المضاربات وراء اشتعال فتيل الغلاء

الأسعار تبقى مرشحة للارتفاع مع اقتراب عيد الأضحى

الإثنين 11 دجنبر 2006 - 15:53

شهدت أسعار الخضر والفواكه ارتفاعا مذهلا، تزامنت مع قرب عيد الأضحى، وفي هذا الإطار تفاجأ العديد من المواطنين ممن قصدوا الأسواق نهاية الأسبوع الماضي

ببلوغ أسعار العديد من الخضر أعلى مستوياتها، في سابقة ذكرتهم بالأسعار التي يجري تداولها في شهر رمضان
جولة في كل أسواق العاصمة الاقتصادية، منها تلك الواقعة في الأحياء الشعبية أو في المناطق الراقية تجعلنا نقف على ارتفاع غير منطقي في أسعار بعض الخضر التي تحتاجها العائلات، مقارنة مع القدرة الشرائية للمستهلك العادي
إلا أنه، أمام زخم الحياة اليومية ومشاغلها الكثيرة، المستهلك البسيط يرى نفسه مضطرا لاقتناء حاجياته والتعايش مع ارتفاع أسعار الخضر والفواكه، رغم معاناته مع صعوبة العيش والغلاء
وتعددت أسباب هذا الالتهاب للأسعار الخضر والفواكه، كما تعددت تفسيرات المواطنين لها، فمنهم من أرجعها إلى قلة الأمطار ومنهم من أرجعها إلى تحكم أسواق الجملة في الأسعار في ظل نقص الرقابة، وآخرون أرجعوها إلى اقتحام السوق من قبل أناس لا يهمهم إلا الربح و لو على حساب المواطن، الذي أعيته المشاكل اليومية بدليل أن أسعار هذه المواد تكون منخفضة خلال الأسبوع، لكنها تلتهب في نهاية الأسبوع وخاصة بالأسواق الكبرى
وفي هذا السياق أرجع عدد من تجار الخضر والفواكه بسوق باب مراكش، وسوق العيون بسيدي معروف الأول، وسوق الجملة بالهراويين، أسباب ارتفاع أسعار بعض أصناف الخضر والفواكه إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج لدى الفلاحين، لاسيما أسعار الكهرباء ومياه السقي وبعض أنواع الأسمدة، بالإضافة إلى تساقط الأمطار التي حالت دون جمع الإنتاج الفلاحي في ظروف مناخية متقلبة، إضافة إلى أسعار الخدمة التي بات يفرضها الشباب في عمليات قلع المنتوجات الفلاحية، وهي الأسعار التي تضاعفت بثلاث مرات، على حد تأكيد عدد من المنتجين
وتلعثم عجوز بغضب وهو يستدير بسرعة، ويهرب بخفة رغم سنواته السبعين، عندما سمع بائع الخضار يقول له إن سعر كيلو البطاطس، سيدة المائدة المغربية، يبلغ 6 دارهم، وأنه أحيانا يتجاوز ذلك بكثير، وراح يرفع صوته مستاء وهو في طريق عودته إلى البيت »سنعمل مرقه من التفاح الأميركي، قد تكون أرخص«
كان غضب هذا المواطن السبعيني في سوق باب مراكش بالمدينة القديمة بالدار البيضاء، يعكس حالة الاستياء كذلك التي تعم سكان سوق العيون بالدار البيضاء، إزاء ما شهده من ارتفاع حاد في أسعار الفواكه والخضر خلال الأيام الأخيرة، بسبب إغلاق المنافذ مع تهاطل الأمطار في بعض المناطق من المغرب، نظرا لصعوبة الجني
وساهم في الأمر كذلك بعض صعوبات النقل والتوترات الجوية، التي أدت إلى عدم وصول الخضر والفواكه إليها بالشكل المطلوب وبالكميات الضرورية للاستجابة لطلب المستهلكين
يضاف إلى هذه المبررات مسألة الزيادة في الطلب على أنواع الخضر المغربية في السوق الخارجية لجودتها وسعرها المناسب للقدرة الشرائية الأجنبية
أثارت كلمات الشيخ الغاضب زبائن مزدحمين بباب متجر للخضر والفواكه في منطقة بوركون، وسط العاصمة الاقتصادية، وفتحت لهم باب السخرية المرة والتعليقات، فرد صاحب المحل قائلا »احمد الله اللي لقيتي ما تشري، شوية كلشي غادي يتصدر للخارج وتبقى غير التشها تشوف اللون ديال ماطيشة وما تلقاهش«
وأكد الحاج أحمد صاحب محل لبيع الخضر والفواكه بالجملة في سوق الهراويين، قلة هذه المواد وارتفاع أسعارها بقوله إن »سبب شح الخضر والفواكه وارتفاع أسعارها في الأيام الأخيرة هو غلق منافذ الجني من شدة الوحل، وأيده في ذلك المعطي المزابي، حيث قال إن »السبب يعود لقلة المعروض في سوق الجملة«
وعزا حمودة، وهو بائع مفرد في إحدى البراريك بدرب السلطان قرب سوق الجميعة، سبب ارتفاع الأسعار إلى أن الأيام الحالية يتوقف فيها الإنتاج المحلي بسبب التغيير المناخي مما يؤدي إلى الاعتماد على المستورد وهو بالتأكيد مرتفع الثمن، وأضاف أن هذا يتناقض مع خصوصية كون المغرب بلد فلاحي، وأن أقل ما يمكن الاستفادة منه هو أن يكون سعر الخضر في متناول المستهلك البسيط، وأشار أن عكس ذلك يقع عبء الغلاء على المواطن الذي لا بد من أن يلبي حاجاته المعيشية وأولها الغذاء اليومي
ولكن البائع عبد الرحمان ش
