رد الشاعر الكبير أدونيس على سؤال كان قد طرحه عليه صديقه الراحل هشام شرابي فقال في ذكرى غياب شرابي السنوية الأولى مجيبا عن السؤال بقوله ان لون تاريخنا العربي هو لون الدم.
وقال ادونيس مستعيدا بعض أحاديثه مع شرابي الأكاديمي ورجل الفكر الفلسطيني أنه مرة روى له بعض ما جاء في المأثور التاريخي ومؤداه أن بلقيس الملكة سألت سليمان الحكيم حين التقته سؤالا هو "ما لون الرب.
" أضاف أدونيس يقول "لا نعرف جواب سليمان أو أنه لم يجب ولا نعرف إن كانت بلقيس سألته لتمتحنه أم لأمر آخر" وقال أدونيس إن شرابي بادره قائلا "ما لون عصرنا العربي" وكان أدونيس يلقي كلمة في ذكرى صديقه ورفيقه لسنوات طويلة في الحزب السوري القومي الاجتماعي قبل أن يفترقا عنه وذلك في احتفال أقيم في الذكرى السنوية الأولى لرحيل شرابي دعت إليه "مؤسسة سعادة للثقافة" و"اللقاء الثقافي الفلسطيني" و"دار نلسن للنشر" وجرى برعاية رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة الذي مثله وزير الثقافة طارق متري والقى كلمة في احتفال اقيم في "قصر الأونيسكو".
الشاعر والصحافي نصري الصايغ قدم المتكلمين ممهدا للتقديم بكلمة وجدانية مؤثرة عن الفلسطيني الذي يعود دائما ولا يعود استهل الاحتفال بالنشيد الوطني اللبناني وتبعه شريط وثائقي قصير عن حياة شرابي.
ولد الدكتور شرابي سنة 1927 في يافا في فلسطين ونشأ وترعرع في عكا ودرس في مدارس الفرندز في رام الله بفلسطين، تخرج شرابي من الجامعة الأميركية في بيروت بإجازة في الفلسفة في يونيو سنة 1947.
وقد التحق عام 1946 بالحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه أنطوان سعادة
كان لإعدام سعادة في يوليوز سنة 1949 في محاكمة استغرقت ساعات ووصفت بأنها عملية اغتيال ثم إعدام ستة شبان من رفاقه.
في نفس شرابي أثر كبير رافقه طوال حياته وجاء كما يقول البعض تكملة لفجيعته بخسارة فلسطين قبل ذلك نال شرابي الدكتوراه في التاريخ من جامعة شيكاغو الأميركية سنة 1953 وعمل استاذا محاضرا في جامعة جورج تاون في واشنطن منذ سنة 1953 وشغل فيها كرسي عمر المختار للحضارة العربية واستمر أستاذا فخريا فيها حتى وفاته سنة 2005 .
حرر فصلية "الدراسات الفلسطينية" وترأس المركز الفلسطيني للدراسات السياسية منذ تأسيسه في العام 1990 وقد اسس مجلس ادارة صندوق القدس في واشنطن وترأسه منذ عام 1977 .
شارك في أنشطة "مؤسسة سعادة" في بيروت منذ عام 2000 له مؤلفات منها "النظام الأبوي" و"المثقفون العرب والغرب" و"النقد الحضاري للمجتمع العربي" و"مقدمات لدراسة المجتمع العربي" و"الجمر والرماد" و"أزمة المثقفين العرب" و"نصوص ومقالات في القضية الفلسطينية" وغير ذلك.
بين الذين حضروا الاحتفال عدد من النواب والوزراء السابقين ومن رجال الصحافة والفكر وبينهم في شكل خاص غسان تويني صديق شرابي ورفيقه ايضا في الحزب لسنوات والصحافي الكبير والدبلوماسي والوزير السابق والنائب المنتخب حاليا تويني الذي يكنى الآن "أبا الشهيد" بعد أن فقد نجله الصحافي والنائب جبران تويني الذي اغتيل في سيارة ملغومة واحتفل بذكراه الأربعين الاسبوع الماضي.
قرر الآن بشجاعة وصبر "رواقيين" أن يخلف ابنه في البرلمان اللبناني ففاز بالتزكية إذ كان هناك إجماع على الرجل صاحب الحكمة الذي لم يعد له أحد من أفراد عائلته سوى حفيداته الأربع، بنات جبران وهن صبيتان وطفلتان توأمان، اول المتكلمين كان علي غندور رئيس مؤسسة سعادة للثقافة الذي تحدث عن "شرابي المتفاعل مع الثقافة الأميركية من دون الذوبان فيها كما فعل الكثيرون.
والمثقف الملتزم قضايا مجتمعه العربي" وعن شعوره بالاحباط لاستنتاجه "إن المثقفين في المجتمع العربي يريدون ايصال الحقيقة إلى ذوي السلطة وهؤلاء يرفضونها فهم لا يريدون حقيقة المثقفين ولا فلسفتهم بل ولاءهم الشخصي" اما كلمة الدكتور أنيس صايغ رئيس اللقاء الثقافي الفلسطيني فقد القاها عنه سليمان بختي لأن متفجرات اسرائيلية استهدفت الصايغ أدت إلى تأثير سلبي في نظره.
