يرى معظم النقاد أن هنري ماتيس أكثر الفنانين استفادة من إرث الزخرفة الإسلامية وهو في جزء من عمله كذلك بينما رأي الناشر اليوناني اسم جاز JAZZ للكتاب الذي حوى رسوم ماتيس وقد لاقى هذا الاختيار استحساناً عند ماتيس الأمر يؤكد أن الآخر رأى في ماتيس نموذجاً لفن غ
ربما يكون انضواء بعض أعمال ماتيس تحت أسماء وموضوعات عربية مثل السفارة المصرية ونساء الجزائر وغيرهم هي سبب ارتباط ماتيس في استشهادات التابعين العرب للإرث الإسلامي.
وقد قال ماتيس في مذكراته عن تاهيتي التي ارتبطت بجزء من عوالمه المرسومة بها : إن هذه المدينة العجيبة عالم جديد واسع ومهيب كالمحيط تشعرني هذه المدينة ان طاقة انسانية عظيمة انطلقت من عقالها.
لذا يمكن القول إن الإرث الزخرفي الإسلامي كان جزءاً من الروافد الكثيرة لأعمال ماتيس ولم تكن حياته حكراً مقصوراً علي هذا الإرث الزخرفي ، وقد شكل المغرب على الخصوص فضاءا خصبا لإبداعاته، ومنه استوحى واستلهم العديد من الأعمال الفنية الخالدة، و ذلك مثل لوحته الشهيرة "قهوة مغربية"وهي عبارة عن ألوان مائية ولصق على قماش والموجودة بمتحف بوشكين بموسكو.
يقول هنري ماتيس الفرنسي المولود في 31 ديسمبر 1869 بشمال شرق فرنسا لم أكن أنوي أبداً أن أكون رساماً، كنت مرشحاً للحلول محل والدي تاجر الحبوب.
أعد ماتيس لوحته سعادة العيش"باعتناء كبير لتأمين درجة عالية من الوضوح والتناسق
احتلت الألوان القوية ـ الأخضر والبرتقالي والبنفسجي والأزرق والأحمر والأصفر مساحات اللوحة حسب ما فرضته الأشجار والأشخاص والمناظر الطبيعية.
كان الأشخاص في هذه اللوحة في نفس الوقت رمزيين وزخرفيين وفق التقاليد الرعوية للباخوسيين والحوريات إنه العصر الذهبي العصر الذي كان الإنسان والطبيعة يشكلان وحدة متماسكة في عام 1906 سافر ماتيس الى الجزائر حيث زار واحة بيسكرا
لم يرسم اي شيء خلال هذه الرحلة ولكنه عندما عاد الى كوليور رسم لوحة ذكرى بيسكرا"لوحة رسمها عام 1906 بالألوان الزيتية على قماشة قياس 92 % 140 سم محفوظة في متحف بالتيمور للفنون في الولايات المتحدة .
كان موضوع هذه اللوحة فتاة عارية واحتل هذا الموضوع مكاناً مرموقاً في لوحات ماتيس كما اظهر فتاة عارية في نحته عارية مستلقية".
طوّر ماتيس أعماله النحتية بصورة متوازية مع اللوحات سقطت منحوتة عارية مستلقية"على الأرض فجمع ماتيس أجزاءها ثم أخذ قماشة كبيرة ورسم نفس هذه العارية في لوحته ذكرى بيسكرا"دون أن يجري عليها أي تغيير .
الفتاة مستلقية بثقل ويتحدد وقع اللوحة من خلال التوتر بين الوجود المادي للفتاة والانبساط الحيزي لإطار اللوحة.
إن ما يثير اهتمامي اكثر هو الشكل الإنساني وليس الطبيعة الجامدة او المناظر الطبيعية.
إن رسم الشكل الإنساني أفضل طريقة بالنسبة لي للتعبير عن ما يمكن ان أسميه شعوري الديني الخاص حول الحياة البشرية".
قالت الأديبة غرترود شتاين زوجة ليوشتاين حول لوحة عارية مستلقية"ما يلي : في هذه اللوحة حقق ماتيس عن قصد نيته في رسم خطوط الجسم البشري بحيث تتناغم هذه الخطوط مع القيم المرئية للألوان غير الممزوجة التي لم يضف عليها ماتيس سوى اللون الأبيض".
جلب ماتيس معه من بيسكرا فخاريات وملابس وأشياء أخرى وجد لها استعمالات متعددة في لوحاته.
