بعد أكثر من40 عاما على الساحة السياسية يقترب الرئيس الفرنسي جاك شيراك من أجراء طلاق نهائي مع الحياة السياسية حيث تحيط به الذئاب.
وعلى الرغم من أنه لم يستبعد ترشيح نفسه لفترة رئاسة ثالثة في انتخابات الرئاسة المقررة العام المقبل وهذا أمر لم يسبق له مثيل في فرنسا الا ان لا أحد يصدق أن السياسي المخضرم /73 عاما/ لديه ما يكفي من الطاقة أوالتأييد لاطالة أمد بقائه في السلطة.
ومع قرب اسدال الستار على عقود من حكمه لا يحظى شيراك باشادة المعلقين بل لا يكاد يمر أسبوع دون أن يظهر انتقاد جديد له في كتاب أو في فيلم سينمائي أو على شاشات التلفزيون.
فالصحفيون يدلون بدلوهم والخصوم يتأهبون والاصدقاء ليس لهم وجود قوي على الساحة.
وتردد الانتقادات بشكل عام سؤالا واحدا بسيطا هو لماذا لم يحقق شيراك انجازات أكبر.
وتساءل فيلم تسجيلي عرضته قناة فرانس-2 التلفزيونية في الفترة الاخيرة //لماذا ارتكب كائن سياسي موهوب في القدرة على الوصول الى القمة... كل هذه الاخطاء.// وخلص الفيلم الى أن //هذا هو لغز شيراك..// وكانت هذه هي أول مرة تعد فيها قناة تلفزيون حكومية تقريرا كاملا عن رئيس في الحكم وتستضيف طيفا واسعا من السياسيين الكبار يصورون شيراك باعتباره شخصا يمكن للمرء الميل اليه ولكن ليس بالضرورة اكباره.
ويقول فيليب سيجان العضو البارز في المعسكر اليميني الذي ينتمي اليه الرئيس //شيراك كان دون جوان سياسة. فهو اكثر انشغالا بالوصول للسلطة والبقاء فيها منه بممارسة هذه السلطة.// ويقول حلفاء الرئيس الذين تتقلص اعدادهم ان شيراك اصبح متلقي الصدمات الذي يخفف أثرها عن اليسار واليمين على حد سواء قبيل انتخابات2007 في وقت تجاهد فيه فرنسا للتأقلم على العولمة.
وقال المؤرخ الان جيرار سلامة //الرئيس الحالي أصبح كبش فداء قدر عليه أن يتحمل جميع خطايا النظام الجمهوري.// ووصف الانتقادات التي يتعرض لها الرئيس بانها عملية //تطهير معنوي// لمنصب الرئاسة قبل ان يشغله قادم جديد.
ودخل شيراك الوزارة في حكومة رئيس الوزراء جورج بومبيدو عام1962 . ومنذ ذلك الحين قفز من منصب الى اخر وتولى مرتين منصب رئيس الوزراء في الفترة من1974 الى1976 وفي الفترة من1986 الى 1988 وتولى منصب الرئاسة منذ عام1995 .
وعلى الارجح لم يحقق أي سياسي اخر في الغرب مثل هذا النجاح في الوصول الى السلطة لكن على الرغم من كل هذه الانتصارات يقول منتقدو شيراك انه سيتم تذكره بأخطائه العديدة وبخاصة عدم قدرته على تحديث البلاد.
ومن بين عناوين الكتب التي ظهرت على ارفف المكتبات هذا العام //غير المسؤول// و//شيراك والاربعين كاذبا// و//اطفالنا سيكرهوننا// و//فرنسا قادرة على تحمل الحقيقة// و//كفى كذبا ونفاقا ووعودا وثرثرة وخيانة وجبنا.// وفي أكثر الكتب مبيعا //مأساة الرئيس// يقول المؤلف فرانس اوليفييه جيبير ان شيراك كانت لديه شهية لا تشبع لكل شيء باستثناء الاصلاحات الحقيقية الصارمة.
وقال //انه غول. يلتهم كل شيء بنفس الشراهة. الرجال والنساء والافكار والاميال والحب والهزائم والوجبات الرخيصة. كل شيء في الحياة يتبع الدورة نفسها... عسر الهضم ثم الهضم ثم الاخراج. فهو لا يبقي على شيء ولا حتى الاصدقاء.// ومما يثبت هذه النقطة أن بعض اصدقائه السابقين نقل عنهم انتقاد الرئيس المسن الذي يعتبر أقل الرؤساء شعبية في تاريخ الجمهورية الخامسة.
ويقول وزير الداخلية نيكولا ساركوزي المحافظ الذي يأتي في طليعة المرشحين في انتخابات الرئاسة المقبلة //قد يعتقد المرء أن جاك شيراك غبي جدا ولطيف جدا لكنه في الواقع ذكي جدا وغير لطيف بالمرة.// واستخدم فيلم سينمائي بدأ عرضه في الصيف كلمات شيراك ذاتها للسخرية منه.
واستخدم فيلم //ان تكون جاك شيراك// مقتطفات من تسجيلات تلفزيونية وتسجيلات اخرى لعرض صورة قاسية ولكن مضحكة للغاية للرئيس بعرض تصريحات متناقضة متتالية عن قضايا تتراوح من أوروبا الى السلامة على الطريق.
واكسبته هفواته السياسية لقب //دوارة الريح// التي يتغير اتجاهها بتغير اتجاه الهواء مما يعطي منتقديه ذخيرة لا تنفد لمهاجمته.
وقال ريمون بار رئيس الوزراء السابق لقناة فرانس-2 //لديه القدرة على تغيير مواقفه السياسية مما يجعله من أكبر الانتهازيين.
انه فارس الانتهازية.// لكن سجل شيراك يصعب تقييمه اذ يضم بوادر رمزية بقدر ما يضم سياسات ملموسة ووصم في سنوات لاحقة بفضائح فساد سياسي.
وفي حين حقق نجاحات لا يشكك احد فيها الا ان الاستياء بسبب الاقتصاد واستمرار معدلات البطالة المرتفعة ومشكلات تكامل الاقليات العرقية طغت عليها.
ويقول المؤلف جيبير ان من المفارقات أن شيراك نفسه كان يعلم انه سيتعرض لانتقادات عنيفة اذا أمضى وقتا طويلا في الحكم.
ففي حديث خاص مع جيبير بعد فترة وجيزة من فوزه بفترة الولاية الاولى عام1995 قال شيراك انه قرر عدم السعي لفترة ولاية ثانية عندما ينتهي أجل تفويضه.
وقال شيراك //هذا خطأ. عندما تبقى في السلطة لفترة طويلة في ديمقراطية ينتهي بك الامر مطرودا بركلة من الخلف ناهيك عن كل الانتقادات التي ستتعرض لها.// لكن شيراك سعى لفترة ولاية ثانية وفاز بها. وكما توقع جاءت الركلات والانتقادات في موعدها.