ساهمت الظروف العائلية التي مرت يها لطيفة قبلي، وتحملها منذ صغر سنها، لمسؤولية رعاية والتكفل بشقيقها الذي يعاني إعاقة ذهنية، في أن تصبح فاعلة جمعوية، وناشطة في مجال الدفاع عن حق الشخص المعاق في حياة كريمة ومندمجة، دون إقصاء أو تهميش.
وظل اهتمام لطيفة قبلي بشقيقها متواصلا من مرحلة ما قبل زواجها وإلى ما بعده، رغم بلوغه من العمر 46 سنة، لما يعانيه من صعوبات في تنفيذ أبسط احتياجاته اليومية، التي يتسبب له فيها عيب خلقي في الصبغي 21، ما دفع بها إلى الحرص على مساعدته، وإيلائه كل اهتمامها وتعاطفها، ومرافقته عند الطبيب، ومده بالأدوية التي يحتاجها في حينها، إلى أن تحول اهتمامها في ما بعد إلى تعاطف واسع مع المعاقين ذهنيا، ومنه إلى انشغال بهموم جميع الأشخاص الذين يعانون إعاقة جسدية أو ذهنية.
وتمكنت لطيفة بعد مرور سنين عديدة من قربها من شقيقها، من مراكمة خبرة وتجربة في كيفية التعامل مع الأشخاص الذين يعانون إعاقة ذهنية، فأصبح بمستطاعها التمييز بين الأسلوب السليم والخاطئ في التعامل معهم، إذ سلكت طريقة مغايرة لما كانت تنهجه والدتها في رعاية أخيها، التي كانت تبالغ في النيابة عنه في تنفيذ حاجياته الشخصية، من فرط حبها له وخوفها عليه من عجزه.
فتوصلت لطيفة إلى أنه بإمكان الشخص المعاق ذهنيا، أن يحسن من جودة حياته، والاندماج مع باقي أفراد أسرته من الأصحاء، من خلال تعليمه أصول الاعتماد على النفس وعدم التواكل على الآخرين، وتقبل ما يحدث في البيت من مسرات وأتراح، حتى لا تهتز نفسيته لأبسط الأحداث.
وزاد لدى لطيفة الشعور بالتعاطف والاهتمام بالأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، حين رزقت بمولود سنة 1988، يحمل الإعاقة نفسها التي يعانيها شقيقها، فمرت من أزمات نفسية، لكن سرعان ما تجاوزتها بعد أن قررت حينها بكل عزم، البحث عن جميع سبل شروط الحياة المريحة، والمناسبة لهذه الفئة من أفراد المجتمع، فاهتدت إلى تأسيس جمعية تعنى بمساعدة الأطفال الذين يعانون خلالا خلقيا في الصبغي 21، الذين يعرفون لدى أكثر الأشخاص بـ "المنغوليين" على الإندماج وسط باقي أفراد المجتمع الأسوياء، وتمكينهم من أبسط شروط الإحساس بالحياة، فاختارت لها من الأسماء، "جمعية اليسر".
لكن قبل أن تتمكن من ترجمة فكرتها على أرض الواقع، عزمت على التفرغ لمشروعها، فقدمت استقالتها من العمل، إذ كانت مكلفة إدارية في إحدى الشركات الخاصة بمدينة الدار البيضاء، وساعدها على هذا القرار ظروفها المادية، وزوجها الذي تفهم حاجة الإبن محمد لرعايتها، فساعدها على فتح المجال لأطفال آخرين ليستفيدوا مما راكمته من تجربة.
ووعيا منها بأهمية إدماج هذه الفئة وسط الأصحاء، وظفت حنكتها في التواصل، وقدرتها على إقناع الآخرين بمشروعها، في الحصول على مقررئيسي للجمعية في جناح داخل مدرسة ابتدائية عمومية بحي النخيل في الدار البيضاء، وهو مركز للتربية الخاصة بالأطفال المعاقين ذهنيا، يشرف عليها مدير للتعليم الأولي متقاعد، ومفتش تربوي للتربية الوطنية متقاعد، إلى جانب مربيات متخصصات في التعليم، وأخريات مكلفات بحراسة ونظافة هذه الفئة من الأطفال.
