في غياب دور فاعل للمؤسسة التعليمية في التوجيه للاستفادة من المعلوميات

الانترنيت مدرس ثالث دون منهجية

الإثنين 20 نونبر 2006 - 15:00

أكد مجموعة من الآباء في تصريحاتهم لـ "المغربية"، أن تكليف المدرسين للتلاميذ بالبحث عن مواضيع تخدم المنهاج الدراسي

، ما هو إلا وسيلة تريح المدرسين من عناء البحث والتحضير للدروس، والاكتفاء بدل شرح الدروس، بتكليف التلاميذ المرهقين أصلا بكثرة الأعمال والفروض المنزلية ناهيك عن تعدد المقررات، دون الحديث عن استنزاف جيوب الأسر، وتضييع التلاميذ لوقتهم في البحث في"السيبير" عن معلومات دون أدنى توجيه من مدرسيهم، هذا ما أكده محمد الطالبي رئيس جمعية الآباء، وأضاف أن "مواجهة التلاميذ لغياهب الإنترنيت بدون مساعد أو موجه يضعهم في وضعية حرجة، مفتوحة على كل الاحتمالات والتي أبرزها، أن غياب معرفة مسبقة بهول الإنترنيت، قد تسقطه في المعلومات المشبوهة، والتي يمكن أن تلوث ثقافته وتسيء إلى أخلاقه، والشبكة العنكبوتية التي تكون بدون حارس أمين سهل أن تبلع تلامذة لا حيلة لهم أمام الاستيلاب الثقافي والأخلاقي"

ومن جهتها أبرزت حليمة التريكي موظفة، أن ترك التلاميذ في غفلة، "لمن شأنه أن يساهم في خلق مشاتل للتطرف والانحراف المعادي للإنسانية"، مضيفة، أنه كان من المفروض، "أن يسلح المدرس تلامذته بمجموعة من المعلومات والعناوين التي تساعده في بحثه، بدلا من تركه يواجه مصيره بنفسه"، نفس الشيء ذهب إليه رشيد، مسير إحدى مقاهي الإنترنيت، بحي شعبي في الدار البيضاء وأضاف موضحا، أنه "غالبا ما يطلب مني التلاميذ أن أبحث لهم في المواقع عن موضوع، تحت عنوان ما، دونما تحديد، ويكتفون بتأدية الواجب الذي يتراوح بين درهمين للصفحة العادية، أبيض وأسود وأربعة دراهم للصفحة الملونة، وهذه الطريقة في البحث، أنا شخصيا لا أحبذها، مما يفوت على التلميذ فرصة الاكتشاف والبحث بنفسه عن معلومته، وكان من المفروض أن يأتي التلميذ مزودا بمواقع للبحث، ويتعلم بنفسه كيف يستخرج المعلومة المطلوبة

تكليف دون توجيه

وبهذا الخصوص أكد لنا سعيد مريد أستاذ التعليم الثانوي، أن مجال الإنترنيت أصبح يشكل مكملا أساسيا للعديد من البرامج المدرسية، واضطلاع التلميذ عن كتب على فحواه، يساعد على تنمية مداركه بشكل منفتح ومتفتح"، لكن يستطرد سعيد مريد قائلا، "إن الضرورة تفرض أن يكون التلميذ في هذه المحطة محاطا بالعديد من الشروحات والتنبيهات التي تنقذه من الغوص غير المجدي في أعماق بحر المعلوميات والتيهان بدون أدنى تحصيل للنتائج المرجوة، بل بالعكس، إن التلميذ يمكن أن تجرفه بعض المواقع الإباحية وتخرجه عن جادة صوابه وتخل بأهدافه التربوية والتعليمية".

ويرى عبد الحق سليم إطار تربوي، أن المؤسسة التعليمية ملزمة بإدماج التربية على استعمال المواقع في صميم البرامج التعليمية، حتى لا يصاب التلاميذ بانفصام معرفي، وتشتيت المفاهيم والمدارك" مؤكدا في السياق ذاته، أن طبيعة تعامل التلميذ حاليا مع الإنترنيت والمواقع تجري بشكل ارتجالي أو فوضوي إذا صح التعبير، إذ أن مقاهي الإنترنيت التي يلجأ إليها التلميذ، لتلبية فضوله في معرفة مكنون هذا المستجد التكنولوجي، في الغالب لا تتوفر على مدربين متمرسين بإمكانهم توجيهه إلى أفضل الطرق للاستفادة من الإنترنيت، إنما يجد نفسه أمام أزرار ينتقل عبرها، بدون حسيب ولا رقيب"،

وهذا ما أكده البشير جبران، رئيس إحدى جمعيات آباء التلاميذ بجهة الدارالبيضاء الكبرى، بقوله "إنه على المدرسين أن يضطلعوا بدورهم في تحديد بعض المواقع لتلامذتهم التي يمكن الغوص فيها لتشبيع نهمهم المعرفي، وإبراز بعض المخاطر التي يمكن أن يقعوا فيها، إذا ما انساقوا مع مواقع مخلة بالأخلاق، خصوصا أن كلام وتنبيهات الأستاذ تحظى لدى التلميذ بصدقية خاصة، واحترام لائق"،

لكن يضيف المصدر ذاته، "في بعض الأحيان يكون الأستاذ بدوره لا يفقه الشيء الكثير عن المعلوميات ومواقع الإنترنيت، مما يجعل دور التوعية والتثقيف مغيبا لديه"، وفي هذا الشأن يؤكد مصدرنا، أن "التلميذ سيسقط في متاهات الخلط والتشابك المعرفي ما بين ما يجب الأخذ به في المدرسة والاستفادة منه في مواقع الإنترنيت، خصوصا في الوقت الراهن، إذ أصبح ارتياد التلميذ الإنترنيت القاعدة التي تكسر الاستثناء".