صاحب رحبة في سوق الجملة للخضر والفواكه فأصر أن يلقي باللائمة على تجار الجملة ومضاربتهم وعدم اكتفائهم بالربح البسيط خاصة مع قلة العرض وزيادة الطلب، مما يشجع هؤلاء على فرض الأسعار حسب ما يشتهونه، مستغلين عدم تشديد المراقبة على الأسعار المفروض احترامها لحماية المستهلك العادي، وقال إنه ليس هناك من رقيب ولا حسيب ولا جهاز ينظم العملية ولذلك فالمواطن لم يعد يستغرب أي سعر نضعه على بضاعتنا
من جهته، قلل التاجر علي ط
من السوق نفسه من شأن أزمة الأسعار الحالية، واعتبرها حالة لن تستمر إلا لفترة لا تتجاوز الأسبوع، مضيفا أن العرض سيزداد ويبقى التنافس على الأحسن والأرخص بين تجار الجملة والتقسيط، وأشار إلى ملحوظة مهمة وهي أن الأسعار في عمومها حاليا وفي الموسم الشتوي ستكون أعلى من معدلاتها في الموسم الصيفي
ومن جهته، قال خريشفات، مزارع بضواحي الدار البيضاء، ولقب كذلك لتعاطيه زراعة الخرشف، بكثرة، فيرى أن سبب شح الخضار والفواكه و ارتفاع أسعارها، يرجع إلى تعاطي كبار المزارعين للأنواع المرشحة للتصدير إلى الخارج، مما أدى إلى نذرة المواد على المستوى المحلي، وبالتالي ارتفاع ثمنها
وينتظر المستهلك البسيط أن تتخذ الجهات المعنية إجراءات من أجل القضاء على ارتفاع أسعار الخضروات والفواكه، وإيجاد الحلول اللازمة لتبقى الأسعار مستقرة وفي متناول المواطنين كلهم
وأوضح مصدر مسؤول من سوق الجملة للخضر والفواكه أن هناك مبادرات من أجل زيادة العرض من المنتجات الأساسية، مما سيعمل على تلبية الطلب، مشيرا أن ذلك سيتحقق في الأيام القليلة المقبلة
بالإضافة إلى ذلك سيجري تفعيل مجموعة إجراءات منها تنظيم سوق الخضر والفواكه، مع القضاء على الفوضى التي تعرفها الأسواق الداخلية سواء بالنسبة إلى الخضر والفواكه أو مواد أخرى
وأرجع المصدر نفسه غلاء الأسعار إلى تدخل التجار غير الخاضعين لأي نظام في سلسلة تسويق المنتجات، بحيث يقوم هؤلاء بالتفاوض مباشرة مع الفلاحين وفرض الأسعار التي يودون البيع بها، ليأتي بعد ذلك دور تجار الجملة، هؤلاء الذين لا يتدخلوا في الأسعار، وأشار إلى السلبيات التي يأتي بها عدم تطبيق النصوص التنفيذية الموجودة لمحاربة الأسواق العشوائية التي تزداد انتشارا يوما بعد يوم على مرأى من السلطات العمومية والتي تزيد من حدة المضاربات في أسعار الخضر والفواكه
في هذا الإطار، حذر من تفاقم هذه الظاهرة، حيث هدد بعض تجار التجزئة الذين يشتغلون حاليا في الأسواق المغطاة بالتحول إلى النشاط في الأسواق غير الشرعية عن طريق الشاحنات المتنقلة، إذا لم يتم القضاء على الباعة في الطرقات، حيث يربح هؤلاء ما لا يربحه التجار في الأسواق المغطاة والمجبرين على دفع الضرائب وغيرها من النفقات المكلفة
وتراوح سعر القرعة ما بين 6 و7 دراهم للكيلوغرام الواحد، أما القطين فلا ينزل عن 7 دراهم، في حين بلغ كيلو غرام واحد من اللفت نهاية الأسبوع الماضي 3 دراهم ونصف، أما الطماطم والبصل فتراوح سعر الكيلو غرام الواحد ما بين 3 و4 دراهم ، وهي أسعار مرشحة للزيادة أكثر حسب ما أكّده لنا عدد من التجار الشرعيين والتجار الناشطين في الفضاءات التجارية الفوضوية في مناطق عديدة من العاصمة الاقتصادية، خاصة مع قرابة عيد الأضحى
هناك بعض المهنيين الذين لديهم معطى آخر لتفسير ارتفاع أسعار الخضر والفواكه، ويكمن في بروز الفضاءات التجارية غير الشرعية التي أصبحت تفرض منطقها في الأسعار، خصوصا في كبريات أسواق الجملة
وفي هذا السياق كشف تجار الجملة وعدد من الوسطاء الذين يعملون بطريقة قانونية عن عشرات الشاحنات التي تصطف محملة بمختلف المنتوجات الفلاحية، لتحطّ الرحال كل صباح عند مدخل أسواق الجملة، ويعرض أصحابها سلعهم ويبيعونها وسط مضاربة في الأسعار، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على أسعار الخضر والفواكه عندما يقتنيها المواطن من أسواق التجزئة
من جهته، أشار مسؤول باللجنة الوطنية للخضر والفواكه باتحاد التجار والحرفيين إلى أن ارتفاع تكلفة الإنتاج التي أضحى الفلاح لا يقدر عليها كالأسمدة، حيث فاق سعر القنطار الواحد قدرة المزارع البسيط، فضلا عن ارتفاع أسعار الكهرباء والمازوت
وأدت هذه الأسباب إلى الوصول إلى هذه الأسعار ووضعية يقول عنها المصدر نفسه، أدت إلى عدم مغامرة الفلاحين في استغلال مساحات شاسعة واكتفوا بإنتاج محدود، خصوصا في الخضروات الواسعة الاستهلاك في فصل الشتاء، من ذلك البسباس والجزر واللفت والكرمب والجلبان والفصوليا

