أحيا المفكران محمد عابد الجابري و مطاع الصفدي بداية الأسبوع ؛ ندوة فكرية تحت عنوان »نقد العقلين العربي والغربي في المجمع الثقافي في أبوظبي
قدمهما فيها الشاعر والناقد الموريتاني محمد ولد عبدي بكثير من الحفاوة والتقدير، وتأتي هذه الندوة بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الذي يحتفل به العالم والمؤسسات الثقافية منذ عام 2002م.
في تقديمه للمفكرين قال ولد عبدي : أجد نفسي في ورطة أحسد عليها، وأنا أقدم علمين قدما للفكر والثقافة العربية الشيء الكثير، فمطاع الصفدي الذي تابعناه منذ عقود وهو يقدم مشروعه الفكري الفلسفي من خلال مشروع الينابيع وهاهو اليوم حاضر بيننا مستمر في طريقه دون كلل، أما الجابري فهو كالنار على علم، منذ أول كتاب قدمه "نحن والتراث إلى كتابه الشهير "الخطاب العربي المعاصر" ساعياً لقراءة نقدية منتجة ومثمرة للعقل والفكر العربي، وسيقدم المفكران لنا هذه الليلة بعضاً من زادهما في نقد العقلين العربي والغربي.
بدأ الصفدي حديثه بالقول : إن موضوع نقد العقل الغربي ومضاهاته ومقارنته بالعقل العربي الذي اشتغلت وشغلني منذ سنوات عديدة، هو من المواضيع الواسعة والشائكة في آن معاً، وكي لا نقع في ورطة الإطالة والتشظي، ارتأيتُ أن أبدأ بمقدمة تليق بمقام البحث، وهي أننا نتحدث في بوابة الفكر عن نوعين من العقل؛ الأول منهما يظل حبيساً وأسيراً لما أنتجه وقدمه دون أن يتطور أو يحاول التطور باتجاه نقد وتقييم ذاته بين فترة وأخرى كي يبقى حياً ومتناغماً مع الحياة الحديثة.
ولا أعني حين أقول العقل أنه الكائن المادي أو الفردي، بل أتحدث عن نتاج وتراث وفكر أمة كاملة أو مجموعة إنسانية واحدة فيما أنتجته عبر التاريخ، أما النوع الآخر من العقل، فهو الذي يمكن أن يطلق عليه العقل والفكر المتحرر، الذي يكون خلاقاً وقادراً على نقد نفسه وتجديدها، وأعني به أيضاً حضارة وفكر أمة والفرق بين الاثنين؛ هو بذاته ما يشكل فارقاً بين الحضارات، وما يتميز به العقل الغربي عن سواه، هو قدرته على نقد نتاجه السابق، والاستمرار إلى نقد النقد وهلم جرا.
بمعنى التحرر المنتج على الصعيدين المادي والمعنوي، وبالتالي إنتاج ثقافة جديدة ذات ديمومة، وهذه الجدلية الكينونية هي التي أعطت حضارة الغرب ميزة ميزتها عن جميع حضارات العالم، وكان يمكن للعقل والحضارة العربية أن يكون لهما نفس القدر لولا عوامل وأحداث جعلتهما يفقدان ذلك.
واسترسل الصفدي قائلاً : طيلة قرون كان الغرب يتحرر ويكسر القيود والتعقيدات التي أخضعته فترة طويلة في ظل التخلف، إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في العصر الحديث، وأكبر مثال على ثورة تكسير القيود، هي فترة القرون الوسطى بعد نهضته العلمية والفلسفية والفكرية المتكاملة، بينما كان العرب آنذاك بعيدين كل البعد عن تلمس خطوات هذه النهضة، أما في هذه الأيام فلا نعرف نحن العرب سوى تسلط الغرب وقسوته، وظل تفكيرنا ومفكرونا بين أمرين : إيضاح عوامل التسلط الغربي، والدفاع عن الذات.
ونسينا أو تناسينا ما يميز الحضارة الغربية وكيف وصلت في العديد من مراحلها إلى الرقي، ولا يمكن دراسة النتاج الغربي إلا من خلال الأنظمة المعرفية التي تجاوبت مع الفلسفة في شتى مراحلها، فحين تنتهي القدرة الإبداعية لمدرسة فلسفية غربية تظهر أخرى مجددة لها ومطورة، ولا تقتصر الفلسفة الغربية على نواحي التعليم أو الكتب أو الدراسة؛ بل يمكنك رؤيتها في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بمعنى أنه يمكن تسميتها الفكر الغربي الذي يحاول أن يجد حلولاً لكل المتغيرات والظروف التي تمر بها البشرية.
وأضاف الصفدي : لقد مرّت بي خلال إقامتي في فرنسا طيلة حوالي نصف قرن مضى؛ أكثر من ثلاث مراحل تغير خلالها النظام المعرفي والفكري الغربي، ولم يقتصر الأمر على تقديم الأفكار الجديدة، بل على قدرة تلك الأفكار على التغيير والتطوير، وحين تقرأ سارتر وتولوز فإنك تجد لهما امتداداً بصورة حداثية لدى جيل الفلاسفة الحالي، لكن بصورة ناقدة ذات ديمومة، ورغم ذلك فإني لا أدعي أن الغرب أصبح بفضل هذا التجديد والتطور جنة أرضية، ولكن لا يمكن التغاضي عن أن الغرب لديه القدرة على تغيير لا يخبو، ويمكن الإيجاز بالقول إن الغرب قد اختطف نار الحرية ـ التي هي كينونة تولد مع الإنسان وجعلها من ثرواته الخاصة، كي لا ينعم بها غيره.
