فيلسوف شديد التوجس

مقايسات المرارة لسيوران

الخميس 02 فبراير 2006 - 10:17
سيوران

لماذا يجب أن نقرأ سيوران؟ لماذا سيوران بالذات؟ من جهة أخرى لماذا نقرأ؟ نقرأ كي نعثر على أنفسنا، كي نعثر على صورتنا لدى الآخر، أيضا، الذي يقرأ يجد نفسه فيما يقرأه إذن، يجب أن نقرأ سيوران، عاشق الحياة، الحياة التي لا يمكن فهمها إلا كسراب
سيوران المبتهج


سيوران الفيلسوف لا يمكن ان يكتب إلا بالشظايا، بالشذرات، بالمزق المتناثرة في كل اتجاه، وخاصة في اتجاه السقوط، في اتجاه الكينونة الوحيد منذ البداية.

اختار سيوران أن يواجه سقوطه، وأن يتلمسه، أن يتحسسه، وذلك بالكتابة الساخرة، والمدمرة أيضا، الكتابة التي هي بالنسبة إليه طريق إلى اللاكتابة، الكتابة التي هي آخر ملجأ للإنسان، الإنسان حسب سيوران كذبة كبيرة لا يعلن عن موته كما فعل آخرون، الكتابة التي هي في الأخير نوع من التحايل على الحياة، الحياة التي تدفع إلى الموت، الحياة التي تنهض من الموت، ومن الرماد ايضا.

إنه سيوران، الكاتب المقذوف بعيدا في متاهة النسيان، الكاتب الأكثر حرصا على الإقامة في الظل، سيد المفارقة، الأقرب إلى قدر ـ الرجل الملعون ـ وهو القدر الذي اختار مواجهته وتحمل أعباءه.

أليس هو من يرى أن الكتابة التي لا تقوض نفسها بعد أن تقوض كل شيء ليست سوى العبث ذاته.

تماهى سيوران مع ما يكتبه، كما تماهى مع ما كتبه أولئك الذين اعتبرهم يملكون الحقيقة، الحقيقة؟ وجدها لدى شكسبير مثلاقارن نفسه بماكبث.

بل ذهب الى أبعد من ذلك، ماكبث سرق منه أفكاره والأغرب من ذلك أنه قرر ذات يوم وكان يعد كتابا عن القديسين ألا يتحدث إلا مع شكسبير .

يقول كريستيان بوشارد : كان سيوران جالسا ذات يوم في مقهى، فاقترب منه أحد أساتذة الرياضة وسأله إن كان يسمح له بالجلوس إلى جانبه، فصاح في وجهه سيوران : ومن أنت؟ هل أنت شكسبير؟ فأجابه الأستاذ مذهولا : طبعا لا، وأنت تعرف ذلك قال سيوران : كيف؟ أنت لست شكسبير؟ إذن فلتذهب إلى الجحيم.

وما كان من الأستاذ إلا أن نجا بنفسه مرددا في كل مكان أن سيوران قد جن من دون شك
يقول : إذا حزنت مرة دونما سبب، فثق أنك كنت حزينا طيلة حياتك من دون أن تعرف، ولد إميل سيوران في الثامن من ابريل شباط عام 1911 في قرية رازيناري في رومانيا.

وفي حوار له مع ميخائيل جاكوب يتحدث عن طفولته فيقول : ولدت في قرية رازيناري القريبة من الجبال، كنت ابلغ العاشرة من العمر يوم غادرتها للالتحاق بثانوية سيبر .

لن انسى أبداً ذلك اليوم أو تلك الساعة التي اصطحبني فيها أبي واستأجرنا عربة يجرها حصان، بكيت طيلة الوقت، كان لدي الإحساس بأن أيامي السعيدة انقضت، كانت لهذه القرية الجبلية بالنسبة للطفل الذي كنت فوائد جمة : قبل الفطور كان بإمكاني أن أضيع حتى منتصف النهار ثم أعود للبيت لأضيع بعد ذلك تانية حتى المساء، كانت تلك أياما رائعة، أحببت الفلاحين كثيرا، وأكثر من الفلاحين أحببت الرعاة، كنت أكن لهم احتراما خاصا، يوم فرض علي توزيع ذلك العالم، أحسست وكأن شيئا تهشم بداخلي للأبد، بكيت وبكيت، ولن أنسى ذلك أبداً.

اضطر سيوران عام 1921 إلى الرحيل إلى "سيبو"المدينة الكبيرة المجاورة حيث يتجاور الرومانيون والمجريون والألمان، وحيث المعهد الثانوي وحيث أصبح والده رئيس كنيسة
عاش سيوران بذلك لحظة اقتلاع الجذور لم تغادره بصماتها بعد ذلك طيلة حياته ولم يخفف من وطأة ذلك أنه أحب مدينته الجديدة وتعلق بمعمارها القروسطي وألف سكانها القادمين من كل الأمكنة.

