أعداء الديموقراطية يخاصمون الأحزاب السياسية

الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يتحدث لـ الصحراء المغربية

الإثنين 30 يناير 2006 - 17:35
محمد اليازغي

أكد محمد اليازغي، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن عدم الحسم في ملف المهدي بنبركة سببه امتناع الأشخاص، الذين تربطهم علاقة بهذا الملف، عن التعاون مع هيئة الإنصاف والمصالحة، وأضاف موضحا أنه بالرغم من العمل الجبار، الذي قامت به الهيئة، إلا أ

وقال محمد اليازغي، في حوار مع "الصحراء المغربية"، إن المغرب مستعد في الوقت الراهن للكشف عن كل الحقيقة بخصوص ملف المهدي بنبركة، مشددا على أن الطرف الفرنسي عليه بدوره أن يدلي بكل الأوراق والوثائق، التي يتوفر عليها، بخصوص هذه القضية، حتى تبرز الحقيقة كلها، حول اختطاف واغتيال بنبركة.

وأبرز الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أن نشر مذكرات عبد الرحيم بوعبيد ليس من شأنه أن يلقي بظلاله على التحالف مع حزب الاستقلال، نافيا أن تكون وراء نشر هذه المذكرات خلفية سياسية.
ودافع اليازغي عن الأحزاب وعن دورها وعن ضرورتها للحياة الديمقراطية، مؤكدا أن من يخاصم الديمقراطية يبدأ بمخاصمة الأحزاب السياسية.

َ٭قدمتم في الفترة الأخيرة، خلال ندوة صحافية، ملاحظات حول التقرير الختامي لعمل هيئة الإنصاف والمصالحة، مع تركيزكم على الإشادة بعملها،
هل يمكن أن نستنتج من خلال هذه الملاحظات أنكم تعتبرون أن عمل الهيئة يشوبه القصور كونه لم يكشف عن مصير المهدي بنبركة ولم يحسم في ملف عدد كبير من المختطفين ومن مجهولي المصير؟


ـ بداية، لابد من الإقرار بأن عمل هيئة الإنصاف والمصالحة كان عملا جبارا، وأن كل من سيطلع على مضامين التقرير النهائي للهيئة سوف يلمس الخطوات الكبيرة التي خطتها الهيئة في ما يتعلق بالكشف عن حقيقة ما جرى من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في فترة معينة من تاريخ المغرب، خصوصا أن الهيئة اشتغلت على فترة 43 سنة، وهي أطول فترة مقارنة مع الفترات الزمنية، التي اشتغلت عليها هيئات مماثلة، سواء في إفريقيا الجنوبية، أو في بعض دول أميركا اللاتينية.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الحيز الزمني، الذي خصص لعمل الهيئة لا يتجاوز 14 شهرا، فإنه لابد من التأكيد على أن ما قامت به هذه الهيئة يعتبر عملا مهما
لكن، من جهة أخرى، أبرزت الهيئة نفسها أنها لم تتمكن من استكمال كل التحريات التي باشرتها، مما جعل ثمة ملفات تبقى عالقة، ومن ضمن توصيات الهيئة أن يتواصل البحث بشأنها.

٭ أين يكمن الخلل في عدم تسليط الضوء على عدد من الملفات، وفي مقدمتها ملف المهدي بنبركة، هل يكمن الخلل في عمل الهيئة نفسها، أم في عدم استعداد الدولة للكشف عن كل الملفات؟

ـ كان خطاب جلالة الملك محمد السادس عند تنصيب الهيئة بمدينة أكادير واضحا كل الوضوح في وجوب البحث عن الحقيقة وتسليط الأضواء على حقبة من تاريخ المغرب السياسي.
وكان خطاب جلالته واضحا في دعوته الجميع إلى التعاون مع الهيئة للوصول إلى هذه الغاية.
لكن هذا التعاون لم يحصل، ونحن على قناعة، بخصوص ملف المهدي بنبركة، أن الأشخاص الذين تربطهم علاقة باختطاف واغتيال المهدي بنبركة لم يستجيبوا لنداء جلالة الملك، وبالتالي فهم لم يتعاونوا بشكل كاف ومقبول مع الهيئة من أجل إبراز الحقيقة.

