قد يكون العيش تحت عتبة الفقر، والمعاناة مع قلة الحاجة وسوء التغذية، مع غياب المعيل، زيادة على قلة فرص العمل، من بين الدوافع التي ترغم العديد من النساء،
لظروف خاصة أو لأسباب قاسية، يجدن في الدعارة السبيل الوحيد لإعالة عائلاتهم الفقيرة دون الوعي بخطورة ا
إذ غالبا ما يقين أنفسهن باستعمال العازل الطبي لكي لايصبن بإحدى الأمراض المتنقلة جنسيا، كالإيدز الذي أصبح منتشرا.
هذا لايعني تبرير إشكالية الدعارة، والقول أنه ليس أمام هؤلاء النساء حلول أخرى مناسبة غير تعاطي الجنس الرخيص، وإنما يجب الاعتراف أن هناك أسباب مصيرية تدفع بمجموعة من النساء سلوك هذه الطريق، المليء بالمشاكل والمغامرات المميتة أحيانا.
قرب السماط المعروف أكثر بـ "كزارة درب السلطان"، المكان الذي أصبح معروفا على الصعيد الوطني، إذ يحج إليه عدد كبير من المغاربة لتناول المشويات من شتى أنواع اللحوم، لأنه أعفاهم من عناء السفر إلى مناطق بعيدة ك"طماريس"، أو دار بوعزة، أو بوزنيقة.
في هذا المكان كانت تقف مجموعة من النساء تتراوح أعمارهن ما بين الـ 25 و45 سنة، ومنذ أن رحلنا قرب المكان إذ كان عمري لا يتجاوز السبع سنوات، كنت دائما أتساءل عن وجودهن في المكان، كان وقوفهن الذي كان يبدو لي بدون معنى يثير فضولي.
كن يبدين متبرجات، ولو من وراء النقاب، ويبدو عليهن أمر غير عادي، لم أجرؤ أبدا على سؤال إحداهن من الكبار عن السبب، إلى أن حدث يوم، كنت فيه مكلفة بشراء زيت الزيتون من "القاعة" قرب حي الأحباس.
كانت الفرصة لأشبع فضولي وأصل لمعرفة ما كنت أبغي معرفته
رأيت إحداهن تجلس على أحد كراسي الحديقة وهي تبتسم وعيناها شاردتان، وكأنها تنظر إلى فراغ، لكن حينما انتبهت وجدت أنها كانت تتخاطب بلغة العينين مع رجل وقف.
في الواجهة الأخرى وأخذ يتجاوب معها بإشارات الأيدي، رغم ذهولي واستغرابي لما رأيت، وقفت لمعرفة ما يقع ونهاية "اللقطة" كما يقولون.
فعلا، اقترب الرجل من المرأة وجلس قربها، وبعد ذلك أخذا في تبادل الحديث، وقفت بضع خطوات منهما، أترصد ما كانوا يتبادلونه من كلمات، فسمعته يقول لها "المنزل يوجد قريبا جدا من هنا، على بعد خطوات قليلة، في حي "كريان كرلوطي"، قرب القيسارية المحمدية، المعروفة بالحفارين، ولكن لست وحدي معي صديقين اثنين، إذ نحتاج إلى المزيد من الفتيات"، قاطعته على الفور وأجابته :" لا لا حنا ما كانمشيوش للديور، اللي بغانا هو كيمشي معانا، حنا عندنا البنات اللي تحتاجو، ولكن فين بغينا حنا"
فسألها الرجل : "إيوا فين وكيفاش غادي نديرو؟""
هنا لم أكثرت للوقت الذي يمر ولا لليل الذي توغل فيه الظلام الشديد، ولم أشأ أن أفوت فرصة معرفة المزيد رغم ما اشتد بي من خوف وهلع، لأن المكان في الحقيقة وفي هذا الوقت مقرف جدا".
