اغتال الفقر حلمه بمعانقة فضاءات العرض الأوروبية

حسن مصباح الأصابع التي تحترق

الإثنين 13 نونبر 2006 - 12:30

لطالما راوده الحلم بتدريس مادة الرسم خارج أرض المغرب، باحثا عن الشهرة، قبل أن يمتهن رسم بورتريهات لأشخاص أو وضع رسومات على الورق للخياطين، فأصبح أقصى ما يتمناه الآن

الحصول على رخصة لاستغلال زاوية بقيسارية شطيبة الكائنة بسيدي عثمان، التي طالما اتخذها محلا لمزاولة مهنته أو ما تبقى منها. في تلك الزاوية يجلس حسن فوق كرسي خشبي قديم، على مقربة من طاولة ملتصقة بالحائط، فوقها مذياع مهتريء، وعلى الحائط علقت مجموعة من الصور لنساء يرتدين لباسا تقليديا، وفي الجانب الآخر صففت مجموعة من الأوراق البيضاء، تضم رسوما مختلفة خطها حسن بيده

كان وجهه شاحبا، وعلامات اليأس بادية عليه، منفردا انفراد الطائر الجريح عن سربه، محدقا إلى شيء غير منظور في ذلك الفضاء، لتنسل على حين غرة زبونة تعيد إليه حواسه، فيدس يده في درجه يبحث عن أوراق، ثم يحني رأسه ويبدأ في رسم ما تطلبه منه

تعرفت هذه السيدة على حسن مصباح، عن طريق صديقة لها، لما سمعت عن قدرته على رسم أي شيء يطلب منه، ولا يكتفي الرجل »الفنان« بذلك، بل بإمكانه مساعدة زبوناته باقتراح أشكال مختلفة من الرسومات لجلابيبهن أو قفاطينهن، ويتراوح ثمن الرشمة الواحدة التي ينجزها حسن برسمها بين 5 دراهم و100 درهم، حسب نوعيتها وحجمها.

ولأن شهرته سادت جميع القيساريات بالدار البيضاء، فالوافدات عليه يأتين من كل مكان، تقول فاطمة تعرفت على حسن منذ سنين، وكم من امرأة أخبرتها عنه فأصبحت تتردد على المكان لشراء إبداعاته، هو يتعامل كذلك مع الخياطين والخياطات، إذ تعتمد اللواتي يمتهن الطرز، عليه في الحصول على أجمل الرسومات على الورق، فيما يتولين نقلها فوق الثوب وطرزها بالرباطي، أو ملئها بالعقيق، فهذا النوع الأخير أصبح سائدا ومرغوب فيه من طرف مجمل النساء، خصوصا خلال فترات الأعياد، فهن يبحثن عن آخر ما جادت به أيادي صانعي الجلابيب، وهذا ما أكدته الخياطة عزيزة خلال هذه الفترات يكثر الطلب على الملابس التقليدية ومن المعروف أن اللباس التقليدي المملوء بالعقيق يحتل الصدارة لدى النساء لذلك فالتنويع في الأشكال، يبقى هدفنا الأساسي لجلب العديد من الزبائن، وهو ما يحتاج رساما مبدعا مثل حسن.

انجذب حسن مصباح إلى الرسم منذ سنواته الدراسية الأولى بالابتدائي، عندما لاحظ زميلا له يرسم، فأخذ ينقل عنه ليتحول انجذابه إلى عشق لازمه طوال حياته، لفت إليه انتباه مدرسيه خصوصا في المرحلة الثانوية عندما طلب منه أستاذ التاريخ والجغرافيا خلال حصة الرسم المبرمجة مدة ساعة في الأسبوع أن يرسم صورة »صباغ« لينبهر الأستاذ الفرنسي بعمل الشاب ذي السابعة عشر عاما، فدله على مؤسسة موزار للفنون الجميلة، كي يتمم بها دراسته، وقد تفتح له باب الديار الأوربية، قصد إكمال الدراسة هناك

تحمس حسن لكلام أستاذه، فقرر أن يفاتح أهله في الأمر، ولقي تشجيعا كبيرا من طرف أمه وأخيه، ورفضا قاطعا من قبل أبيه، ما أبعده عن معانقة الحلم
رحل حسن عن البيضاء إلى القنيطرة غاضبا ومستاء، تاركا وراءه الدراسة والحلم ليعود بعد وفاة أمه، ويتخذ الرسم هواية وحرفة يكسب من ورائها قوت يومه، و في سنة 1987 قرر حسن الاشتغال بالقيسارية كرسام، فعلق إبداعاته من بورتريهات الأشخاص، للفت الانتباه، ليتحول اهتمامه بالموازاة مع ذلك، إلى رسومات تستعمل في مجال الخياطة، بحكم وجوده بالقرب من حوانيت خياطة الملابس التقليدية »أنا معروف والناس تأتيني من كل مكان ومن مدن أخرى وحتى من الخارج

كان يتوق لأن تصير له شهرة في مجال الرسم كالفنانين الكبار، ويذيع صيته وتعرض لوحاته في المعارض الكبرى، لكن ظروفه حالت دون ذلك، وأول الظروف يرجعه إلى غياب دعم الدولة ليست هناك مساعدات ودعم للرسامين، فمعظم المعارض يمولها أشخاص، وأعتقد أن الفنانين الكبار يعيشون بالخارج. وأمام هذه الوضعية غير المرضية لحسن يتمنى لو خصص صندوق للفنانين في شتى المجالات، ويعيش على أمل تزويده برخصة لركنه المتواضع بالقيسارية الذي يقيه ضياعا محتوما حسب كلامه.




تابعونا على فيسبوك