ومع إسرائيل
وقد وصل ذاك الصراع إلى ذروته مع تأميم جمال عبد الناصر قناة السويس 1956 وما تبعها من عدوان بريطاني فرنسي إسرائيلي، اعطى دفعاً للمشروع القومي العربي في قيادة عبد الناصر، تحول شعار الوحدة العربية شعاراً مركزياً يرتبط به التحرر من الاستعمار واستعادة فلسطين وتحقيق التنمية الاقتصادية.

في هذا المناخ تحققت الوحدة بين مصر وسوريا واطيح النظام الملكي في العراق واليمن وقامت ثورة الجزائر ضد فرنسا، لعقد من الزمن امتد من نهاية الخمسينات حتى 1967 عاش المشروع القومي العربي الصاعد عصره الذهبي ليعود فينتكس مع هزيمة يونيه
1967.

شكّل صعود المقاومة الفلسطينية بعد 1967 رافعة تاريخية متجددة للمشروع القومي العربي، وبين 1967 و1982 خاضت الحركة الوطنية الفلسطينية ثورتها من الخارج، من الأردن ولبنان وسوريا، وقد ركّز شعارها على العودة إلى فلسطين طريقاً للوحدة العربية، فدعا العرب إلى فتح الحدود أمام المقاومة المسلحة القادرة وحدها على تحرير فلسطين
لكن العمل المقاوم اصطدم بالأنظمة العربية، فكانت مجازر ايلول الاسود في الاردن، وكان الحجر عليها في سوريا، وكان استخدام المقاومة للساحة اللبنانية ادخالاً لها في الحرب الاهلية اللبنانية.

لم تستطع ثورة الخارج استعادة اي مساحة من ارض فلسطين، لكن اهميتها تكمن في استعادة الشخصية الوطنية الفلسطينية والقرار الفلسطيني المستقل وعودة الفلسطينيين الى الحياة السياسية، وذلك بعدما سعت الانظمة العربية لعقود الى مصادرة الشعب الفلسطيني.

كان اقفال الحدود وانتهاء ثورة الخارج من العوامل التي نقلت ثورة الفلسطينيين الى الداخل عبر انتفاضة 1987 وانتفاضة 2000، وأدى ذلك الى عقد اتفاقات اوسلو والاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ليس من المبالغة وصف عقدي الثمانينات والتسعينات والسنوات الخمس الأولى من القرن الحادي والعشرين بأنها سنوات الانحدار العربي وتآكل المشروع القومي وسيادة الانقسامات العربية والحروب الأهلية وانحلال الدول وبروز العصبيات والطائفيات والعشائريات بديلاً من الدولة.

ورغم وهج حرب تشرين الأول 1973، اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 مما أدى إلى احتلال اول عاصمة عربية، وأتى غزو العراق للكويت عام 1990 ليعيد الاستعمار العسكري مجدداً إلى الأرض العربية.

أما إسرائيل فتمكنت من توقيع اتفاقات صلح رسمي مع بعض الدول العربية ومن اختراق أقطار أخرى بشكل غير مباشر، واحتلت الولايات المتحدة الأميركية العراق فانتهى موقعه كدولة أساسية ودخل نفق الصراعات الأهلية.

ورغم الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية، استمر الصراع في أعلى ذروته، وتصاعدت معاناة الشعب الفلسطيني في ظل رفض اسرائيل الاعتراف بحقوقه وانسحابها من الأراضي المحتلة على 1967.

هكذا يقدم لنا الكاتبان بانوراما عربية على امتداد مئة عام، تشي هذه اللوحة في محطاتها الأخيرة بالصعوبات الهائلة التي تواجه العالم العربي في جميع المجالات، بحيث يصبح سؤال ما معنى "أن تكون عربياً" سؤالاً وجودياً بكل معنى الكلمة.




تابعونا على فيسبوك