فساعدها تأسيس الجمعية على تعميم تجربتها على الآباء والأمهات اللواتي يجدن صعوبة في التعامل مع أطفالهن المعاقين ذهنيا، وإقناع الأسر المعنية بعدم التخلي عن أطفالها المصابين، وتكثيف مساعدتها لهم لتحسين جودة حياتهم، ما دفعا بالتفكير إلى فتح مركز بواد مرزغ، حيث يفتح مرتين في الأسبوع للاستماع لأباء وأمهات الأطفال المصابين بإعاقة ذهنية، يضم متخصصين في الترويض الطبي، تكلفت كتابة الدولة للأسرة والطفولة والأشخاص المعاقين، بمنح الجمعية مختلف الآلات التي يحتاجها الطفل المعاق ذهنيا في هذا المجال، وتقويم النطق، كما تضم الجمعية متخصصين في العلاج النفسي، ومؤطري ورشات الرسم و حصص الموسيقى والألعاب الرياضية.
ووظفت لطيفة قبلي ما اكتسبته من مهارة وخبرة في التعامل مع هذه الفئة، ففتحت أبواب جمعية اليسر، الكائن مقرها الرئيسي في حي النخيل، لبعض الأطفال الذين يعانون إعاقة ذهنية، وتمكنت من تحقيق نتائج ايجابية في مساعدتهم وأمهاتهم، على تجاوز الصعوبات التي تواجههم في الحركة والنطق والسمع، دون أن تتوقف عن البحث عن أساليب جديدة توصل إليها باحثون أجانب بهذا الخصوص، سواء عبر تقليب الكتب والإبحار عبر الأنترنيت، أو من خلال استشارة الخبراء والأطباء المتخصصين، أجانب ومغاربة.
وتركز لطيفة في عملها مع هذه الفئة من الأطفال، على تعليمهم مبادئ الإعتماد على النفس في أداء حاجياتهم اليومية، بكل استقلالية عن الآخرين، في ما يتعلق بنظافتهم الشخصية، والأكل والذهاب إلى المرحاض، وارتداء الملابس، وحتى تهيئ بعض الأكلات الخفيفة، وترتيب غرفة النوم وغيرها.
كما أنها تهتم شديد الإهتمام بالأنشطة الرياضية لأنها تساعد على بناء جسد الطفل المصاب بخلل في الصبغي 21، وتساعده على محاربة السمنة، وتقوي عضلاته ليستطيع المشي مبكرا.
قطع أحرج المراحل وأعقدها في التكوين الجسمي والعقلي وتستحضر دائما الخطوات التي سلكتها، قبل تأسيس جمعية اليسر، قي تعليم ابنها محمد المشي على الرمل، والصعود في السلالم، عوضا عن استعمال المصعد، وكيف كانت تدربه على النطق والتعبير عن أفكاره وأحاسيسه، والتمييز بين الأصوات، لتيسير إندماجه بين إخوته، فتمكن بعد تكرار التدريبات، من تجاوز سلبيات إعاقته الذهنية، فنطق الكلمات في سن مبكرة، ومشى بسهولة.
في هذه الفترة، انطلقت لطيفة من بيتها في العمل الجمعوي، حيث كانت تعلم الإبن طريقة الأكل والمشي والنطق، ونظافته الشخصية، وكيفية التعامل مع الآخرين وتحيتهم، تلاه انخراطه في نادي لكرة السلة لتقوية بنيته الجسمية، لتفادي وقوعه في السمنة التي يشتكي منها أغلب المرضى.
تفتخر لطيفة بتجربتها الجمعوية، وتعتبرها محاولة لتكسير الطابوهات، وتمردا على الوضع والتصرفات التي كانت تقدم عليها بعض الأمهات، من خفي الإبن المصاب والحكم المسبق للأباء عليهم، من خلال تشجيعها على تعليمهم بما يتوافق وخصوصيتهم الجسدية والعقلية.