٭في علاقة بالموضوع، وبخصوص الإنابة القضائية في هذا الملف بالذات، كانت هناك انتقادات موجهة إلى السلطات المغربية كونها لم تقم بأي شيء في إطار هذه الإنابة، ما رأيكم؟


ـ أولا، كون المغرب قَبِل الإنابة القضائية في ملف المهدي بنبركة، فهذا يمكن اعتباره خطوة كبيرة.
المشكل كان منحصرا بين قاضي التحقيق الفرنسي وقاضي التحقيق المغربي
ما ندعو إليه، هو ضرورة أن يدلي الطرف الفرنسي بكل ما لديه بشأن ملف المهدي بنبركة، فالطرف الفرنسي مازال يحتفظ بعدة معلومات ومعطيات أساسية، من جهة أخرى، وطالما أن المغرب قبل الإنابة القضائية، فإن المطلوب هو أن يتعاون القضاء المغربي بشكل مطلق مع القاضي الفرنسي بشأن هذه القضية.

٭هل أنتم واثقون أن المغرب مستعد، في الوقت الراهن، للكشف عن كل الحقيقة بخصوص هذا الملف؟

ـأكيد، وإلا فإنه كان بإمكان المغرب أن يظل متشبثا بموقفه السابق الرافض للإنابة القضائية في هذه القضية.

٭ أثار نشر مذكرات عبد الرحيم بوعبيد على صفحات جريدة "الاتحاد الاشتراكي" انتباه الرأي العام الوطني، الذي بدأ يتساءل عن الخلفية الحقيقية وراء نشر مذكرات الراحل.هناك من يوحي بوجود خلفية سياسية،ما رأيكم؟

ـ ليست هناك أية خلفية سياسية وراء نشر هذه المذكرات، لقد قررت مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد للثقافة والعلوم نشر الجزء الأول من مذكرات الفقيد عبدالرحيم بوعبيد بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لرحيله صحبة وثائق أخرى : تقارير، وخطب، إلخ .

علما أن المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، الذي حرر هذه الوثائق، هو نفسه كان من مؤسسي الكتلة الوطنية سنة 1970 مع المرحوم علال الفاسي، وهو نفسه الذي قدم المذكرة المشتركة مع الأخ امحمد بوستة.

ولذلك، فتسليط الأضواء على مرحلة معينة من تاريخ المغرب، لم يَحُلْ دون استمرار الحزبين، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، في التحالف القائم بينهما، ولا يمكن أن يكون لهذه المذكرات أي انعكاس سلبي على مسار هذا التحالف، الذي أعتبره ضروريا في الوقت الراهن.

٭ لفت التحاق أعضاء جدد، قادمين من أحزاب يمينية إدارية، بالاتحاد الاشتراكي انتباه عدد كبير من المهتمين بالشأن الحزبي. هناك من يرى في قبول هؤلاء القادمين الجدد قطيعة مع سلوك الحزب، الذي لم يكن يقبل في عضويته سوى من يتقاسم مع الحزب أفكاره وقيمه ومبادئه. وبرأي هؤلاء، فإن احتضان الحزب لهؤلاء الأعضاء يتحكم فيه السعي، بأي ثمن، إلى استقطاب أعضاء جدد تحضيرا للانتخابات المقبلة، ما رأيكم؟ ـ

من بين التوصيات، التي خرج بها المؤتمر الوطني السابع للحزب، ضرورة الانفتاح على الأطر والكفاءات، التي يزخر بها المغرب، والعمل على استقطابها، إذا كانت هذه الأطر تتقاسم اختيارات وقيم الحزب.

فكل من طلب الالتحاق بحزبنا، ولم يكن هناك اعتراض لتنظيماتنا في منطقته أو في قطاعه، إلا ورحبنا به، لأن ذلك يندرج في إطار تفعيل مقررات مؤتمرنا الوطني السابع.

٭تعرض العمل الحزبي في السنوات الأخيرة لانتقادات من طرف بعض النخب الفكرية والسياسية والإعلامية، وتتركز مجمل هذه الانتقادات حول فكرة أساسية تؤكد تراجع دور الأحزاب السياسية وخفوت صوتها في المجتمع وتقلص إشعاعها
ما رأيكم؟