غيرت الفنون والحرف الشرقية التي شاهدها تصوره حول الشرق وأصبح الفن الإسلامي نقطة مرجعية مهمة له.
كان متحف الفنون الزخرفية قد عرض نماذج من الفن الإسلامي عام 1893 وعام 1894 وعام 1903 وكان بإمكان أي شخص مشاهدة مجموعة الفن الإسلامي في متحف اللوفر في أي وقت.
خلال المعرض العالمي الذي أقيم في باريس عام 1900 عرضت الأجنحة التركية والفارسية والمغربية والتونسية والجزائرية والمصرية نماذج عديدة من الفن الإسلامي
أوحت الخزفيات الإسلامية إلى ماتيس القاعدة الحيوية التي اتبعها في أعماله : وضع الألوان بدون مزج ووفق امتداد مسطح وكان الغرض من ذلك تحقيق الدرجة القصوي من الروعة بأدني قدر من الجهد.
بالإضافة إلى الخزفيات تعرف ماتيس إلى السجاجيد الشرقية وخصص دوراً مركزياً في أعماله لرسوم السجاجيد والقماش.
أشارت لوحته سجاجيد شرقية"رسمها ماتيس عام 1906 بالألوان الزيتية علي قماش قياس 89 5,116 سم إلى بداية اهتمام ماتيس بالفن الزخرفي.
كان الفن الزخرفي بالنسبة لماتيس وسيلة للتعبير عن الروح من خلال الألوان الخالصة والرسوم العربية التجريدية والأبعاد المسطحة والإيقاع ولكن الفن الزخرفي لا يظهر محتواه الروحي إذ يتطلب من الرسام أن يشير إلى هذا المحتوي بصورة ضمنية.
تعلم ماتيس الكثير من الفن الإسلامي ولكنه تعمق أيضا بدراسة الفن الغربي
لاحظ بعد ان زار عدة مدن في إيطاليا وشاهد اللوحات الجدارية في الكنائس بأنه شعر بالإحساس بما توحي اليه هذه الرسوم من خلال الخطوط والتأليف واللون.
استمر ماتيس في استقاء إلهامه من المناظر الطبيعية المحيطة بقرية كوليور والآن بصورة متناقضة تماماً مع مبادىء الفن المتوحش أعطى الضوء اللامع لألوانه صفة شفافة تقريباً ومزج المشهد الأمامي والمشهد الخلفي للصورة في عملية توزيع جديدة للألوان
في لوحة ضفاف الجدول"لوحة رسمها عام 1907 بالألوان الزيتية على قماشة قياس 73 5,60 سم نرى تدرجاً لونياً مكتوماً للألوان البنفسجية والزرقاء والخضراء التي تسطح المشهد الأمامي في حين يركز اللونان الأخضر والبرتقالي على المشهد الخلفي
تحدد خطوط الجدول ومساره الصورة وانعكاسها ومن خلال التكرار المعكوس يتحول المنظر الطبيعي إلى رسم تجريدي للنمط.
شجعت الرسامة سارة شتاين وبعض الرسامين الألمان الذين كانوا يحترمون ماتيس كأستاذ عظيم الرسام ماتيس على تأسيس مدرسة فنية ونفذ ماتيس ذلك بالفعل
درس أسلوبه في الرسم من عام 1907 الي عام 1909 وكان يتابع هذه الدروس أكثر من 60 رساماً ورسامة.
ولكن ماتيس وجد أن من الأفضل التوقف عن التدريس لأن هذا العمل أبعده عن الاهتمام بعمله الفني فأقفل المدرسة.
سافر ماتيس إلى ألمانيا عام 1908 طلبت منه غريتا زوجة أوسكار مول التي كانت إحدى طالباته في مدرسته رسم صورة شخصية لها مقابل ثمن.
بدأ ماتيس يرسم هذه اللوحة ببطء ولكنه غير شكل ووضعية الذراعين والحاجبين وأعطى صلابة أكبر للأشكال.
وبعد أن أنهى اللوحة رفضت غريتا قبولها لأنه أخضع اللوحة تماماً إلى مفاهيمه الشكلية الخاصة فجاءت بعيدة عن الواقع رسم ماتيس لوحة غريتا مول"عام 1908 بالألوان الزيتية على قماشة قياس 93 على 5,73 سم محفوظة الآن في صالة العرض الوطنية في لندن.