هيئات وطنية وأجنبية تسجل تراجع ترتيب المغرب

محاربة الرشوة تحتاج إلى برنامج حقيقي ودائم

الجمعة 08 دجنبر 2006 - 16:39

أضحت مقولة "دهن السير يسير" مثل "افتح يا سمسم"، كلمة سحرية بواسطتها تفتح الأبواب وتقضى الحاجات، وتقلب حياة الفرد رأسا على عقب، حين تتوقف حاجة شخص على إمضاء بسيط فلن يتوانى عن دفع"التدويرة" لتسهيل ذلك، وفي هذا الوقت تغيب كل الاعتبارات الأخلاقية والدينية وا

"الدهنة"، أو "الحلاوة"، أو "التدويرة"، أو "القهوة"، أو "السير" وغيرها، كلها مفردات تعني الرشوة.

الآفة التي تنخر الجسد الاجتماعي وتحكم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وتطبع سلوك الفرد في علاقته بمحيطه المجتمعي.

ويؤكد علماء الاجتماع أن انتشار الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ والوساطة، من صور الفساد، الذي يعتبرونه ظاهرة عالمية، إذ ليس هناك مجتمع سواء في الدول المتقدمة أو دول العالم الثالث مستثنى منها.

ومن الصعب أن نتخيل اختفاء الظاهرة بشكل كلي ووجود مجتمع نقي 100 %، ولو توفرت لديه أهم شروط مقاومة الفساد وتحققت له مساحة كبيرة من الديموقراطية والشفافية والمساءلة.

وللرشوة مظاهرمتعددة منها إساءة استغلال السلطة المرتبطة بمنصب معين بهدف تحقيق مصالح شخصية على حساب مصالح عامة، سواء عن طريق التعيين أو الانتخاب.

وحسب الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة فإن هذه الأخيرة غدت خطورتها معترف بها من قبل كافة قطاعات المجتمع بما فيها السلطات العمومية، إلا أن هذا الاعتراف لم يترجم إلى مخطط عمل ملموس وفعال، يمكن من التصدي لجسامة الظاهرة.

وأضاف بيان للجمعية أن مختلف مشاريع محاربة الرشوة تصطدم بالباب المسدود عند التطبيق العملي، مبرزا أن تفعيل إجراءات محاربة الرشوة يتطلب إرادة سياسية قوية والتزاما صارما من أجل وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب وتحييد التدخلات السياسية في شؤون وقضايا الرشوة.

استنادا إلى دراسة أجرتها إحدى الوكالات الأجنبية فإن الرتبة التي احتلها المغرب من بين دول العالم، من حيث تفشي الرشوة، تدعو للقلق، فحسب إحصائيات ترنسبارنسي، المغرب ارتقى من المرتبة 45 سنة 1999 إلى المرتبة 37 سنة 2000 ثم نزل الى 52 سنة 2002 و70 سنة 2003 و77 سنة 2004 و 78 سنة 2005 .

و في سنة 2006، جاء المغرب في المرتبة 79 في سلم الرشوة من بين 163 دولة كما جاء وضعه متراجعا أيضا في سلم الشفافية ووقف على قدم المساواة مع كل من بوركينا فاسو وليسوتو ومولدوفا وترينيداد وتوباغو .

وأفادت المنظمة كذلك أن الأمر لا يدعو إلى التفاؤل ولا يمكن اعتباره ضمانا بأن استحقاقات 2007 المقبلة ستكون نزيهة وسليمة، كما دعت إلى ضبط قضية الرشوة من جميع نواحيها القانونية والاجتماعية والاقتصادية، موضحة أن تفعيل كل النصوص المتوفرة حاليا، مع إصلاح التشريعات، بالإضافة إلى التزام الحكومة والمجتمع بمحاربة الآفة وترجمة الإجراءات المتخذة على أرض الواقع إلى أفعال ملموسة، من شأنه أن يعطي نتائج إيجابية وتسجيل خطوات إلى الأمام في مجال القضاء على الرشوة .