وتأسفت خديجة الراقي وهي أستاذة، للتأخر الذي طرأ في المجال التعليمي على مستوى إدماج هذا المستجد التثقيفي والتربوي في المؤسسات التعليمية، لا سيما أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين أكد على تعميم المنظومة المعلوماتية في عدد كبير من المدارس والمعاهد، وأضافت خديجة، "إن التأخر في الوقت الراهن عن الدخول في هذا الرهان ستكون عواقبه وخيمة وستؤدي إلى نوع من الأمية المعلوماتية التي لا تخدم مجالنا التعليمي".

الشيء نفسه ذهب إليه مفتش تربوي فضل عدم ذكر اسمه وأضاف أن بعض الأساتذة "يجدون حرجا في الإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة بمواقع الإنترنيت بسبب جهلهم لماهيتها، وهذا الجهل يؤثر سلبا على علاقة التلميذ بمدرسيه، وصب جام غضبه على الوزارة الوصية باعتبارها ـ على حد قوله ـ لم تقم بالتعميم الكلي لتكوين الأساتذة في المجال المعلومياتي ولم تخضع مقرراتهم وتكيفها مع هذا المستجد المعرفي الذي أصبح رقما ضروريا في المعادلة التربوية، وأبرز محدثنا "المشكل دائما، في أننا نعطي هالة كبيرة لمثل هذه الوسائل بدون أن نواكبها باشتغال ممنهج بإمكانه أن يفي بتنفيذ الأهداف المطلوبة.

وفي السياق ذاته أكدت إحسان بلمعلم أستاذة، أن التدريس الكلاسيكي باللوحة والطبشورة أصبح متجاوزا ولا يستطيع أن يستجيب للأهداف المرجوة من العملية التعليمية، طبقا لميثاق التربية والتكوين، الذي أراد أن يعطي نفسا جديدا للشأن التعليمي، عبر إخراجه من بوثقته وتكييفه مع متطلبات العملية لسوق الشغل

آمال مازالت بعيدة عن التحقيق

كان مأمولا أن نصل في ما تبقى من عشرية إصلاح المنظومة التربوية، إلى ربط كلي للمؤسسات التعليمية بالمعلوميات، وجعلها أمرا واقعا في مشهدنا التعليمي بشكل يستجيب للأهداف الكبرى للميثاق الوطني للتربية والتكوين، التي ترمي إلى إدماج المؤسسة التعليمية في محيطها اقتصاديا واجتماعيا وانفتاحها على تكنولوجيا الاتصال والإعلام.

فالمأمول لا زال طريقه شائكا، رغم الجهود المبذولة من طرف وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، التي من المتوقع أن تجهز العشرات من القاعات متعددة الوسائط بحواسيب، في إطار برنامج أطلق عليه اسم "جيني"، ويحتاج ذلك كله، إلى مجهود إضافي للتغلب على المثبطات التي فرملت سرعة الإصلاح وجعلتها بطيئة ولا توافق الجدولة الزمنية المرسومة، في حين يعرف عالم المعلوميات يوميا تطورا متسارعا، يفرض نفسه بإلحاح على الواقع المعاش، ما جعل هامش التعاطي مع آلياته يشد اهتمام شرائح مهمة من المواطنين وبخاصة اليافعين في سن التمدرس، الذين اعتبروه نافذة للإطلالة على العالم الآخر، والنهل من مختلف المستجدات المعرفية التي تتيحها المواقع الالكترونية، بل أصبحت هذه المواقع بمثابة مدرسة ثالثة، مكملة لما يمكن أن تكون المؤسسة التعليمية ومؤسسة الأسرة، عجزتا عن الإحاطة به، وهذا ما يفسر توجيه المدرسين لتلامذتهم إلى مقاهي الإنترنيت للبحث عن معلومات دقيقة حول المواضيع المقررة في المناهج الدراسية، مما خلف ردود فعل متباينة في صفوف الآباء والمربين، انقسمت بين مؤيد ورافض، لهذا التوجه الجديد، وبهذا الخصوص

لكن شيئا من هذا القبيل، لم يطرأ، وتكاد تكون معظم المؤسسات التعليمية تحتفظ بشكلها وأسلوبها القديم في التعليم، الشيء الذي يؤثر سلبا على ما تتوخاه المنظومة التعليمية من إصلاحات هيكلية على مستوى المناهج والكفايات، ويظل هذا العوز المعرفي لدى معظم الأساتذة، والشتات الفكري والتثقيفي لدى التلاميذ، الشيء الذي يجعل عقارب التربية والتكوين في المغرب تتوقف عن مواكبة دوران الزمن، وبالتالي احتساب مناهجه على ماض أكل عليه الدهر وشرب.




تابعونا على فيسبوك