مما قاله إنه يرى في هشام شرابي "بحرا واسعا وكبيرا فهو كالبحر تغوص فيه وتغوص
تهبط إلى أعماقه فلا تغرق ولا تصل إلى قاع وكلما أطلت المكوث أو تماديت في الهبوط تملكتك الرغبة في الاستمرار.
إنه شعور التوق إلى التعرف والمعرفة وما اكثر معارف هشام وما أغناها، كلمة الدكتور كلوفيس مقصود الذي حال طارىء صحي دون قدومه من الولايات المتحدة ألقاها عنه الأكاديمي اللبناني المغترب الدكتور عاطف قبرصي.
جاء في الكلمة "نستحضر ما تعنيه تجربة هشام شرابي ومساهماته في ثقافتنا النهضوية وتحريضه لنا جميعا وسط حالات التردي والإحباط على الأمل والتفاؤل وإذ نتناول في هذه اللحظة عطاءات هشام شرابي الفكرية نفعل ذلك لكونه أرسى لنا مرجعية منيرة نحن بأشد الحاجة اليها في الظروف الحالية لهذه الحقبة المفصلية من تاريخ أمتنا" أضاف متحدثا عن أبرز أكاديميين ورجلي فكر عربيين في الولايات المتحدة في هذه المرحلة فقال إن هشام كان "مغتربا جغرافيا لكنه بقي منغمسا في أرض وطنه ومعاناة شعبه مما جعله كما كانت حال ادوارد سعيد خارج المكان ولكن دائما في المكان أي في أفقه العربي الأوسع يأخذ منه ويعطيه.
وإذ يحتضن لبنان أمثال هشام شرابي وادوارد سعيد ليكون مثواهما الأخير في لبنان عندئذ ندرك المعنى الأسمى إن كلا منهما كان وسوف يبقى في ذاكرة الأمة يحرضان على استئناف الفكر النهضوي.
"بعده تكلم البروفسور مايكل هدسون زميل هشام في جامعة جورج تاون فتحدث عنه قائلا "منذ رحيل هشام ونحن نفتقده كنموذج للعربي المفكر، كان العربي الوحيد الذي نقل بوضوح المعاناة العربية وعكس مبادئه السياسية في حياته الشخصية وليس فقط في كتاباته.
كان هشام شرابي بطل الكثير من النساء والرجال الذين عرفوه وكان صوتا للدفاع عن حرية الإنسان"، وزير الثقافة طارق متري الذي كانت كلمته الأخيرة قبل كلمة العائلة التي جاءت في شكل رسالة من ابنة هشام ناديا شرابي شهابي.
تحدث عن هشام وهجرته وانشغالاته الكثيرة وكيف عاش تجربة استثنائية "ستؤثر في مجرى حياته إذ يمضي ستة أشهر إلى جانب أنطوان سعادة كانت الأخيرة قبل اعدامه"، قبلهما تكلم الشاعر أدونيس فتحدث عن صداقته مع شرابي واستذكر ما جذبه وجذب شرابي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي فلخص ذلك في ثلاث نقاط فكرية
الأولى "هي العلمنة لكي يمكن التأسيس لمجتمع مدني" والثانية هي "السلالة التاريخية لكي يمكن ان نتخطى الانتماءات العرقية وما قد يرتبط بها من الممارسات العنصرية"، والفكرة الثالثة هي "الخلاسية الحضارية توكيدا على التعدد والتنوع والاختلاف وعلى الانفتاح الخلاق والتفاؤل السمح"، وقال "كانت صداقتنا تنمو وتتعمق في المناخ الثقافي الذي تخلقه هذه الأفكار أو توحي به.
هكذا كانت أفكارنا تتنوع حتى التضاد، أحيانا في قضايا كثيرة ترتبط بنشاط الحزب وأفكار انطوان سعادة ومفهوماته. كان كل منا يصغي إلى الآخر من غير ان يتهمه بالانحراف او يخونه كما كانت العادة جارية"، وختم ادونيس مخاطبا صديقه الغائب "وما هذه اللحظة التي تجمعنا الآن في هذا الليل الشامل الذي يلف الخريطة العربية.
شخصيا أكرر ما قاله سقراط مرة "الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني لا أعرف شيئا
أو فلنقل بصيغة أخرى أقل تشاؤما من يقدر أن يتكلم لا يعرف ومن يعرف لا يقدر أن يتكلم" إنه عصرنا وها أنت تخترقه قبلي وتدخل في ذلك العالم الذي لا عودة منه والذي ذقنا طعمه الفاجع في كلام جلجامش قبل آلاف السنين، إنه عصر ضياع وشقاء قد لا يكون لهما مثيل ومع ذلك عشناه وفكرنا فيه وأحببنا وكتبنا واحتضناه بصفته مقدمة للأمل والاستبصار حتى ونحن غارقون في رماده.
(رويترز).