الأرض مازالت تميد تحت أقدام سكان حارة احسيسن بطنحة

سكان يبيتون في العراء والأمطار بريئة من الكارثة

الأربعاء 29 نونبر 2006 - 14:00

روبورتاج

بدت حارة احسيسن التي أنشئت منازلها على ربوة بمدينة طنجة، صباح أمس الثلاثاء، أشبه بممرات شوارع مدينة الحسيمة التي كان الزلزال دمرها في فبراير من العام 2004

سائق سيارة الأجرة الصغيرة الذي أقلنا من محطة القطار في صباح باكر، قال ردا على سؤال حول سعر العقار في طنجة ضاحكا "الأرض صارت أغلى من الذهب في هذه المدينة والمضاربون العقاريون ألهبوا الأسعار منذ سنوات والحصول على سكن في طنجة صار من باب المستحيلات".

أما حادث انهيار منازل بحومة احسيسن فمرشح للمزيد من التفاعلات.
السائق ابن المدينة، ظل طول الطريق ينتقد الامتداد العمراني للمدينة على حساب الهوامش وقلة التجهيزات الأساسية، وقال إن سكان طنجة يطلقون على حي احسيسن بـ "حومة ربع ساعة" كناية على السرعة المفرطة التي ميزت بناء المنازل في المنطقة بشكل عشوائي.

ترجلنا من السيارة لنجتاز بركة مياه آسنة قرب محطة وقوف حافلات النقل الحضري أمام مقر قديم لمفوضية الشرطة من طابق واحد، يسارا تتراءى المنازل منحرفة باتجاه حافة"وادي اليهود" كما طفق السكان هنا يسمون مجرى مائيا يفصل بين تلين شيدت على أحدهما منازل باذخة.

أطلال منازل كانت هنا

ارتقينا منحدرا فوق ارض طينية لزجة، ثمة حفرة كبيرة أنشئت على عمق أمتار ومياه الأمطار التي تجمعت فيها شكلت بركة كبيرة.

المشروع يعود إلى الجماعة الحضرية لمدينة طنجة، واليافطة المعلقة حوله تفيد بأنه يتعلق ببناء مجمع سكني كان من المقرر أن تنجزه شركة "تريسنتوس" الإسبانية ويشرف عليه المهندس المعماري محمد خمليشي، في حين يتكفل مكتب الدراسات والخرسانة لصاحبه نبيل الخمليشي بمهمة الدراسات التقنية.

في الأعلى اجتمع حشد من الناس ضمنهم صبية لم يذهبوا إلى المدارس يوم أمس، رجال السلطة المحلية مازالوا يحصون السكان المتضرريين، وكلما تقدمنا باتجاه قمة الهضبة إلا وصادفنا منازل مائلة، كأن المكان هنا تعرض لقصف صاروخي.

رأينا أثاثا مبعثرا في جنبات غرف منازل بها شقوق كبيرة، في الوسط شكلت جدران المنازل المنهارة كومة إسمنت كبيرة ورجال الوقاية المدنية لا يكفون عن تحذير المواطنيين من مغبة دخول منازل محددة، ويقولون إن تساقطات مطرية صغيرة ستجرف معها الحي المقام فوق تربة لزجة منذ أزيد من أربعين سنة.

زروق عبد السلام، صاحب منزل قال إنه بناه بعرق جبينه، وعلى مراحل متقطعة أملا في أن يوفر لأبنائه الثمانية قبر الحياة، يعمل عبد السلام في إصلاح الأفرنة.

يتهم هذا الرجل مع مجموعة سكان آخرين المقاولة الإسبانية بشكل مباشر، وقال إن الأشغال التي بوشرت من طرف الشركة قبل ثلاثة أشهر خلت لإنجاز حفرة بعمق 18 مترا وإزالة الصخور والأحجار هي السبب في الكارثة.

أصر عبد السلام على اقتيادنا إلى زاوية حيث يظهر فيها فالق كبير للعيان، ويعتبر هذا الرجل أن أعمال الحفر جرت بطريقة عشوائية، وقال جاره أحمد بودريك الذي يعمل بحارا إنه فقد منزله عقب الانهيار وأن الأواني والأثاث كله تعرض للتلف وضرب كفا بآخر، ثم قال "لقد زارنا الوالي محمد حصاد وتفقد المكان ووعدنا خيرا، وقال لنا إن السلطات ستدفع للأسر المتضررة سعر كراء منزل آخر لمدة ستة أشهر بسومة تصل إلى مبلغ 15000 درهم في انتظار إيجاد حل مع الشركة المتسببة في الأضرار".

امرأة طاعنة في السن كانت تتحدث بشجاعة إلى جيرانها وقالت "والله ميعوضونا لاتفارقنا معاهم، على بغاو يديونا للحبس فباسم الله".

ليؤيدها جيرانها مؤكدين لـ "المغربية" أنهم سيظلون متضامنين في ما بينهم سواء الذين دمرت منازلهم بالكامل أو أولئك الذين تعرضت مساكنهم لتصدعات وتشققات تكبر باستمرار منذرة بإمكانية حدوث كارثة لاقدر الله، إذا لم تتدخل السلطات بشكل استعجالي لحل المشكلة.