أضف إلى كل هذا »أسعار الخدمة«، التي أصبح يفرضها الشباب الذين يمتهنون قلع المنتوجات الفلاحية، حيث زادوا أسعارهم إلى ثلاث مرات عما كان متداولا على الأقل في الموسم الفلاحي الماضي، كما أثرت التقلبات الجوية، التي شهدتها العديد من المناطق في غرب وشمال البلاد، على بعض أصناف منتوجات الخضر، وجعلتها نادرة في الأسواق
كعادتهن تتجمع النساء حول عربات بيع الخضر من أجل اقتناء ما يلزمه لملء القفة فيشكلن حولها حلقات مغلقة، كل واحدة منهن تتسابق للظفر بكيلوغرام أو أكثر من البطاطس في ساحة بوشنتوف قرب شارع الفداء، كونت النساء كعادتهن حلقة حول عربات بيع الخضر من اجل اقتناء ما يلزمه لملء القفة، ويتسابقن للظفر بكيلوغرام أو أكثر من البطاطس
صاحت إحداهن حين سؤالنا لها لماذا يقع الاختيار على البطاطس دون غيرها من الخضروات، »صعب علينا شراء »الكرعة«، و»السلاوي«، حيث يبلغ ثمنهما خمسة دراهم للكيلو غرام الواحد، ولا نقوى إلا على شراء البطاطس، التي ولو أن سعرها ارتفع إلى أنها تشبع أطفالنا

وقالت أخرى إنها أم لخمسة أبناء، ثم حكت بحرقة عن صعوبات تلبية طلبات أفراد أسرتها، وعما يسبب لها ارتفاع أسعار الخضر من حرج يومي أمام زوجها، الذي لا تسعه ظروفه المالية على منحها أكثر من 20 درهما لتحضير أكلة اليوم، وأمام أبنائها، الذين لا يقبلون سوى بوجبة غذاء متكاملة ومتنوعة العناصر، وأضافت أنها غالبا ما تلجأ إلى حيلة لإرضاء قفتها، إذ أنها تضع في كفة الميزان ثلاثة أنواع من الخضر وبذلك تكون أكثر حرصا على تخفيض تكلفة تهيئ المرق وتنويع الوجبة
وارتفاع الأسعار في مواد تعتبر الأكثر استهلاكا تسبب في تذمر واستياء عدد كبير من المواطنين، خاصة دوي الدخل المحدود، وفي ظل تدني القدرة الشرائية والبطالة واتساع رقعة الفقر
وأحس بذلك كل من قصد المحلات التجارية والأسواق الشعبية فعلى سبيل المثال لا الحصر تضاعف سعر البطاطس أكثـر من مرة، حيث وصل إلى 6 دراهم وكان لا يفوق 3 دراهم للكيلو غرام الواحد، في الفترة نفسها من سنوات قليلة ماضية، والشوفلار وصل إلى 5 دراهم للكيلو غرام الواحد بعد أن كان لا يتجاوز 2.5 من قبل
والغريب في الأمر أن بعض أنواع الخضر حققت رقما قياسيا لم يسبق وأن وصلت إليه من قبل، وما يزيد الأمر غرابة هو أننا في بلد ذا طابع فلاحي بالدرجة الأولى




تابعونا على فيسبوك