قالت المومس للرجل أنها ستبقى في المكان تنتظره وليأتي هو بأصحابه ثم يسيروا وراءها، إلى حيث ما سوف تملك أيمانهم من الفتيات، سألها أنه يريد أن يعرف ما إذا كان المكان بعيدا، أجابته أنه معروف جدا وأقرب من "جدارة ودنيك"، في "التيتانيك" والمعروف أكثر بـ "فندق البشير"، منطقة اشتهرت أكثر بالانحراف والتهميش والهشاشة وانتشار تعاطي المخدرات، والدعارة، وشدة الفقر، وتسميتها بـ "التيتانيك" يرجع لكونها تشبهه من حيث الشكل المستطيل ومن حيث عدد القاطنين بها.
ولا يمكن لأي كان المرور بجوارها في أوقات معينة كالصباح الباكر أوالليل المتأخر.
ذهبت المنزل مسرعة والخوف ينهشني مما سمعت ورأيت، حكيت لأختي ما وقع بالتفاصيل، ولم تبدي أية ردة فعل، اكتفت بتأنيبي وتوبيخي لوقوفي في أماكن خطرة ومشبوهة، وفي وقت جد متأخر من الليل ولتأخري، بجلب ما طلبوه مني بسرعة، وأضافت "شكون اللي ما كيعرفش صحابات الربعين".
هذا السؤال، رغم أنه زاد من حيرتي ولم أجرؤ أن أتابع التسائل، لكنني فهمت الكثير، إلا أن رغبتي في معرفة المزيد والتفاصيل كانت كبيرة ولزمت الصمت.
مرت الأيام، بل الشهور والسنين، وأنا دائما أبحث عن معرفة ما معنى "صحابات الربعين"، إلى أن حدث يوما، وأنا أمر قرب المكان، إذ عادة ما أحتاجه ما أبغيه من لحم من هناك، لأرى امرأة من تتجادل مع أحد الرجال قائلة : "أويلي ربعين ريالا راه كانت زمان، اليوم كلشي غلا، إلى بغيتي 40 درهما، تبعني دابا وما يكون غير خاطرك"، بعدها فهمت ما شغلني لسنين.
التسمية لها تفسير إذ أن تلك الموميسات كن يشبعن رغبات الزبائن بأخذهن إلى مكان يعرفنه هؤلاء الفتيات ويتقاضين مقابل هذه الخدمة أجرا كان يحدد في 40 ريالا وأصبح اليوم 40 درهما، بالمعنى الصحيح هن سمسارات لبائعات الهوى من النوع الرخيص.
ما ذكرني بذلك هو مروري في الأيام الأخيرة بشارع محمد الخامس، قرب السوق المركزي مارشي سانترال، ومعاودة مشاهدة نساء هنا وهناك يتربصن المارة من الرجال بنظرات تخلو من كل معاني البراءة، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي أراهن فيها عرفت بوجودهن هناك منذ مدة طويلة، إنما كمتسولات فقط و لكن في يوم دعت الظروف أن أقف لشراء بعض النباتات، رأيت إحداهن تتجاذب الحديث مع رجل، حسب لهجته علمت أنه من الشرق العربي، إذ سمعته يقول "خمس دولارات بس" إلا أنها مانعت في مرافقته لأنها كانت تريد المزيد المبلغ لم يرضيها.
والدعارة ليست ظاهرة جديدة في المجتمعات الإنسانية بل هي، حسب المؤرخين أقدم مهنة في التاريخ، إلا أنه في الوقت الراهن يجري ترويجها بطرق اكثر إبداعية، هناك ممن يعتبرنها سلعة في عصر الانفتاح والحرية بهن، يوما عن يوم تتوسع ظاهرة الدعارة وترتفع معدلاتها، فترى عدد كبير من النساء يمارسن الدعارة كوسيلة لكسب المال.
هناك العديد من المغريات التي تخلق لدى الفتاة المراهقة في المجتمعات النامية، نزعة البحث عن السلع الرأسمالية الكمالية مما يؤدي بهن للخروج إلى الشارع للبحث عن الوسائل المتاحة للحصول عليها، بغض النظر عن نوعها والطرق لتحقيقها، هذا يجعل الكثير منهن فرائس سهلة في متاهة الدعارة.