منكوبو زنقة مولاي الحسن

تحلق سكان زنقة مولاي الحسن بحارة احسيسن حولنا وطفقوا يتحدثون عن هذا الحي الذي يعود تاريخه إلى أزيد من نصف قرن، وكيف أن السكان كانوا يعانون شظف العيش المقرون بالسكينة، قبل أن تطارهم الكارثة منذ أشهر.

"منذ شهر شعبان بدأت الشقوق تظهر في المنازل وكل صباح كنا نجد تصدعا جديدا والقديمة يزداد حجم اتساعها، ذهبنا إلى العمالة وبعدها الولاية وشكونا أمرنا إليهم ودعونا إلى إيقاف الأشغال التي تباشرها الشركة الإسبانية، لكن لم يلتفت أحد إلى تحذيراتنا وها قد وقعت الكارثة" يقول أحد سكان حومة احسيسن بصوت متهدج والدموع تنهمر من عينيه.

يعمل أحمد بوريك بحارا وهو أب لأربعة أطفال، يؤكد هذا الرجل أن أغلب المتضررين يأخذون وعود الوالي حصاد على محمل الجد، وقال "حتى لو كنا في إسرائيل سيلتفت إلينا ويتم على الأقل نقلنا إلى إحدى المستوطنات وإعادة إيوائنا عوض تركنا نبيت في العراء".

سألنا عن عدد الأسر المتضررة فقيل إن العشرات من السكان قضوا ليالي في العراء بعد حادث انهيار منازلهم جراء انجراف التربة.

بين ركام المنازل توجد أفرشة متربة وألعاب أطفال وكراريس مدرسية ومتعلقات شخصية

مصطفى الذي يقطن مع أسرته الممتدة في منزل مكون من ثلاثة طوابق قادنا لنجري"معاينة ميدانية" ونطلع على حجم الأضرار التي لحقت منزله الذي هجره سكانه منذ الكارثة.

مررنا بغرف بها تصدعات كبيرة والشقوق حولت هذا المنزل إلى بيت واهن مثل بيت عنكبوت، في السطح تظهر حارة احسيسن، وكأنها خرجت لتوها من غارة جوية
هناك من سطح هذا المنزل المشيد فوق منحدر والمكون من ثلاثة طوابق يتراءى حي "كاليفورنيا" و"الجبل الكبير" و"عشابة" و"سوق البقر".

الصحون المقعرة تعانق أعمدة حديدية والأرض ما زالت تتحرك تحت أقدام السكان هنا، فبين الفينة والأخرى ينط أحد المارة من بين الأكوام الحجرية تحسبا لحدوث مكروه
وقال شهود عيان عاشوا حادث انجراف التربة وتصدع المنازل عن الحادث وقع مابين صلاة المغرب والعشاء من ليلة السبت الأحد، فالأمطار التي تهاطلت على المنطقة، والتي كانت تتحول إلى سيول تنجرف نحو الوادي تسربت لأساسات المنازل وانفجرت بالوعات الصرف الصحي وقنوات الماء الصالح للشرب وبدا الناس يضربون أخماسا في أسداس
وتمكنوا من النجاة بجلدهم تاركين ممتلكاتهم التي صارت الآن ليلا عرضة للنهب من طرف "لصوص الليل" على حد قول أحد السكان.

أثناء ترحيل السكان لأمتعتهم تعرض بعضهم لإصابات خطيرة كما هو الشأن بالنسبة إلى القاصرين أمين موعلي وزميلة لعميري العربي التلميذان بمدرسة عمر بن عبد العزبز اللذان تعرضا لكسر في اليد بعد أن سقطا من شاحنة كانت محملة بأثاث أسرتيهما

مأوى ساحة الثيران

وضعت السلطة المحلية لمدينة طنجة ست أسر من المتضررين في قاعات صغيرة بالملعب الإسباني القديم الذي كانت تقام فيه مبارزة الثيران والذي مازال يحتفظ بملامحه العمرانية التي تؤرخ لعهد مضى من تاريخ المدينة.

بملعب الثيران انخرط عمال "الإنعاش الوطني" صباح أمس الثلاثاء في تنظيف أرضيته وفي الداخل ساحة نصف خالية ومقاعد ملعب وفي الأعلى لافتة كتب عليها "غرفة التجارة والصناعة العصرية لإقليم طنجة".

في "ملعب الثيران " توجد ست أسر فقط قدمت لها السلطات المحلية صباح أمس وجبة إفطار وقالت نعيمة لمغاري، أم لطفلين، إن زوجها يعمل مياوما في سوق السمك وأوضحت عائشة بوليف أن ابنها حمزة بوليف التلميذ بمدرسة للا سكينة لم يتمكن من الذهاب للمدرسة لأن حقيبته المدرسية مازالت مدفونة تحت الأنقاض".




تابعونا على فيسبوك