واعتبر أساتذة باحثون أن صدور عدة أحكام مؤخرا في حق نواب اتهموا بالفساد الانتخابي، مؤشر على رغبة المغرب الذي يقول إنه يعيش الانتقال الديموقراطي في إبداء حسن النوايا للقطيعة مع الماضي الذي يقول سياسيون ومراقبون إنه شهد تزويرا لعدد من الانتخابات وبعد أن أصبحت الانتخابات، التشريعية المقبلة على بعد بضعة أشهر.

إلا أن ترانسبيرانسي علقت على الأحكام الصادرة في حق النواب المتهمين بالرشوة، بأنها شيء مهم لكنه غير كاف كتعبير عن القطيعة مع كل أشكال الرشوة والفساد
وحول مشروع إحداث »الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة« ترى ترانسبيرانسي أن إنجاح المشروع يتطلب توفر الهيأة على الاستقلالية اللازمة.

ووضعت المنظمة شرط إيجاد استراتيجية متكاملة تمكن الجهاز من آليات العمل الضرورية هناك أسباب متعددة تقف وراء تفشي آفة الرشوة التي أضحت تجلياتها تلمس في غالبية مجالات الحياة العامة، منها الاقتصادية وغير الاقتصادية.

هناك سيادة ثقافة الخوف والعلاقات الاجتماعية المتخلفة التي تعلو وتسمو على علاقات المواطنة، وهشاشة التنشئة الاجتماعية، وشيوع الأمية والجهل وثقل الثقافة الشعبية.

ويحذر المحللون الاقتصاديون من أن للرشوة انعكاسات جد سلبية على الاقتصاد الوطني، إذ تلعب دورا أساسيا في عرقلة التنمية الاقتصادية من خلال تفعيل القطاع غير المهيكل الذي يضر بالتنمية الوطنية، وعدم تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين لغياب المنافسة الشريفة، وعرقلة توسيع المقاولات المتوسطة والصغرى خصوصا الناشئة منها.

والخطير في هذا وذاك هوتشجيع التهرب الضريبي الذي يكرسه غياب الحس الوطني، الذي يولد بالضرورة هروب الرساميل.

وأكدوا أن للعامل السياسي دوره في هذا الباب، إذ يرون أن توظيف المال يسهم بقوة في مسألة تعطيل مسلسل الديمقراطية وعدم فتح أوراش الإصلاح والتغيير، مع غياب مجتمع المواطنة المبني في ثقافته على أسس المحاسبة والمساءلة والعقاب.

وارتأوا أن الحاجة أصبحت ملحة لتهيئ برنامج حقيقي لتخليق الحياة العامة، كما يؤاخذون الأحزاب السياسية على عدم قيامها بالوظيفة الطبيعية المخولة لها وفق الدستور في التعبئة والتأطير.

وأبرزت دراسة أجريت حول الموضوع أن العامل الاقتصادي يبقى له الدور الكبير في سريان هذه الآفة داخل الجسد الاجتماعي.

ذلك أن هيمنة اقتصاد الريع والاقتصاد غير المهيكل بنسبة مهولة جدا خاصة في شمال وجنوب المملكة المغربية فضلا عن ضعف الأجور، شكلت محددات أساسية في انتشار الرشوة داخل مختلف مجالات الحياة العامة.

ويقترح المتخصصون والأساتذة الباحثون في علم الاجتماع أن محاربة الرشوة تتحقق بتبني إصلاحات ذات طبيعة بنيوية في مختلف المجالات والميادين على الصعيد المؤسساتي والقانوني كإصلاح العدالة، وإعداد قانون لمحاربة الرشوة باستشارة وتشاور مع المنظمات غير الحكومية والمختصين، وتفعيل إجراءات القانون المتعلقة بالتصريح بالممتلكات مع توسيع تطبيقه ليطال موظفي الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وكل الأشخاص الممارسين لمهمة عمومية أو مسؤولية إدارية.




تابعونا على فيسبوك