ـ لقد ناضلت الأحزاب الوطنية لمدة طويلة من أجل أن نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم في المغرب من تحقيق مكتسبات على درب الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان
وعمل هيئة الإنصاف والمصالحة يشهد على ما قاسته الأحزاب الوطنية، في سياق كفاحها من أجل الحرية والديمقراطية.
لقد قُتل قادتنا : المهدي بنبركة وعمر بنجلون
إن حرية التعبير، التي نفتخر بوجودها اليوم، جاءت ثمرة نضال وجهاد مناضلينا في الأحزاب الديمقراطية. ثم إنه، وهذا شيء معروف على صعيد العالم كله، فكل من يخاصم الديمقراطية يبدأ بمخاصمة الأحزاب السياسية، لأنه لا تبنى أي ديمقراطية في عصرنا الحاضر، إلا بوجود أحزاب قوية، أما إذا غابت هذه الأحزاب، فلا يبقى هناك سوى اللوبيات والمال للتحكم في مصائر الشعوب.لذلك، فأنا أرى أن من يعادي الأحزاب، فإنه في الواقع، لا يريد للمغرب أن ينجح في انتقاله الديمقراطي.

٭هناك من يرى في ضعف ثقة المواطن في الأحزاب، وتراجع مستويات التأطير الحزبي، وضعف المشاركة في العمليات الانتخابية، مؤشرات دالة على أزمة العمل الحزبي. ما هو ردكم على ذلك؟

ـ لقد قيل هذا الكلام قبل انتخابات 2002، حيث كان الجميع يعتقد بأننا سنعاقب، فإذا بالناخبين يصنفون الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كقوة أولى في البلد، وإن لم يكن بالحجم الذي كنا نتمناه.
لكن، بالرغم من ذلك، خرجنا كحزب أول، وهذا ما أفرزته صناديق الاقتراع، يبقى مشكل ضعف الإقبال على عملية الاقتراع ،فهذا مشكل مطروح على البلد ككل، وليس فقط على الأحزاب.

صحيح أن الانتقال الديمقراطي، وغرس الديمقراطية، يتطلب مشاركة واسعة للشعب المغربي، وخصوصا فئة الشباب.
الآن يحق لكل شاب بلغ سن الثامنة عشرة أن يدلي بصوته في العملية الانتخابية، ومن الضروري أن تعمل الأحزاب، ومن ضمنها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على إقناع الناخب أن مصيره بيده، وأنه ليس من مصلحته ترك المكان فارغا، لأنه إذا ترك المكان فارغا فسيحتله شخص آخر.

لا يجب أن يعتقد الناخب أن امتناعه عن التصويت لن يكون لديه انعكاس عليه، فحق التصويت حق من حقوق الإنسان، إنه حق من حقوق المواطنة. ثم إن ضعف المشاركة في العملية الانتخابية في المغرب ليس بالحجم الكبير الذي نعتقده مقارنة مع أقطار أخرى
فالمشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت لا بأس بها، وينبغي أن نقارن هذه المشاركة بالماضي.

ففي الماضي كان يقع شحن المواطنين في السيارات والشاحنات لكي يدلوا بأصواتهم في مكاتب التصويت، وبالتالي كان من الطبيعي أن تكون نسبة المشاركة في الاقتراع مرتفعة. لكن، رغم ذلك، لابد أن تحرص الأحزاب السياسية، اليوم، على أن تكون مشاركة المواطن في عملية التصويت أوسع مما كانت عليه في السابق، وخاصة من قبل الفئات الواعية من الشعب المغربي.

٭كيف تنظرون إلى خطر الأصولية الإسلامية؟

ـ الخطر الأصولي لم يبرز في شكله المرعب إلا في الاعتداءات الإرهابية لـ 16 ماي
ويبرز خطره في الخلايا النائمة أو المتحركة.
هذا خطر حقيقي، ومن ورائه إيديولوجية متخلفة، تتصور أننا كبلد إسلامي ينبغي أن نعيش في إطار نظام استبدادي، ليس فيه للشعب أن يقرر مصيره، ولا يتمتع فيه بحرية الفكر وحرية المبادرة، ولا يسوده احترام لحقوق المرأة.

هنا مكمن الخطر ليس على المغرب فقط، وإن كان هذا الخطر بالنسبة للمغرب قائم بمستويات أقل مقارنة مع بلدان أخرى.

٭ ما هو موقفكم من الأحزاب الإسلامية التي تعمل في إطار المؤسسات القائمة؟

ـ لا يمكن لي أن أتحدث باسم حزب آخر، سواء كان هذا الحزب إسلاميا أم لا.