بعد ذلك بمدة عاش سيوران محنته الثانية والتي ستحدد مجرى حياته كإنسان وككاتب، كان على مشارف العشرين من العمر، كان في عمر لا يسمح بالعيش بين أبوين مختلفين من دون توتر .

يقول متهكما : "ذنب الفلسفة أنها "محتملة"أكثر مما يجب بعد انتقال سيوران الى سيبو بسبع سنوات، اضطر للرحيل الى بوخارست لدراسة الفلسفة.

هناك عرف أول أعراض المرض الذي سيصاحبه إلى النهاية، والذي سيغير نظرته إلى كل شيء : مرض الأرق، فقدان نعمة النوم، وعانى جراء ذلك حتى فكر في الانتحار إلا أنه سرعان ما وجد الحل : العمل بنصيحة نيتشه : "ألا نتعلم في ليلة بيضاء واحدة ما قد نتعلمه في سنة كاملة من النوم؟".

كان في الثانية والعشرين، في تلك الفترة ألف باللغة الرومانية كتابه الأول "على ذرى اليأس"الذي نشره عام 1934 .

انتقل سيوران إلى برلين حيث أقام فترة للدراسة، ثم تفرغ إلى تدريس الفلسفة بمعهد براسوف بين عامي 1936 و1937 .

كان قد نشر العديد من المقالات في مجالات مختلفة، وظهر كتابه الثاني باللغة الرومانية أيضا "كتاب الخدع"وسرعان ما اعتبره الكثيرون أحد الوجوه الواعدة في الأدب الروماني الشاب إلى جانب أوجين يونسكو ومرسيا إلياد .

في نهاية عام 1937 وقبل اسابيع من صدور كتابه الثالث بالرومانية "دموع وقديسون«، حصل على منحة من معهد بوخارست الفرنسي لإعداد أطروحة في الفلسفة بباريس فارتحل على الفور، هناك تخلى عن كل شيء وتفرغ للمطالعة بعمق، والتيه في الشوارع والتجوال على متن دراجة في الأرياف الفرنسية، مواصلا التأليف بالرومانية، وأثمر ذلك كتابه الرابع والأخير في لغته الأم "غروب الأفكار"والذي نشره في العام 1938 .

إلا أن الليالي الطويلة التي قضاها يجوب الشوارع والأزقة المعتمة افضت شيئا فشيئا إلى يقين موجع : من الأفضل أن يكون المرء مؤلف أوبريت على أن يكون صاحب ستة كتب في لغة لا يفهمها أحد .

يقول : "لا يستطيع أحد أن يحرس عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضا"هكذا أخذ سيوران طريق تحوله الجديد، وذلك بالخروج من لغة إلى لغة، مع ما يعني ذلك من إحساس بالغربة والتمزق لن يفارقه مدى الحياة.

يقول سيوران : إنه قرر التحول إلى الكتابة بالفرنسية أثناء محاولته ترجمة مالارميه الى الرومانية.

في عام 1947 عرض سيوران على دار غاليمار مخطوط كتابه "رسالة في التحلل"
قوبل الكتاب بحفاوة نقدية إلا أن التوزيع كان محددا جدا .

وظلت تلك حال كتب سيوران طيلة ثلاثين عاما، كان الأمر مفهوما فهو على النقيض تماما من مارتر الذي كان أيامها سيد المشهد.

لم يؤمن سيوران بالشارع أو بالرأي العام، كما عزف عن المشاركة في الحياة الجماعية، كان دائما شديد التوجس.

في عام 1965 صدر كتاب "رسالة في التحلل"واكتشف الجيل الجديد "مقايسات المرارة"و"غواية الوجود"وآخرها كتاب "اعترافات ولعنات"المنشور عام 1988 وتوالت الترجمات إلى الألمانية والإنجليزية والإسبانية.

يكتب : "الرغبة في الموت كانت همي الأوحد والوحيد، في سبيله ضحيت بكل شيء، حتى بالموت«، على الرغم من كل ذلك، لم يطرأ أي تغيير على سيوران، ذلك الفيلسوف الذاهب بالعدم إلى أقصاه.

ظل سيوران يمتنع عن الظهور مكتفياً بالكتابة، حافراً في الاتجاه نفسه لكن ماذا يستطيع الكاتب أمام التكريس، وخاصة أمام الموت، هو الذي كان أسطورة بالرغم عنه، وظل يحارب أسطورته بنفسه.

مات إميل سيوران بعد اربعة وثمانين عاما، في العام 1995 في باريس، مات سيوران بعيدا عن قرية طفولته، بعيدا عن رازيناري، بعيدا عن رومانيا.




تابعونا على فيسبوك