وهو يحاول الآن الانغلاق على نفسه ولا يسمح لأحد باختراق حصونه، وهذا الغرب لا يقر للآخر مبدأ التنافس الفكري، وقد تدخل الغرب لإجهاض النهضة العربية التي كان يمكن أن تقوم في البلاد العربية إبان القرن العشرين، وكان تدخله في المفاصل الحاسمة من حياة الأمة التي كان يمكن أن تنافسه بل تفوقه في نواحٍ متعددة، فهو كما يضع لنفسه خطط التطوير والرقي، يضع لغيره العقبات والإحباط، وأرى أن العالم العربي اليوم يمر بأبشع مخطط مدمر يقوم على أساس التفكيك الاجتماعي وإذكاء النعرات العنصرية والعرقية والإثنية، وما يجري في العراق ولبنان والسودان هو خير دليل عليه، وهو ما يغذيه الفكر الغربي حالياً بصورة جلية.
ثم تحدث المفكر محمد عابد الجابري عن الأنظمة المعرفية في العقل العربي؛ مبتدئا بقوله: لقد شُغلت بالعقل العربي طيلة ربع قرن في كتاباتي وبحوثي، ولا أريد هنا تكرار نفسي، ولكني سأحاول الربط والارتباط مباشرة بما تحدث به الأستاذ الزميل الصفدي، وأبدأ ذلك بسؤال : كيف تمكن العقل الغربي مما صار عليه من تقدم بشقيه الإيجابي والسلبي بنظر البعض؟ وللإجابة يمكن العودة إلى مقولة لابن خلدون في مقدمته حين أنهى الحديث عن تحليل الثقافة الإنسانية في القرن الخامس عشر وهو القرن الذي شهد بدايات عصر النهضة الأوروبية فقد عقد فصلاً موجزاً لتاريخ الفلسفة قال فيه : علمتُ أن رياح التغيير في هذه العلوم ويعني بها الفلسفة قد انتقلت إلى العدوة الشمالية ـ يعني بها أوروبا«، بينما لو نظرنا إلى حال الفكر والفلسفة في العالم العربي آنذاك، لوجدناها لا تقرأ إلا تحت حراسة الفقهاء وأولي الأمر.
وأضاف الجابري: لقد كان وقع العلوم الفلسفية والفكرية أكبر في العالم الغربي منذ ذلك الوقت إلى اليوم، وحين زار أسقف باريس "كلوني" شمال أسبانيا في عام 1141م أيام الصراع العربي الغربي في الأندلس، طلب ترجمة القرآن إلى اللاتينية كي يستطيع مقاومته وتفنيده عقلياً كما يدعي، ولكن الذي حدث هو العكس حيث انقلب السحر على الساحر، واكتشف الأوروبيون الساعون للإصلاح آنذاك وأصحاب الفلسفة ذات النزعة الإنسانية، تلك العلاقة العقلانية بين الله والإنسان في القرآن الكريم، بعيداً عن التوسط في تلك العلاقة القائم في الديانة المسيحية، وبدأ خصوم الكنيسة مجادلتها بالفكر الجديد.
كما اكتشف الغربيون آنذاك في عام 1198م أرسطو العرب ابن رشد، فأصبح العالم العربي الإسلامي يومذاك في نظر العديد من رواد الإصلاح الغربي هو النموذج الذي يحتذى في الحياة، وكمثال؛ فإننا لا يمكن أن نفصل بين نظرية وثورة »مارتن لوثر« وبين النظرية القرآنية في الخلق والعلاقة البشرية السماوية، إلى المقولات الفلسفية لديكارت وغيره من مصلحي العالم الغربي.
وردد الجابري المقولة التي ترد كثيراً لدى الكتاب العرب بل حتى العامة منهم بأن الحضارة الغربية قامت على تأثير واقتباس من الحضارة العربية، لكنه قدم لسؤال حول أسباب وعوامل انحطاط الحضارة العربية؟ واستدرك بقوله : يمكن أن يطرح هذا السؤال على جميع الحضارات التي انهارت؛ كاليونانية والفارسية والإغريقية وغيرها من حضارات العالم القديم، ولكننا بالنسبة إلى الحضارة العربية لا نستطيع الإلمام بجميع الأسباب في هذه العجالة، لذا فإننا نأتي إلى نقطة واحدة على وجه المقارنة بين الحضارات من ناحية التفكير ومن الناحية العقلية : ـ العقل اليوناني: تكوّن هذا العقل في المدينة اليونانية التي كانت تحت مظلة الحكم الديمقراطي، مع وجود العقائد الميثولوجية المتعلقة بالآلهة والتواصل بين الأرض والسماء، وبين الثنائي الذكر الأنثى وتميز هذا العقل بخروجه من بين الضباب الأسطوري القائم بين الفكر والمادة.
ـ العقل الغربي المعاصر : وهو عقل تجريبي يناقش ويلاحظ كل صغيرة وكبيرة في الكون والإنسان، ويحاول الخروج من المسلمات إلى صفة الجدلية.
ـ العقل والحضارة العربية : لقد جاءت هذه الحضارة ونبعت من القرآن وهو نص، ويحتاج إلى فهم ومعرفة لغوية كبيرة، ورغم محدودية النص، فإن الناس اتجهوا بعد ذلك إلى التفسير الباطني والتأويل، كما انتشر لدى بعض الفرق كالإسماعيلية والإمامية وغيرها، وهو التفسير والتأويل الذي أدى إلى تفكير غير منتج، بينما ظلت بعض الفرق على جمودها النصي ولم تتطور وأغلقت باب الاجتهاد.