٭ لكن هناك من يقول إن الإسلاميين قادمون، ومن يتنبأ باكتساح الأحزاب الإسلامية للساحة السياسية، وباستقطابهم لأكبر نسبة من الأصوات خلال الانتخابات المقبلة
ما رأيكم؟


ـ من الممكن أن مروجي هذا الكلام يرغبون في أن يتحقق ما يروجون له، نحن من حيث المبدأ، مع التعددية، ومع أن يتنافس المتنافسون.
ونحن، بطبيعة الحال، لا يمكن إلا أن نكون في صف المدافعين عن الديمقراطية والحداثة.

٭ بصفتكم كاتبا أول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وباعتباركم ناضلتم منذ فترة شبابكم الأولى من أجل الدفاع عن مبادئ هذا الحزب، وعانيتم من أجل ذلك كثيرا، نسألكم اليوم، كما يتساءل الكثير من المقربين لتنظيمكم : أين هو حزب القوات الشعبية اليوم من المبادئ والقيم الكبرى : العدالة الاجتماعية، الاشتراكية، التي ناضل في سبيلها لفترة طويلة؟

ـ نحن متشبثون دائما بقيم الحزب ومبادئه، وقررنا ولوج المؤسسات المنتخبة للدفاع عن هذه المبادئ والأفكار، ونسعى ونحن في الجهاز التنفيذي أن تكون اختيارات البلاد وفق هذا التوجه.
المغرب، اليوم، يعيش ظروفا مغايرة تماما للظروف التي عاشها في الماضي، على كل المستويات، سواء تعلق الأمر بتوسيع هامش الحريات العامة وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، أو في ما يتعلق بالإصلاحات الكبرى، التي شملت المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

هل كنتم تتصورون أن يصدر قانون يجرم التعذيب لولا تشبثنا بمبادئ حقوق الإنسان وبالقيم، التي دافعنا عنها طيلة عقود من الزمن؟ وهل كنتم تتصورون أن يجري إنصاف ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب؟ إننا نفتخر كون هذه المكتسبات تحققت ونحن في الحكومة.

٭ بالرغم من المكتسبات التي تحققت، منذ مجيء حكومة التناوب إلى اليوم، فإن ثمة مشاكل ما زالت قائمة، وعلى رأسها : الفقر والبطالة والأمية
كيف تقيمون الأداء الحكومي في هذا الصدد؟


ـ لا يمكن لأي أحد اليوم أن ينكر الجهود التي تبذلها الحكومة الحالية منذ موافقة البرلمان على برنامجها، في سبيل النهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لبلدنا
صحيح أن مشكل البطالة ما زال مطروحا، لكن يجب ألا ننسى أن المد الديمغرافي لسنوات السبعينيات والثمانينيات جعل أن ما لا يقل عن 600.000 من الشابات والشبان يطرقون سنويا أبواب الشغل.

وهناك، بطبيعة الحال، تقريبا 150.000 منصب شغل يفرغ، إما بسبب التقاعد أو الوفيات أو غير ذلك من الأسباب.
ويتعين على المغرب، اليوم، أن يحدث سنويا ما يفوق 300.000 منصب شغل
ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بوجود استثمارات أقوى، ومن هنا أهمية دعوة المستثمرين في الخارج لتوظيف رؤوس الأموال في المغرب، لأن الرأسمال الوطني ما زال محدودا، بالرغم مما يعرفه من تطور وتجدد، ورغم كفاءات وقدرات المقاول المغربي اليوم
البرنامج العشري، الذي وضع في ميدان السياحة، والبرنامج الحالي المتعلق بالنهوض بالقطاع الصناعي، وغيرها من البرامج، كلها تروم في أبعادها الاستجابة لأكبر عدد ممكن من طلبات الشغل.

وبالنسبة لمشكل الفقر، لايسعنا إلا أن نتساءل كيف وصلنا في المغرب إلى تسجيل مستويات مرتفعة من الفقر؟ لذلك فإن مناسبة مرور 50 سنة على استقلال المغرب تسائلنا هي كذلك.
من استفاد خلال كل هذه الفترة، ومن كان ضحية للاختيارات التي جرى تبنيها آنذاك؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرح.
اليوم، هناك إرادة قوية لمواجهة معضلة الفقر، وهو ما عبرت عنه بشكل جلي المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أظهرت أن التنمية المستدامة وتطور المغرب رهينان بالقضاء على الفقر وفك العزلة عن المناطق الأكثر فقرا، وإخراجها من التهميش
وعمل البرنامج الحكومي كله يصب في هذا الاتجاه.




تابعونا على فيسبوك